Published On 18/3/202618/3/2026
انقر هنا للمشاركة على وسائل التواصل الاجتماعي
share2
اختار مسلسل “المحافظة 15” واحدة من أكثر النقاط حساسية في العلاقة بين لبنان وسوريا، مقدما محاولة درامية لإعادة قراءة مرحلة الوجود السوري في لبنان من زاوية مختلفة. فبدلا من الاكتفاء باستعادة خطاب “الاحتلال” بصيغته المعهودة، يطرح العمل سؤالا مغايرا: ماذا لو كان الجميع ضحايا المنظومة نفسها؟
المسلسل من إخراج سمير حبشي، الذي يميل في أعماله إلى الواقعية الهادئة والابتعاد عن المبالغات الدرامية، فيما كتبت النص كارين رزق الله التي تشارك أيضا في البطولة إلى جانب الممثلين يورغو شلهوب وحسن خليل، ضمن توليفة تجمع ممثلين لبنانيين وسوريين، في انعكاس واضح لطبيعة الحكاية نفسها وتشابك مصائرها.
اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list
ويفتتح العمل حلقته الأولى بمشهد خروج المعتقلين من سجن صيدنايا بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024. مشهد لا يمنح المتفرج وقتا طويلا للتمهيد، بل يدفعه مباشرة إلى لحظة فاصلة تتقاطع فيها السياسة مع المصير الشخصي، وتختلط مشاعر الحرية بالذهول والخوف من العالم الخارجي.
ومن بين الخارجين فؤاد، مواطن لبناني أمضى 28 عاما خلف القضبان بعد اختفائه خلال سنوات الوجود السوري في لبنان، في وقت كانت عائلته قد تكيفت مع فكرة موته، وروجت رواية غرقه في بحر بلدته “عمشيت” بعد رحلة غطس لم يعد منها. وإلى جانبه خالد، سوري قضى 13 عاما في الاعتقال، بينما كانت عائلته تعتقد أنه فارق الحياة، قبل أن يكتشف بعد الإفراج عنه أنهم نزحوا إلى لبنان هربا من تهديدات أعقبت اعتقاله.
من السجن إلى البيت.. تشابك المصائر
لا يبني مسلسل “المحافظة 15” حبكته على لحظة الاعتقال نفسها بقدر ما ينشغل بما بعدها. فالخروج من السجن لا يعني نهاية الحكاية، بل بداية مواجهة مؤلمة مع عالم تغير بالكامل.
يعود فؤاد إلى بيت أعاد تشكيل نفسه في غيابه. لم يبقَ في استقباله سوى بعض الأقارب. وتنعكس آثار السجن على تفاصيل صغيرة من ارتباك الخطوات وصمت ثقيل في اللقاءات ونظرات شاردة إلى الوجوه التي يفترض أنها مألوفة، وآثار لا تشرح بالكلمات بقدر ما تظهر في التوتر الذي يرافق الشخصية.
أما خالد، فيعبر الحدود إلى لبنان بحثا عن عائلته، ليجد نفسه ضيفا في بيت فؤاد الذي شاركه الزنزانة. ومن هذه النقطة يبدأ المسلسل نسج مساره الدرامي: رجلان من بلدين مختلفين جمعهما سجن واحد، لتتشابك حياتهما خارجه كما تشابكت سابقا داخل جدران صيدنايا.
إعادة تعريف “المحتل”
أكثر ما يميز العمل ابتعاده عن الثنائية التقليدية في سرد تلك المرحلة، لبناني ضحية في مواجهة سوري ممثل للسلطة، وبدلا من ذلك، يطرح “المحافظة 15” مقاربة مختلفة ترى في الشعبين ضحيتين لبنية استبدادية واحدة.
فالعنوان نفسه يحمل دلالة سياسية واضحة، إذ استخدم مصطلح “المحافظة 15” خلال مرحلة الوصاية للإشارة إلى لبنان بوصفه امتدادا للمحافظات السورية الأربع عشرة.
وفي هذا المعنى، لا يستعيد المسلسل الذاكرة بوصفها سجالا سياسيا، بل بوصفها تجربة ألم مشتركة خلفت آثارها على مجتمعين كاملين.
بين الذاكرة والراهن
دراميا، يتحرك المسلسل على ثلاثة محاور متوازية: ذاكرة المفقودين في لبنان، وجراح الاعتقال في سوريا، والتحولات التي فرضها النزوح السوري على العلاقات بين الشعبين في السنوات الأخيرة.
ولا يسعى العمل إلى إعادة تمثيل الوقائع السياسية الكبرى بقدر ما يتناول تداعياتها النفسية والاجتماعية. فعودة فؤاد إلى الحياة تكشف فراغا ثقيلا: والده ووالدته وشقيقه رحلوا خلال سنوات غيابه، ولم يبق لاستقباله سوى أقاربه وامرأة كانت يوما رفيقة دربه، وهي الممثلة اللبنانية كارين رزق الله بدور “مونيا”.
المفارقة القاسية أن مونيا، التي كانت قد اصطحبته إلى مظاهرة ضد الوجود السوري وكانت شرارة اعتقاله، تستقبله اليوم بصفة مختلفة تماما: نائبة في البرلمان ومتزوجة لها حياة جديدة بالكامل. وعودة فؤاد لا تعيد لها الماضي فحسب، بل تربك الحاضر أيضا، وتضع الجميع أمام مواجهة غير متوقعة مع تاريخ شخصي وسياسي في آن واحد.
جرأة محسوبة وأهمية راهنة
لا يعتمد “المحافظة 15” على الحوارات التفسيرية أو الخطاب المباشر، بل يراهن على الاقتصاد في الكلام وثقل الذاكرة، مستثمرا تقنية الاسترجاع الفني (Flashback) لإضاءة قصة الحب القديمة بين فؤاد ومونيا، وربطها بالسياق السياسي الأوسع.
ومع ذلك تبقى جرأة العمل في إعادة توزيع موقع الضحية والمسؤولية أبرز نقاط قوته. فالنظام السوري السابق في موقع الاتهام، لكن الشعبين في موقع الضحية.
وقد تبدو هذه المقاربة بديهية في سياق سياسي أوسع، لكنها في دراما تتعامل مع ذاكرة لبنانية مثقلة بتجربة الوجود السوري تبقى خيارا محفوفا بالحساسيات.
لا يقدم المسلسل إجابات نهائية، ولا يحاول تسوية تاريخ معقد. لكنه يوسع مساحة النقاش، ويقترح فكرة بسيطة في ظاهرها وعميقة في معناها: حين يتمدد الاستبداد، فإنه لا يترك خلفه سوى ضحايا بأسماء وجنسيات مختلفة.
ومن صيدنايا إلى بيروت، في هذه المسافة بين الذاكرة والراهن، وبين السياسة والإنسان، يجد “المحافظة 15” أهميته الدرامية، ليس لأنه يحسم الجدل، بل لأنه يعيد فتحه من زاوية أقل صخبا وأكثر إنسانية.

