في مطلع التسعينيات، ضجّت القاهرة بخبر امرأة عُرفت بلقب “خاطفة الأطفال” أو “بنت إبليس”، اسمها عزيزة، وهي امرأة قيل إنها عانت حرمان الإنجاب، فاندفعت إلى خطف ثلاثة أطفال بدافع رغبتها العارمة في اختبار شعور الأمومة الذي حُرمت منه.

في رؤية خاصة للمخرج سامح علاء، الفائز في مهرجان كان السينمائي عن فيلم “ستاشر”، يروي مسلسل “حكاية نرجس” قصة امرأة لم تعرف الهدوء ولا السكينة يوماً، ولم يكن ذنبها في نظر نفسها سوى أنها حُرمت الإنجاب وتتشبث بحلم الأمومة.

تخلع نرجس (ريهام عبد الغفور) قناع الهدوء تدريجياً، وتتحول إلى امرأة لا تعبأ بالقانون، مدفوعة بهدف واحد: خطف الأطفال من أجل تأسيس عائلة تتخيلها خلاصاً لحياتها. يشاركها البطولة عوني (حمزة العيلي)، زوجها الذي يتواطأ معها في التخطيط لعمليات الخطف، بعدما أقنعته بأن سبب عدم الإنجاب يعود إليه.

لترسيخ هذه القناعة، تلجأ نرجس إلى تزوير نتائج الفحوصات الطبية الخاصة بزوجها مرتين، بالاتفاق مع صديقتها في المستشفى، وذلك بعد محاولات عوني المتكررة للعلاج أملاً في إنجاب طفل.

تبتعد ريهام عبد الغفور عن القوالب التقليدية التي كثيراً ما تُفرض على بطلات الدراما؛ فلا قصة حب رومانسية تقود الأحداث، ولا عصابات تطارد البطلة أو تسعى إلى النيل منها. بل اختارت، بالتعاون مع المنتج محمد مشيش، خوض تجربة درامية تستند إلى واقعة حقيقية، حوّلها الكاتب عصام صبري إلى عمل درامي يمتد على 15 حلقة.

اعتمد المخرج سامح علاء على البعد النفسي الكامن في شخصية نرجس، مستثمراً قدرة الممثلة على تجسيد شخصية مغايرة لما اعتاده المشاهد في الدراما الرمضانية. فنحن أمام امرأة تعرف تماماً ما تريده، وتسعى بقدر من الازدواجية غير المتكلفة إلى تقديم وجه يبدو ملائكياً يخفي في داخله صراعاً عاصفاً.

منذ الحلقات الأولى، تحبس نرجس الأنفاس وهي تنطلق إلى الشارع باحثة عمّا تعتبره حقها في الأمومة؛ لا تخشى العثرات، ولا تكترث لكلام طليقها الذي يؤكد أنها غير قادرة على الإنجاب. بل تحاول، على العكس، أن تزرع الشك في نفسه تجاه زوجته الثانية التي أنجبت منه، مصرة على إقناعه بأن العقم ليس من جانبها.

ومنذ الحلقات الأولى أيضاً، لا تغفل نرجس نزعتها إلى الانتقام من الحياة ومن عقدة الحرمان التي تلازمها. ففي الحلقة الثانية تتزوج من عوني، الذي يكنّ لها حباً كبيراً ويحاول تحقيق أحلامها. غير أنها، خلال أشهر قليلة من الزواج، توهمه بأن الخلل في مسألة الإنجاب يعود إليه، وأن الحل الأمثل للحفاظ على صورته رجلاً في مجتمع شعبي هو الموافقة على تبنّي طفل. ومع مرور الوقت، تنزلق نرجس وعوني معاً إلى عالم جرائم الخطف.

وحين تكتشف شقيقتها هدى (بسنت أبو باشا) ما يحدث، لا تسعى إلى إنقاذ أختها، بل تسهم في تعميق تورطها، مدفوعة بتأثير زوجها سعد (تامر نبيل)، الذي يرى في خطف الأطفال وبيعهم لعائلات أجنبية وسيلة مربحة لجني المال.

تبتعد ريهام عبد الغفور في “حكاية نرجس” عن القوالب التقليدية التي كثيراً ما تُفرض على بطلات الدراما

بعيداً عن التفاعل الإيجابي الذي حظي به “حكاية نرجس” على بعض المنصات والمواقع، يمكن القول إن المسلسل يسلّط الضوء على ثغرات نفسية وإنسانية قد تدفع بعضهم إلى مسارات انتقامية قاسية.

ومن أبرز الأمثلة على ذلك، مشهد نرجس وهي تراقب حماتها في لحظات احتضارها من دون أن تسعفها، لأن الحماة لم تُخفِ يوماً نفورها من زوجة ابنها، وكانت تثير الشكوك حول مسألة الإنجاب. هنا، يضع العمل المشاهد أمام حالة معقدة: فهو مدفوع إلى إدانة نرجس أخلاقياً، وفي الوقت نفسه يجد أنه متعاطف مع جرحها الداخلي.

يدرك المنتج محمد مشيش كيفية طرح مثل هذه القضايا ضمن بناء درامي محكم. ولذلك، يسعى في أعماله إلى اكتشاف مخرجين وكتّاب يبتعدون عن المسارات التقليدية في الدراما العربية. غير أن هذا العمل تحديداً يبدو كأنه حاز إجماعاً على فرادة فكرته، وعلى حسن اختيار مجموعة من الوجوه التمثيلية التي تستحق هذه الفرصة، فضلاً عن سعيه إلى الابتعاد عن الدراما المعلبة أو تلك التي تُصاغ خصيصاً على مقاس نجومها.