يرجح أن الحديث عن هوية واسم الفنان العالمي الغامض بانكسي أشبه بتسلية وسلعة، تستعاد في كل مرة باعتبارها ترنداً، ويكون المضمون تحديثاً لتقارير سابقة مع وتوابل مع هنا وهناك. فقبل أيام قليلة عاد الجدل الفنان العالمي إلى الواجهة مجدداً، بعد تحقيق أجرته وكالة “رويترز”، خلص إلى ما وصفه بأنه استنتاج لا يدع مجالاً للشك بأن الشخصية التي تقف خلف هذا الاسم المستعار هي روبن غانينغهام، وهو رجل من مدينة بريستول رغم أن التحقيق يشير إلى أنه قد غيّر اسمه منذ عدة سنوات إلى اسم أكثر شيوعًا وهو ديفيد جونز حتى لا يتمّ التعرف عليه.

وحسب تقرير لمجلة “نيوزويك”، تستند الأدلّة التي “الدامغة” الواردة في التقرير إلى رحلة قام بها الفنان إلى قرية “هورينكا” الأوكرانية عام 2022، حيث ظهر فنان ملثم يرسم “رجل الاستحمام” وسط الأنقاض التي خلفها القصف الروسي، لتنتهي في أروقة المحاكم الأميركية وبحث في سجلات تعود لأكثر من ربع قرن. التحقيق الذي شمل مقابلات مع مطلعين وفحصاً دقيقاً لصور الفنان، قاد الصحافيين إلى وثيقة حاسمة من سجلات شرطة نيويورك تعود لعام 2000. وتتضمن الوثيقة اعترافاً بخط اليد من الفنان عقب اعتقاله بتهمة “سلوك غير منضبط” أثناء تعديله لوحة إعلانية فكاهياً.

جدارية لبانكسي في أوكرانيا

وتستنتج التقارير بأن “هذا الطرح، على الرغم من قوته، لم ينهِ الغموض بقدر ما أعاد إشعاله”، هذا الغموض لم يكن عائقاً أمام شهرته، بل كان الوقود الذي غذّى انتشار أعماله وقيمتها. في الواقع، لا يبدو أن المسألة تتعلق فقط بصحة ما توصل إليه البحث، بل بمدى قابلية كشف هوية بانكسي أصلاً ضمن سياق فني يقوم، في جوهره، على الغموض. هكذا، تبدو كل محاولة لكشف هويته اكتشافاً مثيراً من جهة، وفصلاً جديداً من لعبة تخمين قديمة من جهة أخرى، لعبة لا تنتهي بسهولة.
برز بانكسي من خلال سلسلة من أعمال الغرافيتي التي ظهرت على واجهات المباني في جميع أنحاء المملكة المتحدة، والتي تميزت بمواضيعها الساخرة والمناهضة للنظام. ومن أشهر أعماله لوحة “فتاة مع بالون”، التي كانت محور خدعة فنية عبقرية في عام 2018، عندما تم تمزيق نسخة مؤطرة منها بعد بيعها في مزاد علني بواسطة جهاز ميكانيكي كان بانكسي قد أخفاه داخل الإطار. أطلق الفنان لاحقاً على اللوحة المعدّلة اسم “الحب في سلة المهملات”.

أنتج بانكسي أعمالاً فنية في عدد لا يحصى من المواقع، بما في ذلك أوكرانيا والضفة الغربية ، مظهراً تعاطفه مع القضية الفلسطينية.

على مرّ السنين، كان هناك الكثير من التكهنات حول هوية فنان الشارع الشهير. وقد تعدّدت النظريات. فمنهم من اعتقد أن بانكسي يمكن أن يكون روبرت ديل نجا، مؤسس فرقة Massive Attack، وهو أيضًا فنان غرافيتي.كما رجّح آخرون أن بانكسي قد يكون جيمي هيوليت، المؤسس المشارك لفرقة غوريلاز؛ أونيل بوكانان، مقدم برامج فنية للأطفال على التلفزيون البريطاني، والذي اضطر خلال الجائحة إلى إصدار بيان ينفي فيه أي صلة له بشخصية بانكسي؛ أو حتى احتمال أن يكون بانكسي مجموعة من الفنانين وليس فنانا واحدا.
وشملت التكهنات الأخيرة أن المذكور قد يكون مجموعة تقودها امرأة، وقبل ثلاث سنوات،  هناك من يعتقد أن بانكسي أكثر من شخص واحد، ويستدلون على ذلك بتنقله السريع بين الدول، يتابع الأحداث والكوارث، ويسجلها رسوماً على الجدران.
عام 2019 كًتب أن الجهود التي بذلت للكشف عن حقيقة الشخصية، انتهت إلى اقتراح أن يكون واحداً من شخصين، إما روبرت بانكس أو روبن غونينغام.
قامت مجموعة من الباحثين في جامعة “الملكة ماري” البريطانية بمحاولة التعرف على بانكسي، مستخدمين علوم الرياضيات والجريمة، أو ما يعرف باسم التنميط الجيوغرافي، وهو تحليل إحصائي، يتم من خلاله حصر الأماكن التي تواجد فيها المشتبه به.
وتتبع الباحثون 140 عملا للفنان في مواقع مختلفة، تتوزع بين لندن وبريستول، ثم ربطوا بين هذه المواقع وبين معلومات قدمها أشخاص تواجدوا في المنطقة، ليتوصلوا في النهاية إلى قائمة تضم عشرة أسماء محتملة.. بالطبع، كان اسم غونينغام بينها. عند هذه النقطة، قرر الباحثون التوقف، دون تقديم أيّ معلومات اضافية، ودون تفسير يبرر قرارهم هذا، ليبدو أن الجميع يفضّل بقاء بانكسي لغزا دون حل.

عام 2023 نبشت هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) من أرشيفها مقابلة قديمة مع بانكسي لم يسبق أن بثتها بكاملها، وقيل إنها تكشف عن الاسم الأول للفنان البريطاني الغامض، وهو “روبي”. ففي هذه المقابلة التي سأل أحد صحافيي “بي بي سي” فنان الشارع إذا كان اسمه “روبرت بانكس”، فأجاب: “إنه روبي”. وتُعدّ هذه المقابلة من الأحاديث الإذاعية النادرة التي أدلى بها الفنان المشهور عالمياً.  
بانكسي في اسمه الخفي والغامض مثل غموض مؤلف ألف ليلة وليلة، وهي أشبه بماركة ثقافية تنسب إلى شعوب وهويات مختلفة تبدأ من الهند وبلاد فارس وفارس وتمر في العراق ومصر ولا تنتهي في لبنان. ورسومات كثيرة تنسب إلى بانكسي على نحو ما تنسب اشعار ماجنة كثيرة إلى ابي نواس وهو ليس قائلها، ونسبها له كان كمهرب من محاسبة السلطان والرقابة، وهناك قصائد كثيرة تنسب زورا إلى رباعيات الخيام، والنسب سببه أن الرباعيات اشبه بعلامة فارقة تُقلد في نظم كثير. 
والجانب المثير للاهتمام بانكسي ليس اسمه الغامض، بل تحويله الغرافيتي سلعة مدجنة، وبحسب تقرير رويترز إن الفنان الذي لطالما انتقد الرأسمالية، يقف خلف شبكة من الشركات المسجلة في بريطانيا، تدير حقوق أعماله، وتتحكم في توثيقها وبيعها. هناك شبكة معقدة من العلاقات التجارية لإدارة سوق أعماله والتناقضات بين صورته فناناً متمرّداً، معادياً للاستبداد الاقتصادي، وبين تحوّله إلى علامة تجارية عالمية تدرّ ملايين الدولارات.