
بيروت – «القدس العربي»: ثمّة أبعاد في أحمد قعبور الفنان والإنسان لا تُحصى. تجلّت يوم رحيله مساء 26 هذا الشهر إثر مرض عضال أنهك جسده، ولم ينل من روحه وحضوره إلى ما قبل رحيله بأشهر قليلة.
الفنان متعدد الإبداع والعطاء والتفاني والتواضع، شكّل رحيله فرصة عبور لخطابات السياسيين الآتية من كل حدب حباً به، ومنها بعض المضمون الخشبيّ. سياسيون يستلحقون ذاتهم عبر مستشاريهم، كي لا يفوتهم ركب المناسبة، حتى وإن كانوا لا يفقهون من الراحل حتى ألف باء مقاصده الفنية، وموسيقاه وكلماته. والمعروف أنهم لم يكفلوا يوماً حياة كريمة لأي من الفنانين اللبنانيين الذين بنوا مجد هذا الوطن.
أحمد قعبور الفنان والإنسان يفوح رقة، وينضح نبلاً وإحساساً. هو بيروت الأبيّة الأصيلة، والطيبة. عن هذه البيروت كتب أحمد وغنى الكثير. هو الذي عرّف الكبار والصغار بالعيد وبما يحمله من مشاعر، حين غنى «علّوا البيارق علّوها وغنوا للعيد». «سي دي» كامل بعنوان «علّوا البيارق» كتبه صديقه المسرحي عبيدو باشا، ولحنه وغناه قعبور بإحساس ترك القلوب تفطر حناناً.
يُذكر أن «علّوا البيارق» صدر سنة 1995 بالتعاون مع أطفال دار الأيتام الإسلامية. رحل أحمد وترك إرثاً خصباً من الفن الشامل. وفي طليعتها أغنيات لم يستطع العدو اعتقالها في فلسطين، وظلت تؤرقه وتقلقه كما العبوة، تماماً كما فعلت صرخته المدوية «يا نبض الضفة»، التي ضمّها إلى صرخته الأولى البكر «أناديكم».
البيروتي الأصيل وضع مرساته بعيداً عن البحر وترك مجذافه، عندما أعلن ولادة «ما عندي مينا». في هذا العطاء الختامي لم يتبدّل. استمر الإنسان الرقيق، والكاتب الذي يتغلغل إلى أعماق الناس الطيبين. الناس الذين خبرهم طويلاً في بيروت/محلة الطريق الجديدة، والتي شكلت منبعاً لأفكار شتى في حياته. «ما عندي مينا» بدت أغنياته معيوشة جميعها ومن صلب الحياة. وشكل نقلة بارزة لمسار فني مختلف لقعبور، تلت نكسات متتالية أصابت الأحلام.
بَصَم، حياته الفنية على 11 مجموعة غنائية، و51 عاماً من العطاء. وكشف في أغنية «ما عندي مينا» تحديداً حكاية حبه لمدينة عايشت الكثير من الصدمات، خاصة صدمتها الكبرى بتفجير مرفئها. أحمد المدمن على حب بيروت خاطبها بدفء وحب، وراقصها الفالس بهيام العاشق.
لم يتنكر الفنان الرقيق لأي من مراحل حياته. يعتزّ بمجموعته الأولى «أناديكم»، وبأغنياته «يا رايح صوب بلادي»، و»الحج محمد» و بـ«كعك العبّاس» اللذيذ. وخاطب بكل جوارحه «أختي أميرة»، والتي لم يدرك السياسيون المتسارعون لنعيه عمق وحدتها، نتيجة مساراتهم الفاشلة، ولا شعروا بما تحتاجه. وغنى أحمد مع أطفال دار الأيتام الإسلامية في سنة 2024 لقطاع غزّة الباسل. واستعاد قصيدة قديمة جداً لتوفيق زيّاد عنوانها «شبّاكي وأنا»، مسترجعاً من خلالها نقاء القضية الفلسطينية قبل أن «يدخلها ألف طرف إقليمي، وألف مستثمر، وألف فصيل». كما قال في آخر حوار له مع «القدس العربي».
أحمد قعبور صديق الأطفال وله في مسرحهم حضور وازن، خاصة في «مسرح الدمى ـ خيال»، حيث لحّن أجمل الأغنيات، وفي مسرحيات متعددة. منها «كلو من الزيبق»، و»بيتك يا ستي»، و»شتي يا دنيا صيصان» وغيرها. جذبه مسرح الطفل لإيمانه بضرورة تغذية خيال وعقول الأطفال بما هو جميل وأصيل.
هو الفنان بالفطرة، والأصيل معدناً وطوية، والذي كتب وغنى من رحم المعاناة اليومية، عرف دربه منذ البدايات، فاختار التخصص الأكاديمي.
دخل معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية وتخرج حاملاً شهادة من قسم التمثيل والإخراج. موهبته جعلت منه فناناً شاملاً. كان له حضور مميز في المسرح، نذكر منه دور الصحافي الذي لعبه في مسرحية «شي فاشل» مع الفنان الراحل زياد الرحباني.
وإلى أناشيده التي التف حولها الناس من المحيط إلى الخليج عن القضية الفلسطينية، فقد كان حاضراً كذلك في السينما ليؤدي أدواراً عن القضية عينها. بعد أدائه دور الصحافي الراحل طلال سلمان في فيلم «ناجي العلي»، أدّى لاحقاً دور وديع حداد في فيلم «كارلوس». وحضوره الأخير في السينما الفلسطينية كان في فيلم «فلسطين 36» وكان ذلك سنة 2025 للمخرجة آن ماري جاسر. وفي السينما اللبنانية حضر في أدوار قصيرة ومؤثرة كثيرة.
في يوم الأرض الذي يصادف اليوم الاثنين سيزدان صوت أحمد قعبور بمزيد من السحر، والإصرار وهو يردد «أناديكم أشد على أياديكم.. وأبوس الأرض تحت اقدامكم.. وأقول أفديكم».
هذه القصيدة التي لحنها وغنّاها في مطلع شبابه، وتزامنت مع انطلاق يوم الأرض الأول في فلسطين المحتلة سنة 1976، باتت ذات رمزية وطنية مُطلقة في دنيا العرب.
في يوم الأرض لن يتمكن سكان قرى الجليل من زيارة قراهم وأراضيهم الممنوعة عنهم، هذا العام نتيجة الوضع العسكري، لكن استعادتها ستبقى هدفاً طالما الحياة تنجب أبطالاً.
خلال تشييعه وعلى مدخل مقبرة الشهداء في بيروت كلّل علم فلسطين نعشه فجأة فارتفع التصفيق تحية وحبّاً وتكريماً له. ولا بد أنه سرى في جسده النحيل دفء لم يشعره في كلمات النعي المنمقة.
