صدرت حديثاً لدى دار هاشيت أنطوان نوفيلا “أشواك حديقة تورينغ” للكاتبة اللبنانية رنا حايك. قد يبدو هذا العمل الأول للكاتبة دائرًا في فلك الذكاء الاصطناعي فحسب. إلا أن تحديده بهذه الثيمة فيه اختزال، فالكتاب يبدأ من مسألة سابقة لظهور الذكاء الاصطناعي وتتعلق بالأسئلة الوجودية الأكبر، والشرط البشري الذي فاقم أسئلة البشر الأزلية التي لا إجابة عليها. يأتي الذكاء الاصطناعي ليزيد هذه الأسئلة تعقيدًا: ما هو الوعي؟ ما هي الكينونة؟ ماذا يعني أن تكون موجودًا؟ إلى أي مدى يمكن لهشاشتنا الإنسانية أن تصمد امام شراسة التكنولوجيا؟!

في هذه الرواية القصيرة، التي تقع في 128 صفحة، تحكي لنا حايك عن يارا الهشة في ظاهرها، وعلياء الصارمة في ظاهرها، وعن مدى انكشاف رغباتهما الباطنية أمام “الأخ الأكبر”، في هذا العالم الذي أصبح يقوم على فكرة الأداء وتحكم السلطة في وعينا كما في لاوعينا.

 

جاء في نبذة الناشر:
في «أشواك حديقة تورينغ»، نتعرّف إلى يارا، الغارقة في فائض مشاعرها، وعلياء، التي تتقن قمعَها. كلتاهما تكره ما هي عليه، وكلتاهما تحلم بأن تكون الأخرى. تتورّط الفتاتان في لعبةٍ خطرة مع «AI the Great»، أداة الذكاء الاصطناعي التي تحلّل الكلمات الظاهرة فتدرك الرغبات الدفينة، والتي تسبر الوعي لتصل إلى اللّاوعي، فتعبث به. فالفتاتان شخصيتان متناقضتان في الظاهر، يارا حالمة، حساسة، ومُستنزفة عاطفيًا، وعلياء عملانية، براغماتية، وقاسية في الظاهر، لكنّهما في الأساس متشابهتان أكثر ممّا تدركان، ولدى كلٍّ منهما رغبة دفينة بأن تصبح الأخرى. هنا يتدخل الذكاء الاصطناعي الذي تخاطبانه، وهنا يجد هذا الأخير الأرض الخصبة لعبثه. ولكن، مع كلّ حقيقة دفينة يكشفها لهما، يتّسع الشرخ بدلًا من أن يلتئم، تاركًا المرأتَيْن تتخبّطان بين الواقع والخيال، بين ما هما عليه وما تطمحان إلى أن تصيراه، بين اعتناق الذات أو الاغتراب عنها، حتى الوصول إلى ذلك السؤال المرعب: ما هي الذات أصلًا؟ من نحن فعليًّا؟

يحدث ذلك اليوم، في هذا العالم الصاخب حيث يُعاد تعريف كلّ المعاني والقيم، وحيث يناطح البشر معنى إنسانيّتهم في منتهاه بعد الطفرة التكنولوجيّة الرهيبة، وكلّ ذلك تحت إشراف عين الأخ الأكبر الساهرة على انضباط الأفراد داخل نظامٍ لا يُسأل عن شرعيّته.
 

رنا حايك – صحافية لبنانيّة سابقة ومترجمة انتقلت إلى مجال النشر في العام 2011 حيث تولّت إصدارات نوفل العربية. تشغل منذ العام 2020 منصب المديرة التحريرية للدار. لها في مجال الترجمة ثلاثة إصدارات: «مجهولات» لباتريك موديانو، «الخريطة والأرض» لميشيل هولبيك و«الأميرة وبنت الريح» لستايسي غريغ. هذه روايتها الأولى.

في ما يلي مقتطف من نوفيلا “أشواك حديقة تورينغ”، تنشره “المدن” حصرياً:
«الأجسام في المرآة أقرب ممّا تبدو»، يكتبون على مرآة السائق في السيارات الحديثة الصنع.
«بعد عشرين عامًا من الزواج، اكتشف أنّ زوجته قاتلة متسلسلة»، جملة قد ترد في صحيفة ما في صفحة الحوادث.
«كم خاب ظنّي بك!»، يقول الأب لابنه، أو الشقيقة لشقيقها.
«كأنّني لا أعرفك. كأنّني لم أعرفك يومًا. مَن أنت؟»، تقول الحبيبة لحبيبها بعد علاقة حبّ طويلة تقاس بالسنوات وبأعمق لحظات المشاركة. وحتى لو لم تقلها، تشعر بها عند الفراق. جميعنا نفعل. ذلك أنّ من أحببناه كان تصوّرنا عن الشخص، لا الشخص نفسه. 
«لم أعد أعرفني!»، يقول المأزوم في لحظات أزمة غير مسبوقة يمرّ بها.
«لم أعد أعرف نفسي»، تقول يارا، وعلياء أيضًا. 
مَن نحن إذن؟ وكم في كلّ واحدٍ فينا منّا؟ مَن هو الآخر؟ وكم فيه منه أيضًا؟ 
مبدئيًّا، فلنذكر حقيقة علمية: ليست العين من ترى، بل الدماغ. هي فقط تنال فضل الإنجاز مثلما يناله المغني على المسرح بينما يكتوي الشاعر بكتابة الأغنية ويكتوي الملحن بتلحينها في الكواليس حيث يُصنع العمل. 
إذن، كيف نرى؟ علميًّا، يدخل الضوء المنعكس عن الأشياء عبر القرنية، يمرّ عبر الحدقة التي تتقلص في الضوء القوي وتتوسع في الظلام ليصل إلى العدسة، ثم إلى الشبكية التي تستقبل الصورة مقلوبة ومصغّرة، لتحوّلها خلاياها إلى إشارات عصبية ينقلها العصب البصري إلى الدماغ الذي يعطي المعنى لما نراه.
نصل إلى الدماغ، المترجم الفعلي لما تراه العين كمجرّد رسالة ضوئية. وهنا، تتضافر عشرات الاعتبارات لتحديد المعنى، منها:
– بعض الأدمغة مصمّمة لمعالجة التفاصيل أكثر، بينما بعضها الآخر يركّز على الصورة العامّة.
– سرعة المعالجة العصبية تختلف من دماغ لآخر.
– مناطق الدماغ البصرية ليست متطابقة في قوّتها ومقاربتها.
– ما يخزّنه الدماغ من الماضي يؤثّر في تفسير ما يراه الآن. الدماغ يستخدم الذاكرة لملء الفراغات، وهو ما يجعلنا نرى ما نتوقّعه أكثر مما هو موجود فعلًا في معظم الأحيان.
– العاطفة، القلق، الحزن، الفرح… كلّها تؤثّر في الرؤية وتغيّرها.
حتى علميًّا، الحقيقة نسبية وذاتية، فما بالك على المستوى النفسي، حيث تتداخل آلاف وآلاف الاعتبارات. كلٌّ منّا يرى الموقف، الشخص، الحالة، وليس فقط اللوحة الفنية، بشكل مختلف عن الآخر. كلٌّ منّا يرى في الآخر ما يعجز الآخر عن رؤيته في نفسه. كلٌّ منّا قد ينظر إلى نفسه بطريقة مختلفة بين مرّة وأخرى. 
العين ترى، لكنّ المزاج يلوّن.
العين ترى، لكنّ آلاف الاعتبارات تقرّر ما تراه وتسمّيه.
في كلّ هذا اللغط، وسط كلّ هذه النسبية والذاتية، كيف لنا أن نعرف الآخر؟
كيف نعرفه ونحن عاجزون حتى عن معرفة أنفسنا؟ 
أقول معرفة، لا تعريف. فما نحن عليه هو تعريفات نطلقها ونسير عليها. أحكامنا القِيَمِيّة على الآخَر هي تعريفات نستشفّها ممّا يكشفه لنا أو ممّا هو مكشوف له في الإحساس؛ ثمّة ناحية غير مكشوفة له.
هذه الفوضى قنّنّاها وحدّدناها بالتعريفات. لكنّ هذه التعريفات هي نسخٌ من بين الآلاف من الحالات ومن الآخرين ومنّا، بل ومن العالم. وضعناها كي لا نتوه، كي لا نجنّ، كي نطمئنّ، لكنّها ليست مطلقة.
في تكوين كهذا، في هذه النفس المضطرمة المضطربة الفائضة بألف شعور ومعنى وصورة تحكمها النسبيّة ويمليها الظرف، كيف يعرف الإنسان نفسه قبل أن يعرف الآخَر؟
مجدّدًا: من نحن إذن؟ وكم من نحن؟ من هو الآخر؟ وكم منه أيضًا؟
«اِعرف نفسك»، قال سقراط.
حتى هو حين قالها، مطلقًا شعار أنّ معرفة الإنسان نفسَه هي أساس الحكمة والأخلاق والعيش الجيّد، أضاف إليها أنّ أوّل معرفة للنفس هي إدراك حدودها: أنا أعلم أنّني لا أعلم…
نحن إذن لا نعيش في العالم ذاته. والرؤية المختلفة ليست خللًا كما يقول العلم، بل هي جوهر الإنسانية كما تقول الفلسفة. نحن آخرون كلّ يوم. والآخر الذي أمامنا آخر في كلّ يوم أيضًا، فكيف السبيل إلى الالتقاء؟ 
اللقاء لا يكون مطلقًا البتّة. اللقاء هو مثل لحظات العشق. لقاؤنا مع أنفسنا يحصل في ومضة. لحظة اتّساق مجتزأة خارج كلّ شيء. من بعدها يأتي ما يناقضها كما هي تناقض ما قبلها، لكنّ الصفاء، بصفته حالة، لحظوي. في تلك اللحظة، نجد أنفسنا والآخر. وفي تلك اللحظة، نجد الآخر ونضيّعه آلاف المرّات في حياة واحدة. نتحدّث هنا عن اللقاء الحقيقي، لا المرسوم بالتعريفات. إذن، الكينونة النفسية، كما العلاقة مع الآخر والأشياء، ليست مطلقة. وإن حدث وفتحنا الباب على المطلق وأفلتنا عقال الاحتمالات، يحصل الغرق الذي لا يد قادرة على انتشالنا منه.
العقاب إذن. الثمن الأساسي الذي ندفعه كبشر هو حصر الاحتمالات اللانهائية التي بين ضلوعنا. هو سجن أنفسنا بالتعريفات التي بُنيت عليها القيم والأخلاق والمعاني والتعليمات والسياسات، واللائحة لا تنتهي. 
عقابنا أن نخلق لأنفسنا، وأن نترك للظروف والمصائر والحظوظ والسياقات أن تخلق لنا ما نحن وما نكون عليه، وأن نلتزم بذلك المسار فلا نحيد عنه. أمّا معرفة النفس ومعرفة الآخر فعليًّا وعميقًا، فزئبقية يستحيل القبض عليها، لكنّها تأتي على شكل هدايا لحظية سرعان ما تناقض نفسها كي تحافظ على صفائها وحقيقتها.
والمسألة تبدأ منذ لحظة الولادة، مكانها الجغرافي والطبقي والثقافي والقيمي، سياقها وانعطافاتها ومساراتها ومآلاتها.
«اجبر الإنسان ولا تخيّره، يكفيه ما فيه من همٍّ محيّره»…
نور على نور يا عمّ صلاح…