في مسلسل “عين سحرية” الرمضاني، لا يعوّل المخرج السوري، السدير مسعود، على بريق الأسماء أو على موجة الترند السائدة، بل يراهن على جودة الحكاية وأدوات السرد البصري.

وقد أثبت مسعود حضوره اللافت في السنوات الأخيرة عبر أعمال متميزة، بدءاً من “قيد مجهول” (2021)، وصولاً إلى مجموعة من المشاريع التي شارك في نجاحها، إلى جانب المنتج محمد مشيش، إذ تشكّلت بينهما شراكة فنية واضحة المعالم.

في هذا الموسم، يعود الثنائي مسعود/مشيش للتعاون مجدداً في مسلسل “عين سحرية”، من تأليف هشام هلال، وبطولة باسم سمرة وعصام عمر. يبدو اختيار عصام عمر موفقاً للغاية لأداء شخصية عادل، الشاب الذي يعمل تقنياً في مجال كاميرات المراقبة، ويعيش حياة بسيطة مع والدته نوال (سما إبراهيم) وشقيقه حسن (عمر شريف).

ما يميز “عين سحرية” هو إيقاعه السريع الذي ينطلق منذ اللحظات الأولى

تنقلب حياة عادل رأساً على عقب عندما تستعين به امرأة تشك في خيانة زوجها، فتطلب منه تركيب كاميرات مراقبة داخل منزلها وربطها بهاتفها. غير أن الأمور تتخذ منحى مأساوياً حين تكتشف الزوجة الخيانة، فتفاجئ زوجها وتقتله مع عشيقته.

من هنا، تبدأ سلسلة من الأحداث المتلاحقة التي تضع عادل في مواجهة غامضة مع زكي (باسم سمرة)، المحامي الذي يظهر فجأة في حياته، من دون أن تتضح علاقته المباشرة بالحادثة. يطلب زكي من عادل مساعدته في زرع كاميرات صغيرة لمراقبة أصحاب النفوذ الفاسدين، مستخدماً أسلوب المساومة المالية أولاً، قبل تسليمهم لاحقاً إلى القضاء، في لعبة معقدة تمزج بين العدالة والابتزاز.

ما يميز “عين سحرية” هو إيقاعه السريع الذي ينطلق منذ اللحظات الأولى، وهي سمة لطالما برع فيها مسعود. وقد اختار هذه المرة الانتقال إلى الحارات الشعبية في القاهرة، مصوّراً الواقع كما هو، من دون تجميل أو افتعال. المنازل حقيقية، والتفاصيل اليومية نابضة بالحياة، حتى إنه استعان بأشخاص من البيئة نفسها، مثل صاحب مطعم المسمط الذي ظهر بشخصيته الحقيقية بدلاً من الاستعانة بممثل، ما أضفى على العمل صدقاً لافتاً.

تدخل أسماء (جنا الأشقر) حياة عادل صدفة، وهي فتاة تمتلك متجراً للحيوانات الأليفة، إلا أن حضورها يبقى الأضعف درامياً، إذ لم يشهد تطوراً. وكان من الممكن تعميق هذا الخط، خاصة في ظل الخلفية العاطفية لعادل مع حبيبته عبير، التي فشل في الارتباط بها بسبب ماضي والده الذي توفي في السجن على خلفية قضية فساد، ما دفعه إلى الابتعاد عن فكرة الزواج والاستقرار.

يتسم العمل بالبساطة والدقة في تصوير مجتمع يقترب من خط الفقر، بكل ما يحمله من هشاشة أمام الإغراءات والضغوط. يتجلى ذلك في شخصية عادل نفسه، وكذلك في شقيقه حسن، الذي يعاني من هوس السرقة لا إرادياً، ما يضعه في مواقف خطرة باستمرار. في المقابل، تبرز شخصية زكي نموذجاً للاستغلال النفسي، إذ يحاول أن يقدم نفسه أباً بديلاً لعادل، مستفيداً من أزمته النفسية المرتبطة بوالده، وعلاقته المضطربة مع فكرة السلطة والفساد.

يحافظ السدير مسعود على خيط الشك حاضراً طوال العمل، ويعتمد على تصاعد درامي يجعل من الصعب على المشاهد توقع مسار الأحداث أو نهايات الحلقات، بل إن عنصر المفاجأة والتشويق غير القابلين للتوقع يصبحان من أبرز نقاط قوة المسلسل.

في 15 حلقة فقط، ينجح “عين سحرية” في بناء عالم متكامل ومثير للاهتمام، مؤكداً مرة جديدة قدرة مسعود على كسب الرهان بعيداً عن القوالب التقليدية للدراما العربية، التي كثيراً ما تشبه “روايات عبير” في بساطتها المفرطة ونجاحها المؤقت.