ثقافة وفنون
24
29 مارس 2026 , 06:45ص
![]()

❖ هاجر بوغانمي
في زمن تتسارع فيه أسئلة الذكاء الاصطناعي حول المستقبل وإعادة تشكيل مفاهيمنا عن الفنون والتفاعل معها، يبقى المسرح ذلك الفن الذي يعانق الإنسان بكل تجلياته العميقة، محافظا على تفاعله المدهش مع ما هو كائن. وحده المسرح قادر على إحداث الدهشة فيما هو يخلق تلك المسافة بين الواقع والتعبير عنه؛ وهو ما لم تستطع فعله التقنية. وفي رسالة اليوم العالمي للمسرح، التي كتبها الفنان الأمريكي «ويليام دافو» تبدو هذه المعادلة واضحة، بل ويؤكد في رؤيته حول المسرح وأهميته من الناحية الإنسانية أن «الإنترنت قادر على طرح الأسئلة، لكنه نادراً ما يخلق ذلك الإحساس بالدهشة التي يولدها المسرح، دهشة قائمة على الانتباه والمشاركة وتكوين جماعة مؤقتة من الحاضرين في دائرة فعل واستجابة». فهل يمكن لهذا الفن الحي، الذي يتغذى من الحضور والتفاعل المباشر بين الممثل والجمهور، أن يظل صامدًا أمام غزو التقنيات التي تعِدُ بالكثير من الإبهار والسرعة؟ وهل يمكن للمسرح القطري، بتاريخه الطويل، وتجاربه المتنوعة، أن يحتفظ بقدرته على صنع تلك اللحظات الاستثنائية التي لا يمكن استنساخها؟
هذه الأسئلة طرحتها (الشرق) على عدد من المسرحيين، فكان هذا الاستطلاع:
– عبدالرحيم الصديقي: المسرح قادر على إدهاش الإنسان بالإنسان
قال السيد عبدالرحيم الصديقي مدير عام مركز شؤون المسرح: نعم المسرح القطري قادر على خلق الدهشة اليوم لأن قوته لا تأتي من التقنية بل من التجربة الإنسانية الحيّة. فالذكاء الاصطناعي ليس تهديداً بل أداة يمكن الاستفادة منها، لكنه لا يستطيع أن يصنع تلك اللحظة المشتركة بين الممثل والجمهور. نماذج البدايات من مسرحية «أم الزين» وحتى آخر مسرحية وهي «الساعة التاسعة» تؤكد أن الدهشة في المسرح القطري جاءت من صدق الحكاية وقربها من الناس، لا من الإبهار التقني. كما أسهم فنانون مثل غانم السليطي وعبدالرحمن المناعي وناصر عبدالرضا وحمد الرميحي ومحمد الملا في ترسيخ هذه الروح عبر أعمال نابعة من المجتمع.
المسرح يبقى فنّ الحضور والتفاعل، حيث تتكوّن لحظة إنسانية لا يمكن تكرارها أو استنساخها. أما الذكاء الاصطناعي، فقد يختصر الطريق ويقترح أفكاراً، لكنه لا يخلق الشغف ولا يمنح العمل روحه.
الخلاصة أن الذكاء الاصطناعي أداة لكن المسرح هو التجربة، وإذا ظل المسرح القطري وفياً لروحه وتاريخه فسيبقى قادراً على إدهاش الإنسان.. بالإنسان.
– خالد عبدالكريم: توظيف التقنيات يخدم التجربة الإنسانية الأصيلة
علَّق الفنان خالد عبدالكريم قائلا: هذا سؤال عميق يلامس جوهر التحول الثقافي الذي تعيشه قطر والعالم. الإجابة ليست في قدرة المسرح على منافسة الذكاء الاصطناعي، بل في قدرته على احتضانه واستثماره لصالح التجربة الإنسانية المشتركة. وتشهد الساحة الثقافية في قطر تحولاً نوعياً في علاقة المسرح بالتقنيات الرقمية. فالمسرح اليوم لم يعد يرى في الذكاء الاصطناعي تهديداً، بل أداة يمكنها أن تخدم الإبداع وتحقق التواصل مع جمهور معاصر اعتاد على الوسائط الرقمية. المسرح القطري اليوم ليس في موقع منافس للذكاء الاصطناعي، بل في موقع صانع للدهشة من خلال توظيف هذه التقنيات في خدمة التجربة الإنسانية الأصيلة. المشاهد المباشر، التفاعل الحي، الحضور الجسدي وغيره من هذه العناصر تظل جوهر المسرح ولا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقدم بديلاً عنها، بل يمكنه أن يعمقها ويثريها. وأنا شخصياً أستبشر خيراً بالمخرجين والكتّاب والممثلين الشباب القطريين بقيادة سفينة المسرح القطري لبر الأمان.
إن التحدي الحقيقي ليس في قدرة المسرح على البقاء، بل في قدرته على إعادة تعريف نفسه في عصر تتسارع فيه أسئلة الذكاء الاصطناعي، ليظل فضاءً للإنسان يسأل ويشعر ويتفاعل.
– تيسير عبدالله: الجيل الجديد من المسرحيين يدركون كيفية الاستفادة من التكنولوجيا
قال الكاتب والإعلامي تيسير عبدالله: مع كامل التقدير لكلمة المسرحي العالمي «وليام دافو» في رسالته لليوم العالمي للمسرح، والذي نوّه لهذه السردية، ورغم اختلافي البسيط عن مدى دقّة هذه المقولة، كون المسرح بإمكانه أن يستفيد من تقنيات الذكاء الاصطناعي في تقديم رؤى ورسائل وأفكار، أما في ما يتعلق بمدى إمكانية مواكبة هذا التطور التقني في عالم الاتصالات، أعتقد أن الجيل الجديد من المسرحيين القطريين يملكون طرق التواصل والاتصال بعالم الذكاء الاصطناعي، ويدركون كيفية الاستفادة من هذا العالم في إثراء المشهد المسرحي القطري، وعلى ثقة كبيرة من أن النتائج ستكون جيدة في منطقة ما بين المحتوى العميق الذي يحمله المبدع القطري من فكر ومسؤولية ورسالة، وبين ما يحمله عالم الذكاء الاصطناعي من تقنيات جديدة ربما توفر للمبدع الكثير من الجهد والوقت في تقديم مشاريعه، وتبقى الرسالة والمحتوى في قيمته، ويبقى المتلقى (الجمهور) الهدف في كل المراحل ومع مختلف التقنيات.
– محمد الملا: الذكاء الاصطناعي يصنع عوالم مذهلة ولحظة المسرح لا يمكن استعادتها
أكد المخرج الشاب محمد الملا أن المسرح القطري قادر على خلق الدهشة، لكن ليس بنفس الأدوات القديمة، ولا بمفهوم “الفرجة” التقليدي، مضيفا: نحن نعيش في زمن يتسارع فيه الذكاء الاصطناعي، حيث أصبحت الدهشة متاحة بضغطة زر لكن قوة المسرح ليست في المنافسة مع الذكاء الاصطناعي بل في ما لا يستنسخ.
والمسرح القطري يملك مخزونا ثقافيا ودعما مؤسسيا متناميا، وفي ظل تطور الذكاء الاصطناعي أصبح الجمهور يبحث عن جمالية بصرية وصدق في الأداء وطرح إنساني والمسرح هو المكان الوحيد الذي ترى فيه إنسانا حقيقيا يواجه إنسانًا حقيقيا، كما أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون عنصرا من عناصر العرض المسرحي ولكن المسرح بانفعالاته وإيقاعه الحي لا يمكن أن يكون عنصرا من عناصر التكنولوجيا. إن الذكاء الاصطناعي يصنع عوالم مذهلة لكن المسرح يصنع لحظة لا يمكن استعادتها لأن خصوصية المسرح تكمن في كونه فن اللحظة حيث يلتقي الممثل بالجمهور في فضاء مشترك ويتشاركان تجربة لا يمكن استنساخها، ومن هنا، فإن قدرة المسرح القطري على خلق الدهشة اليوم، ترتبط بمدى وعيه بهذه الخصوصية، واستثماره لها في بناء تجارب تفاعلية تتجاوز الشكل التقليدي للعرض والتحدي هنا.
– حمد عبدالرضا: المسرح يقدم تجربة حيّة لا يمكن تكرارها أو استنساخها
قال السيد حمد عبدالرضا رئيس فرقة قطر المسرحية: إن المسرح القطري يمتلك كل المقومات التي تؤهله لذلك من هوية ثقافية واضحة وتجارب متراكمة، لكنه يواجه تحديًا في مواكبة تغيرات الجمهور. فالدهشة لم تعد في النص وحده، بل في التجربة الكاملة؛ في الصدق، في التفاعل، وفي قدرة العرض على إشراك الجمهور وجعله جزءًا من الحدث.
وفي ظل هيمنة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، يبقى المسرح مساحة مختلفة، لأنه يقدم تجربة حيّة لا يمكن تكرارها أو استنساخها. فعندما ينجح العرض في ملامسة مشاعر الناس والتعبير عن واقعهم، فإنه يخلق لحظة مشتركة لا تُنسى. لذلك، يمكن القول إن المسرح القطري قادر على صناعة الدهشة، بشرط أن يتجدد، ويقترب أكثر من الإنسان، ويؤمن بأن قوة المسرح ليست فيما يُقال فقط، بل فيما يُعاش.
– حمد الرميحي: الذكاء الاصطناعي يزيد الدهشة في المسرح
قال الكاتب والمخرج حمد الرميحي: المسرح القطري منذ بداياته وحتى الآن يثير الدهشة، وأي مسرح في العالم لا يثير الدهشة يُعتبر مسرحاً ضعيفاً. في الواقع، معظم المسرحيات القطرية التي تم عرضها في المهرجانات وحازت على جوائز، أحدثت دهشة حقيقية وكان لها صيت قوي على مستوى الوطن العربي..
أما بالنسبة للذكاء الاصطناعي، فكما حدث مع استخدام الشاشات في العديد من الأعمال المسرحية خلال فترة معينة من تاريخ المسرح، أعتقد أن الذكاء الاصطناعي سيكون له دور كبير في زيادة هذه الدهشة في المسرح سواء في قطر أو على مستوى المسرح العربي والعالمي. بالنسبة لي، كل مسرحية، سواء كانت كوميدية أم تراجيدية، يجب أن تثير الدهشة، وإذا لم تفعل ذلك، فإنها تظل عملا ضعيفا.
أعتقد أن هناك أعمالا في تاريخ المسرح القطري، لم تقتصر على إحداث الدهشة فحسب، بل أحدثت نقلة تاريخية في الشكل والمضمون. أذكر على سبيل المثال لا الحصر: «موال الفرح والحزن» و»يا ليل يا ليل» للأستاذ عبدالرحمن المناعي، هاتان المسرحيتان أحدثتا تحولاً كبيراً من حيث الشكل والمضمون، وكان لهما تأثير واضح على تطور الحركة المسرحية القطرية والخليجية والعربية. كما أن «بترول يا حكومة» التي ألفتها وأخرجتها عام 2002 أحدثت نقلة نوعية في الكوميديا القطرية، من حيث الشكل والمضمون والتمثيل والديكور، وكانت بمثابة بصمة مهمة في تاريخ المسرح القطري. لقد كانت تلك المسرحية علامة فارقة في تراثنا المسرحي، وأسهمت بشكل كبير في تشكيل هوية الحركة المسرحية في قطر.
مساحة إعلانية
