حين تنبض سورية الطبيعية ينبض معها الفن المنحاز للناس… للغلابا… للمقهورين بين المحيط والخليج… هذا ما كان يؤمن به الفنان اللبناني الأصيل أحمد قعبور (1955- 2026)، الذي رحل عن دنيانا أول أمس على بعد أيام قليلة من يوم الأرض الفلسطيني في 30 آذار/ مارس من كل عام، ليحقق صعوده الخاص نحو معاني آذار والأرض والأم والشعر والربيع والنوروز، بأجلّ ما يكون المعنى، وأدفأ ما يكون ترْك عنان العمر يدوّن لحظته الأخيرة، وأعمق ما تكون التلويحة الأخيرة للأيام والألحان والأعياد.

وحين هتف شاعر الأرض: “أنا الأرض… والأرض أنتِ… خديجة (طفلة من سخنين استشهدت في يوم الأرض الفلسطيني) لا تغلقي الباب… لا تدخلي في الغياب… سنطردهم من إناء الزهور وحبل الغسيل… سنطردهم عن حجارة هذا الطريق الطويل… سنطردهم من هواء الجليل”، كان أحمد قعبور يتهجّى في عام 1976 (وعمره أيامها 20 عامًا ونيّف) طلّة الخيل، ويعاين نجمات الليل، ويجرّب نبرة الصوت حين يطلع النداء عاليًا ومدويًا، فكانت “أناديكم” التي أعلن عبرها، من أشعار الفلسطيني الناصري توفيق زيّاد، عن قماشة الفن الذي سيكمل مسيرته من خلال مفرداته ومعانيه وتجلياته. لم يطل انتظار من تعرّفوا عليه وهو يصدح: “أناديكم… أشد على أياديكم… وأبوس الأرض تحت نعالكم… وأقول أفديكم… وأهديكم ضياء عينيّ ودفء القلب أعطيكم… فمأساتي التي أحياها، نصيبي من مآسيكم… أنا ما هنتُ في وطني وما صغّرت أكتافي… وقفتُ بوجه ظلامي يتيمًا عاريًا حافي… أناديكم… أشد على أياديكم”، فغنى بعدها للجنوب والجنوبيين “الشمس تأكل لحمهم لكنهم يعاندون الشمس… من بطون الأرض يطلعون من عيون الشمس… يطلعون من وجه القمر إنهم جنوبيون” من كلمات أحمد ظاهر، فإذا بجمْعٍ غير قليل ممن بدأوا يتابعون صوته وألحانه وفنّه، يحسبونه على الجنوب، ويربطون الجنوب به. اعتقاد عزّزه قعبور بكلماته هذه المرّة عندما غنّى “يا رايح صوب بلادي دخْلك وصّلي السلام… بلّغ أهلي وولادي مشتقلن رفّ الحمام… اسألّي إمّي يا منادي، بعدا ممنوعة الأحلام… وقلّا أياما ببالي، والله بتعز الأيام”. ففي هذه الأغنية الأيقونة لحنًا وروحًا وكلمات، يمرّ الفنان متعدّد المواهب تمثيلًا وتلحينًا وعزفًا وغناءً، على قرى ومناطق جنوبية عديدة؛ بدءًا من الليطاني الذي بات اليوم عنوان الصمود (أو الركوع) في المشهد اللبناني المتفجّر طلائع نصر، مرورًا بقرية النبطية، والخيام التي تسطّر هذه الأيام بطولات أسطورية، ثم كفر متّى الأقرب للجنوب والبقاع الغربي وجبل لبنان، وصولًا إلى المنارة التابعة للبقاع التي تعد، في مختلف الأحوال، أقرب للجنوب الغربي منها إلى الشمال حيث عكّار وطرابلس وزغرتا والبترون وغيرها.

في أغنية “نحنا الناس” من كلمات الشاعر اللبناني محمد العبدالله يعلن قعبور بشكل واضح صادح لا لبس فيه انحيازه للناس، ويشفّ عن ميولٍ يساريةٍ طالعةٍ من صوت الآذان وأجواء المسحراتي: “شوارع المدينة مش لحدا/ شوارع المدينة لكل الناس/ رصيف البحر مش لحدا/ رصيف البحر لكل الناس/ نحنا الناس/ نحنا شجر الشوارع/ نحنا حكايا الرصيف/ نحنا الربيع/ نحنا الشتي/ ونحنا الصيف/ ونحنا الخريف/ نحنا الناس”.

ومرّة ثانية يضع قعبور جمهوره في حيرة حول جنوبيته، أو بيروتيّته، فكاتب الأغنية المسرحي والسّارد والشاعر محمد العبدالله هو ابن ضيعة الخيام الجنوبية، كما يتركهم يفسّرون كما يرغبون مدى التزامه الشيوعي اليساري من عدمه، فالعبدالله (1946-2016) كان مقربًا من منظمة العمل الشيوعي. وبرأيي أن قعبور كان قبل كل شيء، ورغم المشهد اللبناني المتداخل الصعب الحائر، إنسانًا، صاحب رسالة وجدانية سماوية سامية، ارتقت فوق طائفية بلد الأرز، وغنّت، أولًا، وقبل كل/أي شيء للناس: “بدي غنّي للناس اللي ما عندُن ناس… وكانو هنّي الأساس”، وفي هذه الأغنية التي كتبها أحمد بنفسه يمرّ على الغرقانين السرحانين بنجمات ليل لا يشبه الأرض تحته: “اللي بليلو غرقان سارح بها النجمات”، وعلى الهاربة من الحرب يسبقها خوفها: “واللي هربانه من الحرب خوفا سابقها لبعيد”، وينصّب نفسه صوتَ من لا صوت لهم، ليس بالمعنى البيروقراطيّ السلطويّ للتنصيب، بل بما ناله من استفتاء شعبي إنساني صادق ساطع لأناس آمنوا به منذ أن قرّر ضبط إيقاعه الدرامي لصالح أعمال لها معنى (“كارلوس” نموذجًا)، مفرغًا جلّ وقته، وسرابيل روحه، وبوح جوارحه، للفن الغنائي الموسيقي وهو الذي تشبّع الموسيقى صغيرًا من أبيه محمود الرشيدي الذي يعدّه كثير من النقاد من أهم عازفي الكمان على امتداد كل لبنان.

لا شك في أن اشتراطات العيش، وتأمين كفاف الخبز، قاد قعبور إلى التزامات لا تشبهه أحيانًا، لكن هذا هو الفن وهذه هي ضريبته، فكما أن لكل وظيفة ضريبة، ولكل عمل سلبياته وإيجابياته، فقد وازن الفنان عميق الصوت والفكر، أو حاول أن يوازن، بين هذه الاشتراطات وبين الهوية التي أسس لها منذ بداياته وأراد ألّا يُعرف إلا عبرها.

نوسطالجيا محوّطة بالحرارة الموسيقية فجّرها قعبور في أغنيته “صوتن عالي” كلمات زاهي وهبي والتي عادا عبرها إلى أجواء الأغنيات الثورية التي نبضت ساطعة في أغنية “والله وطلعناهم برّا” التي شاركه أسامة العارف كتابة كلماتها، وفيها يحتفل ويحتفل معه اللبنانيون جميعهم بانسحاب العدو الصهيوني من بيروت؛ قعبور والعارف أدخلا في “والله وطلعناهم برّا” ما كان الضابط الصهيوني يردّده عبر مكبر الصوت: “يا أهالي بيروت لا تطلقوا النّار على جيْش (الدّفاع) الإسرائيليّ، إنّنا منسحبون”. الأجواء الاحتفالية في الأغنية لم تقتصر على كلمات الأغنية وشكل تفاعل اللبنانيين معها، بل امتدّ ليشمل صوت العود من خلال رشقة البداية TREMOLO (أي الرشّ باليد اليمنى)، ومن خلال المزاوجة الأوركسترالية الضّخمة، وغلاظة أصوات الرّجال التّراجيدية الفخمة المنخفضة من حيث القماشة الصوتية ودرجتها، ومن خلال الجملة النّغمية الأفقيّة (الهارموني العموديّ، والتّوليفة في شقيّ التّوزيع والتّأليف مع إدخال الـ CONTREPOINT أحيانًا)، فإذا بكل هذا معًا يعبّر عن فرحة الناس بخروج العدو واندحاره أمام إصرار الإرادة ومستلزمات السيادة.

لا ينسى صديقنا الجنوب، فيعود إليه عبر بوابة “قانا” هذه المرّة من كلمات البعلبكي طلال حيدر وتلحين قعبور وتوزيع هاني سبليني: “قانا مثل هالقلب من كتر الغضب… طيّر قصايد من ذهب… زهّر أذان العصر بكروم العنب… واحترقت الدنيا متل حقل القصب… فتح الجنوب الباب ليفوتوا العرب”، ولكنهم، حتى يومنا هذا (لم يفوتوا) يا صديقي، وإن فعلوا فلكي يتآمروا على المقاومة.

أحمد قعبور ينادي وينتظر 

نزعة التمرد والاختلاف عند قعبور قادته مرّة إلى أغنية ساخرة لا لحنها يشبه ألحانه ولا أجواؤها تشبه أجواءه: “البلد ماشي… والشغل ماشي… والحكي ماشي… ولا يهمّك”.

ومن مدخل قانون يأسر الألباب غنى قعبور من كلمات عبيدو باشا “صَبَح الصّباح” التي يقولان فيها “صبحك صباحك يا فتّاح… ناس البلد يا رب مناح… إمي وأبي ربّوا الولد قالوا البلد حلوه البلد بالصبحيات”. تعاون قعبور مع عبيدو باشا شكّل في مراحل مهمة من مسيرتهما ثنائيًا متناغمًا في نزعته اليسارية، ورشاقته الموسيقية، وبساطته المتمنّعة. تعاونهما شمل، إلى ذلك، “بيروت يا بيروت” وغيرها.

بالنزعة اليسارية الشعبية الصادحة، ولكن المتصالحة مع مرويات الحارات الشعبية، وعاداتها، وخصوصياتها، وآفاقها، قدّم قعبور (تأليفًا وتلحينًا وغناءً) واحدة من أجمل أهازيجه المتعانقة مع أجواء رمضان وطقوسه: “علّو البيارق علّوها… ضووا الشوارع خلّوها تغني من جديد… إم أحمد بتروّق بالا وأبو أحمد برقص كرمالا… والحجّة تزغلط زغلوطة توصل لبعيد… ولا مرة إمي وعّتني حتى إتسحّر… كل مرّة بيمرق رمضان وبتقلي صغيّر… أنا حابب شوفك يا مسحّر وطبّل عطبولك… أنا حابب إكبر وإتسحر بليالي العيد… علّو البيارق علّوها”.

“نزعة التمرد والاختلاف عند قعبور قادته مرّة إلى أغنية ساخرة لا لحنها يشبه ألحانه ولا أجواؤها تشبه أجواءه”

وحين لا بد من رومانسية حميمة كانت أغنية “لمّا تغيبي” التي أدّاها قعبور بإحساسٍ وجدانيٍّ خاص حول الفقد والأشواق رغم أنها من كلمات باسم زيتوني.

ولأن الأمهات هن صلاتنا التي لا تنتهي، وحبلنا السريّ طالما تسعفنا أنفاس الحياة، فقد غنى أحمد لها: “التي ودعتني في الصباح… بضفيرة قليلة ويدين من دعاء… حفرت ظلًا على الحائط… أوقدت نارًا صغيرة لأجلي… ساكنةُ العتبة أمّي رافقتني إلى الباب… عد باكرًا قالت لي… علّقت في زندي شمسًا وأحد عشر كوكبًا أمّي… المسكونةُ بالأرواح الطيبة والأولياء… دمعتها طريق العين… مرّة غرفتْ حقلًا… مرّة صوتها المساء… نذرت خبزًا وملحًا لغيابي… حافيةً ملأت السفح سنابل… أرخت ضفائرها ثلجًا غطى الجبال… قلبها السنونو… قنديلها البحيرة… ماء دافق على المنحدرات… مرّة عانقتني… نبت قمح في شرفتها… نزلت سماء… طاحونة الضحك أمي… نافورة ماء… أوّل الينابيع خاتمة النساء… التي ودّعتني في الصباح بضفيرة قليلة ويديْن من دعاء”.

المزعج أن مواقع وصفحات ومنصات كثيرة تنسخ عن بعضها وتلصق، خلطت بين قصيدة محمود درويش “أحن إلى خبز أمي” التي لحنها وغناها مارسيل خليفة، وبين قصيدة “أمي” التي لحنها وغناها أحمد قعبور، وكان يمكن، بسبب هذه الركاكة الاستقصائية والمهنية، ألّا أعرف من كتب قصيدة “أمّي” لولا أني أعرف أنها للشاعر والإعلامي الصديق زاهي وهبي الذي أسهم في رثائية أحمد بمقال سأضعه في نهاية التقرير.

بعد الأم، غنى قعبور لجدته “يا ستي ليكي ليكي… قذائف حواليك… أوليلُن يرموها بعيد على الجبهة ما عليكِ ليكي ليكي… يا ستي يا ست الكُل لأشلح عا إجريكِ الفُل… أوليلُن وينه محمود… ألوليلُن ليش ثيابك سود”.

أحمد قعبور ينتقل من مساحة الأرض إلى واحة السماء 

غناء قعبور الأسري الدافئ وصل إلى الشقيقة، فكتب وغنى “أختي أميرة” التي شاركت معه في الفيديوكليب الخاص بها زوجته الفنانة التشكيلية إيمان بكداش، وتحمل الأغنية من توزيع سبليني، وإخراج الفيديوكليب لأحمد النابلسي، قيمًا إنسانية حول الوحدة والعزلة والخوف من ترْك بيت العائلة: “أختي أميرة هي الأميرة كنّا حواليها بئيت لحالا… أختي الوحيدة… أختي البعيدة… غنّت موالا… نسيت موالا”.

فلسطينيًا غنى المتفرّد أحمد قعبور “يا نبض الضفة” و”إرحل” و”حق العودة”: “شمس المشرق بدّفي… شمس المغرب ولعاني… وأنا ما بعرف من الشمس إلا شمس الأغاني… ما بعرف شمس فلسطين ولا شروق الشمس بيافا… آعِد أرسم صورة شمس وجرّب هزّا من كتافا… وعّيها وإلّا شمسي… شمسي… شمسي…”. وطبعًا “أناديكم” التي اشتهر بها واشتهرت به. وفي أغانيه المهداة إلى الوجع الفلسطيني يعبّر أحمد عن حلم الفلسطينيين بالعودة، ويمرّ على أسماء قرى الأرض المحتلة ومدنها، ويصرخ باسم الأطفال اليُتّم، ويهتف ليمسي وطن المسبيين حرًا ويرحل محتلّه فليس أمامه إلا أن يرحل، ويغني لعيون لينا التي كانت تصنع غدها ولم تسقط بل ظل دمها يغنّي، ويحرض على إعلان الثورة وتحطيم القيود، وأن يجعل أبناء الشتات من لحمهم جسر عودة، ويرفع الصلاة إلى قدس الأقداس.

لن يسعني، طبعًا، المرور، على أغنيات قعبور جميعها، مكتفيًا بغيضٍ من فيضها.

ما يزال الجنوبيون يا أحمد: “يزرعون الحبّ والسنابل والتبغ والرصاص… يكدحون فليْلهم طويل ودربهم طويل… لكنّ في عيونهم ألف انتقام… وألف ألف لعنة على الكلاب الفاجرة… يعانقون الرفش والمعاول وأخمص الخلاص… يزحفون للحقل يزحفون… فحقلهم يموت وزهرهم يموت… لكن في دمائهم لون الحياة”.

تجربة مغايرة هي مسيرة الفنان المجبول بالأرض والسنابل أحمد قعبور، صعدت عاليًا لا تريد أن ترى كيف يأكل أبناء السمراء بعضهم، ويطلقون قذائفهم على أنفسهم بعيدًا عن الجبهات… لبنانيًا كاملًا كان… سوريًا كاملًا… فلسطينيًا كاملًا… إنسانيًا مكتمل البهاء والوعي والعاصفة.

على صفحته الفيسبوكية، كتب الفنان السوري المقيم في باريس سميح شقير في وداعه قائلًا: “أنعي اليكم صديقي الغالي فنان الشعب وصوت الناس الفنان أحمد قعبور الذي لطالما عبَّر بغنائه وموسيقاه عن آلام الناس وأحلامهم بلغة موسيقية مبدعة. أنعي إليكم رفيق الدرب وأحد رواد الأغنية الشجاعة التي حفرت طريقها في صخر الواقع وضخت دمًا جديدًا في عروق المشهد الغنائي، وافترقت وتمايزت عن السائد، وبرحيله نتلمّس اقتراب نهايات مرحلة متفردة لعبت بها الأغنية الملتزمة دورًا بالغ الأهمية في استنهاض الشعوب بمواجهة الاستبداد والدفاع عن حرية الإنسان والأوطان وترسيخًا للقيم الإنسانية والجمال. سلام لروحك يا صديقي أحمد… سلام على قطارٍ طويلٍ من الذكريات التي جمعتنا… أغنياتك ستبقى في القلب وطيبة تعابير وجهك كذلك. لعائلتك وأصدقائك أحر التعازي… وداعًا يا أحمد… يبكيك قلبي، فوداعًا ولو إلى حين”.

من جهته، أرسل لي الفنان اللبناني مارسيل خليفة ما كتبه على صفحته يرثي به صديقه الفنان أحمد قعبور، هذا نصّه: “أحمد الصديق الحبيب… ليكن الفراق عذبًا… لا تدعه يصبح موتًا بل تتمة… لينقلب الألم إلى أمنيات… كانت آخر لمسة في بيتك من شهر رفقة إيمان والأولاد رقيقة كزهرة الليل… توقفي أيتها النهاية، لحظة، في صمت أغنيتك الجديدة، التي سمعتها حتى الثمالة… إنني أنحني لك”.  

*****

تحت عنوان “صوته ينادينا، يشدّ على أيادينا”، خصّ الصديق الشاعر والإعلامي زاهي وهبي “ضفة ثالثة” بمقال كتبه في وداع أحمد قعبور، وفي استعراض مفاصل مهمة من مسيرته:

“صوته ينادينا، يشدّ على أيادينا”/ زاهي وهبي

كان صوته وطنًا بلا حدود.
لم يكن وطنًا من تراب وحجر، بل وطنًا من نغم يفتح في الصدر مساحات لا تخضع للخرائط. كلما أغلقت الأبواب، كان صوته نافذة. كلما ضاقت الأرض، كان صوته سفرًا بلا جواز.
غنّى للبنان، وللجنوب، لفلسطين.
لكنه لم يغنِ للبلاد كأسماء، بل غنّاها كقصائد عشق يكتبها عاشق لا يملّ، يكتبها مرارًا كي لا ينساها، وكي لا تنساه.
حمل هموم وطنه في قلبه، وغنى للحرية والعدالة كما يغني العشاق لأحبائهم بصوت لا يريد إلا أن يلامس الروح، وبكلمات لا تريد إلا أن تكون حقيقة.
كان فنّه مقاومة، وكلماته نشيدًا وهتافًا، ووقوفه على المسارح شهادة لا تنسى، كأنما خشي أن يُقال بعد رحيله: لم يشهد.
أغنياته ستبقى راسخة في الذاكرة والوجدان، وصوته ينادينا ويشد على أيادينا.
لا نملك إلا أن نستجيب. لا نملك إلا أن نرفع رؤوسنا كلما سمعناه.
تصادقنا، تزاملنا، تشاركنا.

أحمد قعبور وهو ينادينا 

في أروقة تلفزيون “المستقبل”، وقبله في تلفزيون “الجديد”، كنا نلتقي أمام الكاميرا وبعيدًا عنها.
حاورته مرارًا، اتفقنا واختلفنا، لكن الخلاف معه لم يكن قط خصامًا، بل كان حوارًا بين اثنين يجمعُهما الإخلاص للكلمة.
غنّى قصائدي… فنبتت لكلماتي بصوته أجنحة تحلّق عاليًا.
كنت أظنني أكتب حبرًا على ورق، فإذا به يغني، وإذا بالكلمات تتحوّل إلى طيور لا تعرف الهبوط.
وأجمل ما غنّاه من قصائدي: “أمي”، ليس الأم التي تلد فقط، بل الأم التي ترثي، التي تنتظر، التي تبقى نافذة مفتوحة على الغياب. غنّاها فصارت القصيدة حضنًا لكل من فقدوا الحضن، وصار صوته بكاءً يتسع لكل الحزائن.
وغنّى “صوتن عالي”…
غنيناها معًا هدية لتحرير الجنوب في عام 2000.
كنا نعتقد أن النصر هو أن يعود الناس إلى بيوتهم، لكن أحمد غنّاها كأنه يعلم أن الانتصار الحقيقي هو أن يبقى الصوت عاليًا، لا يخفت، لا يخاف، لا يساوم.
اليوم رحل…
رحل الصوت الذي كان وطنًا، رحلت الحنجرة التي لم تعرف الصمت حتى في حشرجة المرض الخبيث، رحل الفنان الذي لم يجعل من فنه سلعةً، بل جعله أرضًا.
لكن صوته لم يرحل. لا يرحل صوت كهذا.
إنه الآن في كل أغنية غنّاها، في كل بيت عرفته كلماته، في كل مرّة نحتاج فيها إلى من يشد على أيدينا.
أحمد قعبور،
سنظل نسمعك. سنظل نغنّي معك. سنظل نعرف أن الفن يمكن أن يكون وطنًا، وأن الكلمة إذا صادفت حنجرة مثلك صارت مقاومة، وأن الوقوف على المسارح يمكن أن يكون شهادة لا تنتهي برحيل الشهود.
وداعًا أيها الصديق والزميل…
وداعًا أيها الصوت الذي لا يموت.