جاء ألبوم ARIRANG ليؤكد أن عودة فرقة بي تي إس BTS لم تكن مجرد استئناف للنشاط، بل إعادة تعريف لعلاقتهم بجذورهم الثقافية. فرغم مكانتهم كواحدة من أكثر الفرق انتشارًا عالميًا، اختاروا أن يبنوا هذا العمل على رموز كورية عميقة، في محاولة لربط الحاضر العالمي بإرث يمتد لقرون.
يبدأ هذا التوجه من عنوان الألبوم نفسه، المستمد من الأغنية الفلكلورية الكورية الشهيرة “Arirang”، التي تُعد أحد أبرز رموز الهوية في كوريا. الأغنية، التي يعود عمرها إلى مئات السنين، ترتبط بمشاعر جماعية معقدة تُقارب مفهوم “هان (Han)” في الثقافة المحلية ويعني ذلك الإحساس المركّب الذي يجمع بين الحزن والحنين والتحمل. بهذا الاختيار، تضع بي تي إس إطارًا عاطفيًا وثقافيًا للألبوم، قبل أن تبدأ الموسيقى فعليًا.
x
ويبلغ هذا الارتباط ذروته في التراك السادس “No. 29”، الذي يمتد لنحو دقيقة و38 ثانية، ويكاد يخلو من الغناء، مكتفيًا بصوت جرس الملك العظيم سونغدوك المقدس، وهو أحد أبرز الآثار الكورية التاريخية. الجرس، الذي كان يُعرف سابقًا بتصنيفه ككنز وطني، يتحول هنا من قطعة أثرية إلى أداة موسيقية رمزية، يختصر عبر رنينه فكرة الزمن والاستمرارية. بعض القراءات والنظريات المنتشرة حول الألبوم ترى في هذا التراك جاء في قلب الألبوم ليقدم انعكاسًا لفترة الصمت التي عاشتها الفرقة خلال الخدمة العسكرية، وهي فترة امتدت طوال 18 شهرًا. تفصيل صنعته الفترة لتعكس برمزية وبلاغية تفصيلًا دقيقًا اختبروه في خضم مسيرة فنية صاخبة، وتعلموا عبره الكثير.
x
لا يتوقف هذا البعد الرمزي عند حدود الألبوم، بل يمتد إلى طريقة تقديمه. فقد اختارت الفرقة إطلاق عودتها من ساحة Gwanghwamun Square في قلب سيول، أمام تمثال الملك سيجونغ، الذي يُنسب إليه ابتكار الأبجدية الكورية. هذا الاختيار لم يكن بصريًا فقط، بل دلالة واضحة على أن هذه العودة تُكتب حرفيًا من داخل اللغة والثقافة الكوريتين.
وترافق صدور الألبوم مع مشروع بصري موازٍ حمله نتفلكس بعنوان BTS: The Return، وهو فيلم وثائقي من إخراج باو نغوين يبدأ عرضه على المنصة في 27 مارس 2026. يتابع الفيلم رحلة الفرقة في مرحلة العودة نفسها: من لمّ الشمل بعد الخدمة العسكرية إلى الانتقال إلى لوس أنجلِس في صيف 2025 لبدء العمل على ARIRANG، ثم العودة إلى كوريا لاستكماله ومزجه النهائي.
ومن خلال لقطات حميمة داخل الاستوديو والمنزل المشترك، يوثّق الفيلم أسئلة الأعضاء حول هويتهم بعد التوقف، وضغط التوقعات، والنقاشات التي رافقت صياغة الصوت الجديد. والأهم أنه يكشف بوضوح أن فكرة الألبوم لم تنضج بالكامل إلا حين صار لها “موضوع” واضح: أن يكون هذا العمل احتفاءً بكوريا نفسها، وأن تُستخدم رموزها الثقافية كلغة فنية كاملة عوض أن تكون مجرد زينة ثقافية. حتى داخل الفيلم، يظهر نقاش صريح حول تقليل الإنجليزية في بعض الأغاني لمصلحة قدر أكبر من الكورية، انطلاقًا من قناعة عبّر عنها RM بوضوح: “في هذا الألبوم، الأصالة مهمة.”
ومع ذلك، لم يكن ARIRANG ألبومًا منغلقًا على الداخل الكوري، بل بدا في كثير من لحظاته أكثر عالمية من أي وقت مضى. فالألبوم ثنائي اللغة، وتصفه مراجعات نقدية بأنه يفضّل “أغانٍ ثنائية اللغة” على نموذج الأغنية الإنجليزية الخالصة الذي مثّلته أعمال مثل Butter، مع بروز واضح لأغانٍ مثل SWIM التي وُصفت بأنها الأغنية الإنجليزية في قلب الألبوم. كما تكشف الاعتمادات عن قائمة طويلة من الأسماء العالمية التي ساهمت في تشكيل صوته، من Diplo وMike WiLL Made-It وRyan Tedder إلى Kevin Parker من Tame Impala، إضافة إلى أسماء أخرى مثل Flume وEl Guincho في تغطيات نقدية أخرى.
هذا الاتساع في شبكة المتعاونين لا يناقض الهوية الكورية للعمل، بل يوضح شيئًا أدق: بعد سنوات من النشاط المكثف، امتلكت بي تي إس الأدوات التي تخاطب بها العالم كله، لكنها اختارت هذه المرة أن تخاطبه عن كوريا.
