باتريسيا هاشم: ما يحدث اليوم على مواقع التواصل الاجتماعي لم يعد مجرد تفاعل طبيعي مع الأعمال الدرامية، بل تحوّل إلى “حرب افتراضية” مفتوحة بين النجوم وجمهورهم. كل فنان يُنصّب نفسه في المرتبة الأولى، وكل صفحة تدّعي امتلاك “الإحصاءات” و”النتائج”، في مشهد أقرب إلى سباق وهمي بلا قواعد ولا حكم.

في كل موسم رمضاني، ننتظر المنافسة، نعم، لكن ما نشهده اليوم لم يعد منافسة فنية، بل معركة أرقام. أرقام مشاهدات غير واضحة المصدر، تصنيفات صادرة عن صفحات مجهولة، واستفتاءات تُفصّل على قياس جمهور معيّن. فجأة، يصبح لدينا عشرات “المراكز الأولى”، وكأن كل عمل هو الأفضل… في دائرته الخاصة.

لكن السؤال البديهي: الأفضل بناءً على ماذا؟

هل نقارن النصوص من حيث العمق والبناء؟

هل نقيّم الأداء التمثيلي من حيث الصدق والتطوّر؟

هل ننظر إلى الإخراج، الصورة، الإيقاع، والموسيقى التصويرية؟

أم أن كل هذه العناصر سقطت أمام “ترند” سريع أو حملة دعم منظمة؟

الأخطر من ذلك، أن مفهوم النقد نفسه يتآكل. لم يعد النقد قائمًا على معرفة أو خبرة، بل على انطباعات لحظية. أي شخص يملك حسابًا على وسائل التواصل بات قادرًا على إعلان نفسه “ناقدًا”، يمنح تقييمات نهائية، ويصنّف النجوم، ويحدّد من “نجح” ومن “فشل”، دون أي مرجعية حقيقية.

وهنا لا نتحدث عن حق الناس في التعبير — فهذا حق مشروع — بل عن خلطٍ واضح بين الرأي الشخصي والتقييم المهني. هناك فرق كبير بين أن أقول “أحببت هذا العمل” وبين أن أقرّر أنه “الأفضل على الإطلاق”.

المشكلة أيضًا أن هذه الفوضى لا تبقى في إطار الجمهور فقط، بل تنتقل إلى الفنانين أنفسهم. بعض النجوم يعيدون نشر هذه “الإنجازات”، ويتعاملون معها كأنها حقائق مثبتة، ما يكرّس الوهم ويغذّي المنافسة السطحية بدل تطوير الأدوات الفنية.

ومع الوقت، تتحوّل الدراما إلى لعبة شعبية: من يملك جمهورًا أضخم على السوشيال ميديا، يربح. لا من قدّم أداءً أصدق، أو عملًا متكاملًا.

أين المشكلة الحقيقية؟

المشكلة أن التقييم الحقيقي يحتاج وقتًا، مسافة، وخبرة. يحتاج نقادًا يملكون أدوات التحليل، قادرين على تفكيك النص، قراءة الشخصيات، وفهم اللغة البصرية للعمل. لكن في زمن السرعة، أصبح الحكم فوريًا، سطحيًا، وخاضعًا للضجيج.

والأخطر، أن هذا النمط يظلم أعمالًا كثيرة. هناك مسلسلات لا تمتلك “جيشًا إلكترونيًا”، لكنها تقدّم قيمة فنية عالية. وهناك ممثلون يقدّمون أداءً استثنائيًا، لكنهم لا يملكون نفس الحضور الرقمي، فيغيبون عن هذه “السباقات”.

في المقابل، تُضخَّم أعمال أخرى فقط لأنها تملك دعمًا أكبر، لا لأنها الأفضل فعلاً.

الاختلاف طبيعي… لكن الفرض مرفوض

من الطبيعي أن نختلف. أن أحب عملًا ولا يعجبك، أو العكس. أن أتأثر بشخصية بينما تمرّ عليك مرور الكرام. هذا هو جوهر الفن: التنوّع في التلقي.

لكن غير الطبيعي هو محاولة فرض هذا الرأي كحقيقة مطلقة، وتحويل الاختلاف إلى صراع. أن تتحوّل مواقع التواصل إلى ساحة معركة بين جماهير، كل طرف يحاول إثبات أن “نجمه هو الأول”، وكأن الفن سباق رياضي بنتيجة واحدة.

الفن ليس ترتيبًا رقميًا. لا يمكن اختزاله بلائحة. ولا يمكن قياسه فقط بعدد المشاهدات أو التفاعلات.

أين الحل؟

الحل لا يكون بإسكات الناس، بل بإعادة التوازن. بإعطاء مساحة أكبر للنقد المهني، وتشجيع النقاش الحقيقي حول جودة الأعمال. بأن نتعلّم التفريق بين “الإعجاب” و”التقييم”.

كما أن على الفنانين أنفسهم مسؤولية. فبدل الانجرار خلف هذه “الجوائز الافتراضية”، يمكنهم التركيز على ما يبقى فعلًا: العمل الجيد، الأداء الصادق، والتجربة التي تعيش في ذاكرة الجمهور.

في النهاية، “المركز الأول” لا يُمنح بمنشور، ولا يُحسم باستفتاء عابر. هو نتيجة تراكم، تجربة، وثقة تُبنى مع الوقت.

أما ما نشهده اليوم… فليس إلا ضجيجًا عاليًا، يخفي خلفه سؤالًا بسيطًا:

هل ما زلنا نقيّم الفن… أم نقيّم أنفسنا من خلاله؟