في وقت تتوحد فيه الرؤى الوطنية حول «الأسرة» باعتبارها شعاراً لدولة الإمارات لعام 2026، يبرز الفن كأصدق لغة لترجمة هذا المفهوم وتجلياته في وجدان الجيل الشاب.

فالأسرة ليست مجرد رابطة دم، بل هي مخزونٌ من الذكريات والأماكن والحكايات التي تشكل الهوية.
وفي هذا السياق، تأتي إبداعات إماراتية لتحول تفاصيل الحياة الأسرية البسيطة إلى لغة بصرية تحفظ كيان الأسرة من التلاشي.
فبين أروقة بيت الجد وما كان يتضمنه من تجمعات عائلية، وفلسفة تتبع الحركات العفوية التي تشكل جوهر الذاكرة الأسرية، واستلهام أصالة الأمس وربطها بحداثة اليوم، يتجسد عمق الارتباط بالجذور.
هذا الترابط الذي يؤكد أن الفن هو الوعاء الذي يحفظ للأسرة تاريخها الشفهي ويمنحه حياةً متجددة.

وفي هذا السياق، أكدت المصممة الغرافيكية سارة الزعابي، لـ«البيان»، أنها سعت، من خلال عدستها وتشكيلها الفني، إلى تخليد وتوثيق بيت جدها في منطقة جميرا بدبي، ومشاركة ذكريات عائلتها مع الجمهور.
مشيرةً إلى أن رحيل جدها ومن ثم جدتها أدى إلى إغلاق باب البيت وتوقف التجمعات العائلية المعتادة في أيام الجمعة وشهر رمضان، ما جعل من التوثيق ضرورة لحفظ هذا الإرث الأسري.
وفي استعراضها لمحتويات العمل، أفادت سارة الزعابي أن البيت كان ينقسم إلى جزأين: قديم يعود لنهاية الستينيات ويحمل قيمة معمارية لكونه أحد أوائل بيوت جميرا، وجديد بُني في منتصف التسعينيات، مستذكرةً شجرة اللوز التي تجاوز عمرها 50 عاماً.
وذكرت أنها اختارت الوقوف مكان الشجرة في لوحة فنية لتمثيل دورها المحوري في طفولة العائلة، لافتةً إلى أن إحدى اللوحات تجسد جلسة جدها المعتادة وقت العصر لمراقبة «الفريج».
حيث حرصت على إبراز إيماءات يده التي كانت تميز أسلوبه في الحديث. وأشارت إلى لوحات توثق تفاصيل دقيقة، مثل جلسة الجدة في «الليوان» وقت «الفوالة»، ومشهد الجد وهو يزاول بعض المهام اليومية البسيطة.
مؤكدةً أنها فضلت عدم إظهار وجهها في هذه المشاهد لتركيز الضوء على الذاكرة الجماعية لا الشخصية.
ولفتت الانتباه إلى الباب القديم للبيت، مؤكدةً أنه يحكي قصة تاريخ طويل وشهد على تعاقب الأجيال.
واختتمت سارة الزعابي حديثها بالتأكيد أن الهدف من المشروع هو إدخال الجمهور إلى أجواء البيت القديم، وإطلاعهم على الذكريات التي خلّفها الجد والجدة، بما في ذلك النخيل الذي زرعه الجد بيده، ليبقى أثرهما حياً عبر الفن.
ذاكرة لا تُمحى

وفي حديث فني اتسم بالعمق الفلسفي، كشفت الفنانة التشكيلية حصة الزعابي، عن كواليس رؤيتها الإبداعية خلف المشروع المشترك مع شقيقتها سارة.
موضحةً أن قرار إخفاء ملامح الوجه في صورها لم يكن محض مصادفة، بل كان خياراً فنياً متعمداً يهدف إلى استحضار مفهوم «الشبحية» داخل فضاء المنزل. وأكدت أن فكرة إخفاء الوجه تنبع من طبيعة الذاكرة الإنسانية عند فقدان الأحبة؛ حيث قالت:
«حين نحاول استرجاع ذكرى شخص غادرنا أو توفي، غالباً ما تخوننا الذاكرة في استحضار تفاصيل الوجه بدقة، لكننا نجد أنفسنا نتذكر تفاصيل أخرى أكثر عمقاً، مثل تجاعيد اليدين، أو حركات جسدية معينة، أو تصرفات عفوية مميزة».
وفيما يخص الجانب التقني، أشارت إلى تحول في أسلوبها الذي كان يميل سابقاً إلى المثالية؛ فقد اختارت في هذا المشروع صورة ليد تبدو خارج نطاق التركيز، حيث كان التركيز البصري منصباً على الباب بدلاً من اليد.
وعن هذا الاختيار، أضافت الزعابي: «برغم ميلي للدقة، فإن هذه الصورة تحديداً منحت العمل بُعداً حركياً وعفوية أكبر؛ فعدم الوضوح هنا يوحي بأن الشخصية على وشك الاختفاء أو الرحيل، ما يعزز فكرة التلاشي التي أطمح إلى إيصالها».
الحنين إلى الماضي
وضمن مشروع فني يعالج فكرة علاقة الماضي بالحاضر، أكدت الفنانة التشكيلية الإماراتية علياء عبيد القطامي، أن مشروع عملها الإبداعي يرتكز على مفهوم فلسفي عميق، يتمثل في استثارة شعور الحنين إلى الماضي لفترة زمنية لم يعشها الفنان بجسده، بل استلهم تفاصيلها من خلال الذاكرة الشفهية والقصص العائلية المتوارثة.
وأوضحت القطامي أن اختيارها وقع على منطقة الجزيرة الحمراء في إمارة رأس الخيمة لتكون المسرح المكاني لمشروعها، مشيرةً إلى أن هذا المكان يحمل قيمة وجدانية خاصة لكون والديها قد قطنا فيه سابقاً،.
مشيرةً إلى أن ارتباطها بالمكان نشأ وتطور عبر حكايات والدها التي كانت تصف بدقة تفاصيل الحياة اليومية، وأماكن اللعب، والعلاقات الاجتماعية مع الجيران في ذلك الوقت.
وفي سياق حديثها عن الرؤية البصرية للمشروع، ذكرت الفنانة أنها عمدت إلى تصوير نفسها داخل أطلال المكان المهجور وهي تمارس أنشطة حياتية اعتيادية، في محاولة لبث الحياة مجدداً في تلك الجدران الصامتة.
لافتةً إلى أنها حرصت على خلق مزيج رمزي يربط بين جيلين مختلفين؛ إذ دمجت عناصر من العصر الحالي -كتناول «الماتشا» وحمل حقيبة عصرية- مع اللباس التقليدي والهوية البصرية للمكان القديم.
وشددت القطامي، في ختام عرضها، على أن هدف المشروع إيجاد رابط ملموس بين الهوية المعاصرة للشباب الإماراتي والجذور التاريخية التي لم يعاصروها، مؤكدةً أن الفن هو الوسيلة الأنسب لترجمة تلك المشاعر المختلطة بين الواقع والمتخيل.
