“آلة حرب”: وقائع شوهدت في أفلام قديمة (الملف الصحافي)
يُشاهَد فيلم عن الحرب في زمن اشتعال الحرب. كيف يؤثر السياق في الكتابة؟
في “آلة حرب” (2026، نتفليكس) لباتريك هيوس، تتبع كاميرا هوليوودية مقاتلاً أميركياً شجاعاً، نجا في جبال قندهار. بطل خارق، لكن من لحم ودم، ينتقل من قتال حركة طالبان إلى مقاتلة آلة. الشرق مكان شرّ حربي لا نهائي. يُقصف عدو شبح. هذا نهج هوليوود. الآخر الأفغاني لا وجود له في الشاشة. التاريخ يكتبه المنتصرون. هذا موقف أيديولوجي لذا تحكي الكاميرا إنجازات البطل، وهو عضو في نخبة صغيرة متميزة، تتشكّل ممن يجمعهم رابط دموي يتجاوز الوظيفة. لا أحد يريد مشاهدة قصص الخاسرين والجنود العاديين.
كيف تتشكل النخبة البطلة؟ انتقاء أوّلي دقيق لعناصر يخضعون لتمارين في ثمانية أسابيع، وسبعة حواجز للمضي في قافلة الإسبرطيين. للأرقام والأسماء أصداء بطولية أسطورية وتاريخية. تحمل الأسطورة موقفاً أيديولوجياً. عنوان البطولة: كيف تتحقق شارة المجد؟ جواب الأدبيات العسكرية: بتسريع النصر. كيف نسرّعه؟ بالفوز بالحرب بضربة قاضية. كيف؟ بضرب نقطة ضعف العدو، والتغلب على صعاب لا نهائية، أشدها كمائن العدو وغدره.
من يحقّق النصر، يُكافأ بميدالية الصاعقة، وهذه لحظة مجد بالنسبة إلى جندي، ومعادل موضوعي للأوسكار بالنسبة إلى السينمائي. ينال الميدالية من يبقى حيّاً وينتصر، لكن هل النصر مضمون؟ لا أحد يزعم النتيجة. المهم أن مصير الدولة مُعلّق بجيشها. هذه عقيدة الدولة القومية، التي تتصرّف وفقاً لمصلحتها، في واقع القانون الدولي على الورق، وواقع قانون الغاب على الأرض. قانون يفرض على كلّ هيئة أركان تشكيل قوة ساحقة تحقّق النصر السريع، لأن طول مدة الحرب يضاعف كلفتها ومخاطرها المميتة للأفراد والدول.
هذا سياق داخلي للفيلم، وسياق عالمي صدر زمن الحرب. يبدأ الفيلم بتحذير من عنف لغوي ومادي. أول الحرب كلام، ثم يسيل الدم، لكن هذه ليست حرب رمح آخيل، ولا سيف عنتر بن شداد، ولا طواحين دون كيخوته. ما الحرب في القرن الـ21؟ إنها حربان: رقمية وواقعية. بَشّر الفيلم بحرب رقمية، ثم توّرط بطله في حرب واقعية، وجهاً لوجه مع عدو آلة في تضاريس صعبة. تقوم الآلة بالحرب. صار الجندي الذي يقاتل مهندس رياضيات محاطاً بالأزرار. هذه حرب أقرب إلى لقاء شطرنج. الحرب مسألة رياضية، يتفوق فيها طلبة الديناميكا الحرارية. لكن هذا لا يحقّق بطولة كبيرة.
الحل؟ بعد الحرب الآلية عن بُعد، لإضعاف العدو، تُجسَّم الجغرافيا خلف خطوط العدو، لإرسال كومندوز ينهي المهمة. يتقدم الرجال ميدانياً لصعق العدو. رجال عمالقة شجعان، يقتحمون الأخطار لتعجيل النصر. يبحث الكومندوز عن هدف تحت أرضي لإحراقه. هذا فيلم خيالي، وكل تشابه مع ما يجري حالياً مقصود، ويساعد على الفهم. تلعب الجغرافيا دوراً في الحروب. بحسب حكايات جان دو لافونتين، وحدها الجحور ضيقة المداخل تحمي الفئران من أعدائها. ثم جاءت الرادارات وكاميرات الأقمار الصناعية، فجلبت طوبوغرافيا التضاريس إلى شاشات قاعات الاجتماعات لاتخاذ قرارات القصف عن بُعد، ثم يجري الاقتحام عن قرب برمشة عين. لا مكان للتردّد والتفلسف في عمل الجيوش.
لتنفيذ هذه المهام المثالية جداً، اختار هيوس ممثلين بوجوه عسكرية سميكة، لا توحي لا بالقوة ولا بالذكاء. كاستينغ عضلي أكثر منه فني. بطل ضخم غير مقنع. بطل سطحي أضيفت إليه ندوب من الماضي، لعله يكتسب عمقاً، لكنها ندوب مُصوّرة بخفة وسرعة، تجعلانه أقل من عمق شخصية كريس كيلي في “القناص” (2014) لكلينت إيستوود.
لعرض الحرب، اعتمد هيوس صُوراً ولقطات منسجمة، لوناً ومكاناً. تيار ماء موحّد في الصبيب واللون والتضاريس المحيطة، وفي تماوج الماء. يبدو هذا ديكوراً بلاستيكياً.
قدّم “آلة حرب” وقائع شوهدت في أفلام قديمة، لكن بطريقة مثالية جداً. هذه لقطات حرب آلية رقمية تفتقد حقيقة الحرب، مقدّمة بطريقة رقمية تفتقد حقيقة الحرب، ما يتسبب في نقص الصدق الذي يحدثه الأثر الفني في نفسية المُشاهد.
هذا مفعول صُور رقمية مُعدّلة، تفتقد تنوّع الواقع وتعقيداته. تناسق شديد في الأشكال والألوان والإضاءة. هذا مفعول رقمي لا واقعي، ما أضعف احتمال الوقوع، وبالتالي صدقية اللقطات. يمكن للقطات المولدة من الذكاء الصناعي تخفيض التكاليف، لكنها تضعف احتمال التصديق. يشعر المشاهد، مُدمن الألعاب القتالية، بأنه يعرف أكثر ممّا يعرضه الفيلم.
عرض هيوس لقطات حرب لا ترقى إلى نصف تلك التي صوّرها فرنسيس فورد كوبولا في “القيامة الآن” (1979)، وستانلي كوبريك في “سترة معدنية كاملة” (1987).
فيلم عن آلة الحرب فيلم آلي رقمي أيضاً. يثير الذكاء الصناعي الشكوك في الأعمال الفنية. يؤدّي نقص الصدق إلى تشكيك المُشاهد في احتمال حدوث ما يراه. الحرب ليست مجرد خدعة، إنها دم وألم وخراب. ما أسهل مشاهدة الحرب عن بُعد، وما أصعب عيشها على الأرض.
هل يمكن للنقد السينمائي أن يصبح آلياً أيضاً؟ يبدو أن تحرير نص عن فيلم عمل بشري صعب، لأن الذكاء الصناعي لا يُحلّل مشهداً بشكل متناسق مع قواعد التاريخ المُعقّد للتلقّي.
