“دور ثانوي”: بحث عن ماضٍ للتصالح معه (الملف الصحافي)

 

بتمعّن في التركيبة الداخلية للفنان، وحالته لحظة خفوت شهرته واقتراب نهايته، يضع النص السينمائي الثاني للمخرجة الجورجية آنا أوروشادزه، “دور ثانوي” (2026)، نفسه أمام أسئلة معقّدة عن الفنان وتقلّبات حياته، معالجتها سينمائياً تستدعي التفكير ملياً في اختيار الأسلوب السردي المناسب لها، والمتساوق بالضرورة مع جوهرها التأملي.

تختار صانعته الأسلوب السردي البطيء، لنقل الأجواء المكانية والنفسية لمسار حياة نياز (أداء رائع لداتو باختادزه)، الممثل السينمائي ذائع الصيت ماضياً، بعد تأديته أدواراً سينمائية ببراعة، أوصلته إلى سينمات عالمية بعد المحلية. يضع النص نياز (نهاية العقد الخامس من عمره) في أضعف حالاته النفسية والصحية، في مركز بحثه عن علاقاته بالوسط الذي اشتغل فيه، ومنه انبثقت جُلّ علاقاته العاطفية والعائلية. يأتي النص على مساره الحياتي بكتابة، تتحرّر من نمطيتها، وتقترح بدل ذلك نسقاً سردياً مختلفاً، يجمع بين الواقعي والمتخيل. نسق درامي لا يهتم كثيراً بالتتابع الزمني للأحداث، ولا بمسارها التاريخي، فالمهمّ في حياة الفنان تلك اللحظة التي يشعر فيها باقتراب نهايته الإبداعية والجسدية، ومحاولته استغلال ما تبقى لديه من وقت للتصالح مع ماضيه، قبل مغادرته الحياة، مُحمّلاً بذنوب وآلام سبّبها للذين كانوا قريبين منه.

“دور ثانوي”، الفائز بجائزتي فبريسي ولجنة التحكيم الخاصة بمسابقة الدورة الـ55 (30 يناير/كانون الثاني – 8 فبراير/شباط 2026) لمهرجان روتردام السينمائي الدولي، يحكي عن فنان لا علاقة له بالمستقبل، فالماضي والتصالح معه يهمّانه الآن. يتأتى ذلك الإحساس عبر حكاية مخرجة شابة، تعرض عليه دوراً ثانوياً في فيلم خيال علمي تشتغل عليه مع سينمائيين هواة. الشخصية، المطلوب منه تأديتها، تظهر في مشهد قصير، ثم تنتهي حياته بالموت. لقبول العرض أو رفضه، يطلب من المخرجة آزا (إيلين مايسورادزه) منحه ثلاثة أيام لقراءة السيناريو، المكتوب كالقصص المسلسلة المصحوبة برسومات توضيحية، للتفكير بالأمر. في الأيام التالية على اللقاء، تتداخل مسارات السرد بين حقيقة وجوده الجسدي، والنص/السيناريو الذي أخذه معه.

 

 

ما يبدو مُفكّكاً من مشاهِد، يأخذ بالتجمّع والتشكّل. هذا يجليه المشهد الأول، الذي تظهر فيه امرأة تدخل منزلها، وتفتح باب غرفة ولدها النائم، كما ينام الجنين في بطن أمه، وفي يده خصلة شعر مقطوع. المشهد العائم ينشد إلى مساره الأول، عبر تتبّع الرحلة الوداعية للفنان لمدينة تبليسي، واستعادته فيها ذكريات وعلاقات قديمة، أكثرها مع نساء وفنانات ارتبط بهن، لكنه هجرهن من دون اهتمام بما يتركه فراقه المتغطرس من آلام نفسية لهن، كالحاصل مع مانانا (ناتو مورفانيدزه)، التي دخلت إلى غرفة ولدها النائم.

في سياق استعادي، يتبيّن أنها زوجته السابقة، التي تركها مع ولدها المُصاب باضطراب نفسي، لم يتحمّل الفنان وجوده في بيته، لأنه يريد التفرّغ والتركيز الكلّي على عمله. لا يحاكِم النص سلوك بطله وأنانيته، بل يتفهّمه، لكنه لا يريد أن يمرّ من دون تجسيد كلّي لأبعاده وتأثيراته. أنانية المبدع ليست الشاغل الأساس لبحث المخرجة أوروشادزه، بقدر انشغالها في فهم تكوين الفنان، وتقلّبات المراحل الزمنية التي يمر بها. نصها (سيناريو أوروشادزه) تحية للفن، وتقدير لخصوصية مبدعه، مع كل ما يلازمه من أوجاع أو أضرار يسبّبها للآخرين.

رحلته في المدينة، أسبوعاً كاملاً، تعكس المناخات النفسية المؤلمة التي يعيشها الفنان بعد زمن من الشهرة والمجد. لم يعد ذلك الكائن المزهو بنفسه، فكل ما يريده الآن مراجعة ما كان عليه يوماً. يجعل النص المتخيّل ذلك يسيراً عليه. يجمعه مع حفاري قبره قبل موته الوشيك، ويجعله شاهداً على خاتمة حياة فنانين عاشوا معه. يتيح له زيارة نساء أحبهن، ولم يعبأ بمصيرهن. يعود به إلى ولده المعوّق تاتو (لاشا ميبوك)، وإلى إحدى عشيقاته، التي رمت بنفسها من طابق علوي بعد هجره لها. لم تمت، لكن تشوّهاً مخيفاً أصاب وجهها الجميل.

كل تشابك الشخصيات وتعدّدها يأتيان عبر نص سينمائي مذهل، يبدو مُفكّكاً في البداية، لكنه يأخذ بالتماسك سريعاً، كأن كل تلك العوالم المتداخلة وراءها سيناريو محكم، يعرف كيف يسرد الحكاية السينمائية بأسلوب مختلف، ينشد اشتراك المُشاهِد فيه، ويترك له حرية تفسير ما يراه أمامه من قصص قابلة لقراءات عدّة.

منجز الجورجية آنا أوروشادزه يُعيد ما تكوّن من انطباع عن موهبتها السينمائية، الظاهرة في فيلمها الأول “الأم المخيفة” (2017)، ويتأكد اليوم في جديدها هذا، “دور ثانوي”، الذي يؤشّر إلى حضور لافت للسينما الجورجية في المشهد السينمائي العالمي، وإلى حركة مُجدّدة لها، تتجاوز موروثها السوفييتي بأشواط.