
لندن ـ «القدس العربي»: عمَّت موجة من الحزن شبكات التواصل الاجتماعي في العالم العربي بعد تداول خبر وفاة الفنان اللبناني المعروف والملتزم أحمد قعبور، فيما تداول المستخدمون والنشطاء عبارات النعي بوفاة الفنان الراحل، واستذكروا العديد من أغانيه الوطنية لا سيما «أناديكم» التي اشتهر بها وظلت ترددها الجماهير العربية جيلاً بعد جيل منذ ظهورها قبل عقود طويلة وحتى الآن.
وتوفي قعبور مساء الخميس الماضي عن عمر ناهز 71 عاماً، بعد صراع مع مرض السرطان، ومسيرة فنية امتدت نحو خمسة عقود ارتبطت بفلسطين والإنسان وقضايا العدالة والحرية. وأعلنت عائلته خبر الوفاة في بيان مقتضب نشرته عبر صفحته الرسمية على فيسبوك، سائلة له الرحمة والمغفرة.
ولقي منشور النعي في ساعة واحدة فقط آلاف التفاعلات ومئات التعليقات والمشاركات، عبر فيها محبوه عن حزنهم لرحيله، ونعاه متابعون بعبارات من قبيل «رحل الصوت الحنون» و«خسارة كبيرة جداً» و«شكراً لكل الحب الذي قدمته»، مع دعوات كثيرة بالرحمة لصوته الذي شكل جزءاً من الذاكرة العربية.
وسرعان ما تصدر اسم أحمد قعبور قوائم الوسوم الأوسع انتشاراً والأكثر تداولاً على شبكات التواصل الاجتماعي، فيما تداول الكثير من النشطاء والمستخدمين من مختلف أنحاء العالم العربي، وليس فقط لبنان وفلسطين، عبارات النعي والتعبير عن الحزن لوفاة الفنان الراحل الذي شكلت أغانيه دافعاً لمقارعة الاحتلال والتصدي له على مر السنوات الماضية.
كما رثاه ناشطون وإعلاميون وفنانون على منصات التواصل، مستعيدين أثره في الوجدان اللبناني والعربي، ووصفوه بأنه «صوت للمقاومة في لبنان وفلسطين» و«أحد أهم من غنّى لفلسطين والإنسان» في الأغنية العربية المعاصرة.
ما أعطيتَهُ لهذا الوطن سيبقى حيا
ونشر رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام عبر حسابه على شبكة «إكس» نعياً حزيناً للفنان قعبور، وكتب يقول: «وداعاً اخي وصديقي الفنان الكبير أحمد قعبور. بغيابك خسرنا قامة إنسانية ووطنية كانت تشد على أيادينا وتضيء العتمة في قلوبنا وقت المِحن». وأضاف سلام: «أحمد قعبور لن نعتاد على غيابك. نمْ قريرَ العين يا صديقي فما زرعتَهُ في اجيال من أهل بلادي لن يذبل، وما أعطيتَهُ لهذا الوطن سيبقى حيًا في كلِّ قلب ينبض».
كما نعى رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق سعد الحريري في منشور عبر «فيسبوك» الفنان الراحل، واصفاً إياه بأنه «الفنان المبدع»، مؤكداً أن اسم قعبور سيبقى «علامة مضيئة في مسيرة الفن الراقي والملتزم»، وأن أحياء بيروت «ستحفظ ألحانه وتردد أناديكم وعلّوا البيارق».
كما كتب الحريري أيضاً على شبكة «إكس» يقول: «رحم الله الفنان المبدع أحمد قعبور، سيبقى اسمه علامة مضيئة في مسيرة الفن الراقي والملتزم، وستظل أحياء بيروت وشوارعها تحفظ ألحانه وتحافظ على ارثه، وتردد «علوا البيارق علوها»، مثلما صارت «أناديكم» نشيدا للالتزام النقي على مدى أجيال.. أحرّ التعازي لعائلته ومحبيه، سائلين الله أن يتغمده بواسع رحمته، ويسكنه فسيح جناته، ويلهم أهله الصبر والسلوان».
أما الصحافي الفلسطيني المقيم في الولايات المتحدة نظام مهداوي، فنشر تدوينة جاء فيها: «التقيتُ الفنان اللبناني أحمد قعبور في بيروت قبل نحو أربعة عقود. وكانت أغنية (أناديكم) آنذاك نشيداً للأمة، بعد أن انتشرت على نطاق واسع. تلتها أغانٍ لا تقل قيمة، مثل (يا نبض الضفة) و(سمّوني لاجئاً).. توفي اليوم قعبور، ولم يترك وراءه أثراً غنائياً عبّر عن صوت المقاومة والصمود فحسب، بل ترك أيضاً أثراً إنسانياً وشخصياً في كل من عرفه عن قرب.. غنى لفلسطين كما لم يغن مطرب قبله، وظلّ ملتزمًا بالفن الأصيل والمعبر، وهو التزام له ثمن يدفعه الفنان، بخلاف مطربي الغرائز وهزّ الجسد.. رحم الله قعبور رحمةً واسعة».
أناديكم كانت حنجرتنا الفلسطينية
وعلق محمد هنية، وهو صحافي فلسطيني: «كانت أناديكم بصوتك شيء يقرع القلب، تتفاعل معه الروح قبل الأذن، كانت صرختنا المنسية في عالم الغاب، كانت حنجرتنا الفلسطينية.. إلى رحمة الله يا أحمد قعبور».
أما الناشط الفلسطيني المعروف رامي عبده فكتب يقول: «رحم الله الفنان اللبناني أحمد قعبور، عاش صوتاً للمقاومة في لبنان وفي فلسطين. نادى أصحاب الأرض بـ(أناديكم)، وخاطب الأرض بـ(يا رايح صوب بلادي) و(يا نبض الضفة).. إلى رحمة الله».
وكتبت رشا الخطيب: «كان لي الشرف والحظ أن أكون جزءً من عائلة تلفزيون المستقبل الحلوة وأن أكون في إعلان من كلمات العظيم أحمد قعبور.. الله يرحمه كان قامة فنية كبيرة.. كل التعازي لأهله وأحبابه».
وقال الإعلامي والصحافي المعروف سامي كليب ناعياً قعبور: «أناديكم.. وتسقط دمعة أخرى على خد الوطن الذي ردّد معه طويلا أناشيد الحرية ولغة الحب والصدق والنضال، قبل ان تستشهد القضايا على مذبح المافيات.. كم كنتَ أيها المبدع أحمد قعبور لحظة فرح وأمل في تاريخ جيلنا، وكم خذلك الحاضر كما خذلنا.. رحمة الله عليك وتعازينا القلبية لعائلتك وكل محبيك من المحيط إلى الخليج».
أما الناشطة رنا فكتبت تقول: «أحمد قعبور من الفنانين الذين شكلوا جزءً من طفولتي ووعيي مثلي مثل كتير من أبناء جيلي والجيل الأكبر مني.. غنّى للناس وللبلد، لبيروت وللجنوب ولفلسطين وللمفقودين وللحرية».
وقال حساب يحمل اسم «ميغا فون» ويختص بأخبار الفن: «رحل الفنان أحمد قعبور، اليوم، بعد صراع مع المرض، عن عمر يناهز الواحد والسبعين عاماً. قعبور الذي كان واحداً من روّاد الأغنية الملتزمة في لبنان، واشتهر برائعته (أناديكم)، كان أيضاً من القلّة الذين عملوا في مسرح الأطفال وأغانيهم. وهو، في كلّ ذلك، كان مدفوعاً بقوّة الحبّ وحلم العدالة.. يرحل قعبور اليوم، وجنوب لبنان ينزف مرّةً أخرى، وكأنّ موته ليس إلا حيلةً ليحقّق نبوءة أغنيته، فيرمي سلامه الأخير على الليطاني، يصبّح أهالي النبطية ويطلّ على الخيام».
اللي زيك مابيموتش
وأبدت الفنانة لطيفة التونسية حزنها لرحيل قعبور، حيث كتبت تقول: «الله يرحمك يا فنان يا عظيم، اللي زيك مابيموتش بفنك الصادق المؤثر.. رحمك الله يا أحمد قعبور».
أما الناشط السياسي الأردني خالد وليد الجهني فكتب يرثي قعبور: «أناديكم وأشدّ على أياديكم.. بهذا الصوت الذي كان أقرب لنبض الناس، حكى أحمد قعبور اللبناني حكاية شعب كامل.. يا رايح صوب بلادي، كانت النداء الذي حمل الحنين والوجع سواء.. و(يا نبض الضفة) صارت نبض القضية الذي لا يهدأ، هكذا كان، كلماته ليست أغاني فقط، كانت وجع وأمل، وكانت قريبة من الناس لدرجة أنك تحسها تخرج من قلبك أنت.. واليوم الصوت هدأ، لكن (أناديكم) لا زالت تتردد وتبقى أقوى من الغياب.. إلى رحمة الله أحمد قعبور».
وعلقت فاطمة إبراهيم: «لبناني أصيل وجه لبنان العروبي حمل فلسطين في روحه وقلبه وضميره وغناها أنشودة الحق، الله يرحمك». فيما قالت الناشطة السورية عالية منصور: «دمشق تهدي لروحك السلام.. أحمد قعبور بيشبهنا نحن العاديين بأحلامنا وطموحاتنا ويومياتنا ووجع غيابه بيشبه وجع القلب على بيروت ست الدنيا».
وكتب زياد: «أرشيف أحمد قعبور الفني مليء بالأغاني المميزة، رسم من خلالها ملامح لبنان النهضة في أيام العز مع إنطلاق تلفزيون المستقبل بعهد الشهيد رفيق الحريري.. بالنسبة إلي ولكتار هيدي أحلى أغنية أنتجها وبقيت محفورة لليوم بذاكرة اللبنانيين، الله يرحمك».
يشار إلى أن أحمد قعبور ولد في بيروت عام 1955 في بيت شعبي بسيط، كان والده محمود الرشيدي من أوائل عازفي الكمان في لبنان، وبدأ اهتمامه بالموسيقى منذ عمر العاشرة، حيث كان أستاذه الأول هو الموسيقي اللبناني سليم فليفل، وأدرك لاحقاً أن الفن مسؤولية وموقف.
ويقول المقربون من قعبور إن موقفه من العالم تشكل عبر قربه من مخيم «صبرا» حيث التقى الفلسطينيين، فأصبح من الصعب عليه أن يفصل قضية فلسطين عن فنه الذي صدح بها وبالمقاومة.
وفي منتصف السبعينيات من القرن الماضي، قدم وهو في الـ19 من عمره أغنية «أناديكم»، وذلك في العالم 1975، وهي من كلمات الشاعر الفلسطيني توفيق زياد، لتصبح علامة فارقة في مسيرته وأحد أشهر أناشيد القضية الفلسطينية في الوجدان العربي، وتربط اسمه مبكراً بفن الالتزام والانتصار للإنسان وفلسطين، حتى ظنه الشاعر محمود درويش فلسطينياً قبل أن يعرف أنه لبناني.
وعلى مدى عقود قدم قعبور عشرات الأغاني الملتزمة والوطنية والإنسانية، من بينها «علوا البيارق» و«يا نبض الضفة»، إلى جانب أغنيات عاطفية وشعبية، وامتد حضوره إلى المسرح والسينما والتلفزيون، فشارك في أعمال بارزة مثل فيلم «ناجي العلي» وعدد من المسلسلات التاريخية والثقافية، وصولاً إلى ظهوره في مسلسل «النار بالنار» عام 2023.
وخصص قعبور جزءاً مهماً من تجربته للفن الموجه للأطفال، ملحناً مئات الأعمال ضمن «مسرح الدمى اللبناني» وبرامج تلفزيونية، كما ارتبط اسمه بأغان رمضانية وشعبية أصبحت جزءاً من الذاكرة اليومية لجمهور واسع.
وفي عام 2016 حصل قعبور على «جائزة القدس للثقافة والإبداع» تقديراً لدوره في الإبداع المقاوم وحضوره اللافت في الأغاني التي تناولت القدس وفلسطين، وهو تكريم رسّخ مكانته باعتباره من أبرز الأصوات التي جعلت من الفن وسيلة للدفاع عن الذاكرة والحق.
