ظهرت أغانٍ مزيفة للفنانة صوفي التي رحلت عام 2021 (برتران ريندوف بيتروف/ Getty)
لنجرب أن نكتب في خانة الأوامر على منصة سونو (Suno) العبارة الآتي: أنشئ أغنية شعبية آرامية حزينة، بصوت امرأة عجوز، مصحوباً بالربابة. وخلال أقل من دقيقة، سينهمر الصوت من السماعات: امرأة عجوز تغني بلغة آرامية سليمة، تتخللها مؤثرات صوتية إضافية توحي بعمق التجربة وقدمها.
غير أن منصة سونو لم تسمع قط وقع المطر على سقف منزل الجدة، ولم تشم رائحة الخبز المعجون بالزعتر، ولم ترَ يداً متجعدة تمسك سبحة زرقاء. كل ما فعلته هو تحليل آلاف التسجيلات الشعبية، واستخراج الأنماط الإحصائية المشتركة بينها، ثم إعادة تركيبها في قالب يبدو أصيلاً. هكذا تولد أغنية خالية تماماً من أي تجربة بشرية.
في هذا السياق، يبرز مصطلح AI Slop، أو ما تمكن ترجمته إلى هراء الذكاء الاصطناعي. وقد تحول هذا المصطلح من نكتة ساخرة إلى ظاهرة تهدد بنية الصناعة الموسيقية من الداخل، عبر سرقة الأصوات، وتقليد الهويات، وتزوير القوائم التشغيلية؛ ما دفع الفنانين وشركات الإنتاج إلى اللجوء إلى القضاء، بينما بدأت منصات البث باتخاذ خطوات بطيئة لمواجهة هذا المد الزائف.
لا يمكن فهم خطورة المرحلة الراهنة من دون التمعن في الأرقام التي ترسم صورة قاتمة للمستقبل. فوفقاً لبيانات منصة ديزر الفرنسية، يُرفع يومياً نحو 60 ألف أغنية مولدة بالذكاء الاصطناعي، أي ما يعادل 39% من إجمالي المحتوى الجديد. والأكثر إثارة للقلق أن 85% من الاستماعات التي تحصدها هذه الأغاني هي استماعات مزيفة، يجري إبطالها وإزالة عائداتها من مجمع الإتاوات. وهذا يدل بوضوح على أن الهدف الأساسي من هذه الموجة هو استنزاف الموارد المالية المخصصة للموسيقيين الحقيقيين عبر عمليات احتيال منظمة.
في أواخر يناير/كانون الثاني 2026، فوجئت المغنية الكندية آن موراي التي اعتزلت الغناء منذ عقدين، بظهور خمس أغانٍ جديدة على صفحتها الرسمية في “سبوتيفاي”، تحمل توقيعها المزوّر. لم تكن هذه الأغاني تحمل أياً من سمات صوتها، بل جاءت بصوت أعلى حدة، يُرجّح أنه مولّد بالذكاء الاصطناعي يحاكي نجمات الكانتري المعاصرات. ورغم إزالة الأغاني بعد تواصل الصحافة مع المنصة، فإن الضرر الأكبر تمثل في ترويجها عبر خوارزميات التوصية ذاتها.
قد يظن بعضهم أن هذه الظاهرة تقتصر على الفنانين الأحياء، لكنها تمتد لتطاول الراحلين أيضاً. فقد ظهرت أغانٍ مزيفة للفنان بليز فولي (1949 – 1989)، وللفنانة صوفي (1986 – 2021)، ما يثير أسئلة أخلاقية وقانونية عميقة حول حق الورثة في التحكم بالتراث الرقمي للفنانين.
تحوّلت هذه الإشكالات إلى معارك قضائية شرسة. ففي أكتوبر/تشرين الأول الماضي، أعلنت شركة يونيفرسال ميوزيك غروب عن تسوية دعوى كبرى مع منصة أوديو (Udio) بعد اتهامها باستخدام أعمال فنانين مثل أريانا غراندي وبيلي، لتدريب نماذجها من دون إذن. في السياق نفسه، رفع ناشرو موسيقى بقيادة “كونكورد ميوزيك غروب” دعوى جديدة ضد شركة أنثروبيك في يناير/كانون الثاني 2026، متهمين إياها باستخدام مواد مسروقة من مكتبات قرصنة مثل “لايبراري غينيسيس” لتدريب نموذج كلود، وإعادة نشر هذه الأعمال عبر تقنيات التورنت.
من زاوية أخرى، برزت قضية الفنان المستقل أندرس مانغا، الذي رفع دعوى ضد شركة ستابيليتي إيه آي بتهمة استخدام أعماله الصوتية لتدريب نموذج ستيبل أوديو عبر شراكة مع منصة أوديو سباركس. وكان مانغا قد حاول إزالة أعماله قبل إطلاق النموذج بأشهر، لكن طلبه قوبل بالرفض، في مؤشر واضح على محدودية آليات الانسحاب (Opt-out) أمام جشع الشركات التقنية.
بطبيعة الحال، لم تقف شركات الإنتاج مكتوفة الأيدي أمام هذا الطوفان، بل بدأت بتغيير استراتيجيتها: من المواجهة القضائية المباشرة إلى محاولة احتواء الظاهرة والتربح منها. تشير تقارير “بيلبورد” إلى أن عام 2026 سيشهد ظهور المزيد من الفنانين الافتراضيين، مع صفقات تسويقية ضخمة بين شركات المحتوى ومنصات الذكاء الاصطناعي. كما حاولت “وارنر ميوزيك” عقد شراكة مع “ستابيليتي إيه آي” لوضع معايير أخلاقية للاستخدام، وإن كان هذا التوجه يثير قلق النقاد.
في ديسمبر/كانون الأول 2024، أصدر الاتحاد الدولي لجمعيات المؤلفين والملحنين (CISAC) دراسة اقتصادية توقعت أن يفقد الموسيقيون حول العالم 24% من دخلهم بحلول عام 2028 بسبب الذكاء الاصطناعي. ويعني ذلك خسارة تراكمية تصل إلى 22 مليار يورو خلال خمس سنوات. وفي المقابل، من المتوقع أن ينمو سوق المحتوى الموسيقي المولّد بالذكاء الاصطناعي من ثلاثة مليارات يورو حالياً إلى 64 مليار يورو بحلول 2028. وبعبارة صريحة: ستنتقل الأموال من جيوب المبدعين الأحياء إلى خزائن شركات التكنولوجيا العملاقة.
تقول الإحصائيات إن 60 ألف أغنية تُنتج يومياً عبر الذكاء الاصطناعي
هكذا، يبقى السؤال الأكبر مطروحاً: إلى أين يتجه الإبداع البشري في خضم هذه العاصفة التكنولوجية؟ يرى بعضهم، مثل المحلل القانوني جوردان بروملي في “بيلبورد”، أن الحكم النهائي سيبقى بيد الجمهور، وأن أيقونات مثل هاري ستايلز وبيورك ستواصل الصمود أمام أي بديل آلي. لكن التساؤل يظل قائماً: إذا كانت التقنية قادرة على إنتاج 60 ألف أغنية يوميًا، وتزوير 85% من استماعاتها، فكم من الوقت سيحتاجه الجمهور ليميز بين الغناء ومحاكاة الغناء؟ وهل ستتحول الموسيقى إلى مجرد خلفية في إعلان أو فيديو قصير، يركضان وراء آلة لا تعرف التعب؟
في النهاية، قد نضطر إلى العودة إلى تلك الأغنية الآرامية التي ولّدتها الآلة. سنحتفظ بها في ملف خاص، ليس لنستمع إليها فحسب، بل لنتذكر أن الجدة لم تكن تغني بصوتها فقط؛ كانت تغني بحضورها، بيدين تعجنان الخبز، بعينين تراقبان المطر، وبقلب يعرف أن الأغنية الحقيقية لا تولد من الخوارزميات، بل من الحياة.
