من قلنسوة إلى واجهة الخطاب الإقليمي

في خطوة تحمل دلالات إعلامية لافتة، اختارت مسؤولة إسرائيلية مخاطبة الجمهور العربي عبر منصة “إيلاف”، مقدّمةً طرحًا مباشرًا لرؤيتها تجاه تطورات المشهد الإقليمي، في توقيت يشهد تصاعدًا ملحوظًا في التوترات

 

إيلاف من لندن: في توقيت تتقاطع فيه السياسة مع الهوية، والرسائل مع منصاتها، تستعد إيلا واوية — المتحدثة الجديدة باسم الجيش الإسرائيلي للإعلام العربي — للظهور بنص مختلف في وجهته، لا في حدته، عبر “إيلاف”، مخاطبة جمهورًا تعرف لغته جيدًا… ليس فقط بحكم الوظيفة، بل بحكم النشأة.

واوية، البالغة من العمر 36 عامًا، لم تصل إلى هذا الموقع من خارج السياق، بل من داخله تمامًا. تنحدر من مدينة قلنسوة، من بيئة عربية محافظة، قبل أن تختار في سن الرابعة والعشرين مسارًا غير مألوف، بالتطوع للخدمة العسكرية، ثم التدرج داخل وحدة المتحدث باسم الجيش، وصولًا إلى موقع قيادي أعلنت فيه، في 16 شباط (فبراير) 2026، خلفًا للعقيد أفيخاي أدرعي بعد مسيرة استمرت نحو 18 عامًا.

هذا المسار، الذي جمع بين الانتماء الاجتماعي والتقدم المهني داخل مؤسسة عسكرية، ينعكس بوضوح في نبرة المقال الذي تستعد لنشره، حيث لا تكتفي بعرض موقف أمني، بل تبني سردية كاملة حول ما تصفه بطبيعة المرحلة التي يمر بها الشرق الأوسط.

في نصها، تقدم واوية قراءة تعتبر أن المنطقة دخلت طورًا من التحولات المتسارعة، نتيجة تراكم تهديدات امتدت لسنوات، وترى أن المشهد لم يعد قابلًا للفهم إلا من خلال ثنائية واضحة: مسار يسعى إلى الاستقرار عبر الأدوات الدبلوماسية، وآخر، بحسب وصفها، يعتمد على القوة العسكرية العابرة للحدود، من صواريخ ومسيّرات ودعم مجموعات مسلحة.

ولا تطرح هذه الثنائية كتحليل مجرد، بل تربطها بمعادلة مباشرة تقول إنها تحكم المرحلة: “السلام لمن يسعى إليه، والردع لمن يرفضه”، في إشارة إلى ما تعتبره تباينًا بين دول اختارت مسارات تنموية، وأطراف أخرى مستمرة في نهج تصعيدي.

هذا الخطاب، الذي تقدمه واوية بلغة مباشرة، يشبه إلى حد كبير أسلوبها الذي عُرف عبر منصاتها الرقمية منذ عام 2019، حين أطلقت حساب “Captain Ella”، مقدمة محتوى بالعربية والعبرية، استطاع أن يجذب مئات الآلاف من المتابعين، مع حضور بصري ونبرة حازمة أصبحت جزءًا من هويتها الإعلامية.

في المقال ذاته، تتناول ما تصفه بعمليات عسكرية ذات طابع استراتيجي، وتربطها بهدف تقليص قدرات تعتبرها تهديدًا مباشرًا، ضمن سياق إقليمي أوسع، كما تتوقف عند الخطاب الإيراني، معتبرة أنه يعكس، وفق طرحها، فجوة بين الشعارات والنتائج على الأرض، مستشهدة بتجارب في عدد من الدول العربية.

ولا يغيب البعد الديني عن النص، حيث تحاول واوية — التي سبق أن وصفت تجربتها الشخصية بأنها “إشكالية هوية” — تقديم قراءة تفصل بين الدين واستخداماته السياسية، معتبرة أن توظيفه في الصراعات يمثل إساءة لقيمه، وفق تعبيرها، في وقت تستحضر فيه أحداث السابع من أكتوبر ضمن توصيفها لطبيعة الجماعات المسلحة.

لكن ما يمنح هذا المقال ثقله لا يقتصر على مضمونه، بل يمتد إلى مكان نشره. فاختيار جريدة عربية مثل “إيلاف” لا يبدو تفصيلاً عابرًا، بل يعكس إدراكًا لطبيعة الجمهور المستهدف، ولأهمية مخاطبته عبر منبر ينتمي إلى فضائه الإعلامي، لا من خارجه.

بين مسار بدأ من مدينة عربية، وتجربة مهنية داخل مؤسسة عسكرية، وصوت إعلامي تشكّل عبر سنوات من مخاطبة الجمهور ذاته، يأتي هذا المقال كامتداد طبيعي لكل ذلك. ليس كحدث منفصل، بل كحلقة في مسار يعكس تحولات أوسع: كيف تُقال الرسائل، ولمن، ومن أي موقع.

هذا المقال يحتوي على 484 كلمة ويستغرق 3 دقائق للقراءة