كتب/ عمر الساعدي

«‏جَزَى اللهُ الشَّدَائِدَ كُلَّ خَيْر…» ليست مجرد عبارة، بل خلاصة تجربة تُترجمها الإمارات في كل اختبار.

فحين تشتد الأزمات، لا يبقى من الضجيج سوى الحقيقة، ولا يثبت على الأرض إلا من أعدّ لها جيدًا. ومع الاعتداءات الإيرانية الغاشمة، برزت صورة واضحة: دولة تعرف ماذا تريد، وكيف تحمي نفسها، وكيف تمضي بثبات دون تردد أو انتظار.

وفي قلب هذا المشهد، يبرز حديث الدكتور أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس الدولة، الذي لم يكن توصيفًا عابرًا بقدر ما كان قراءة دقيقة للواقع، حين قال:

«منذ بدء العدوان الإيراني الغاشم، تواصلت الدول الشقيقة والصديقة، فتميّزت المواقف بين من عرض دعماً صادقاً يُقدَّر ويُشكر عليه، ومن اكتفى بالتصريحات دون فعل. الإمارات أثبتت قدرتها على التصدي والصمود، وهي لا تحتاج إلى العدة والعديد بقدر ما تحتاج إلى وضوح المواقف ومعرفة من يُعتمد عليه وقت الشدائد».

هذا الطرح لا يكتفي بوصف المشهد، بل يفتح بابًا واسعًا للتساؤل: هل أصبحت المواقف تُقاس بالبيانات أم بالفعل؟ وهل يكفي التضامن اللفظي في زمن تُختبر فيه السيادة؟ ومن الذي يمكن الاعتماد عليه حين تضيق الخيارات؟

ومن هنا، تتضح خصوصية التجربة الإماراتية؛ فهي لم تكن يومًا على هامش الأحداث، بل في قلبها، حضورًا وفعلًا. منذ عهد الشيخ زايد، ترسخت قاعدة واضحة: التضامن ليس شعارًا، بل عمل يُقاس بالمواقف. واليوم، ومع هذه التحديات، يتجدد هذا النهج بصورة أكثر وضوحًا وصلابة.

وقد عبّر صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان رئيس الدولة “حفظه الله”، عن هذه الحقيقة بثقة مباشرة، حين قال: «الإمارات قدوة… ترى الإمارات جلدها غليظ ولحمتها مُرة… ترانا بنظهر أقوى». كلمات تختصر فلسفة دولة بنت قوتها على الاستعداد، لا على ردود الأفعال.

وهنا يبرز تساؤل مهم يفرض نفسه: لماذا يُستهدف نموذج الإمارات تحديدًا؟ وكيف استطاعت الدولة أن تصل إلى هذه المكانة التي جعلتها محط أنظار العالم، ومحورًا في معادلاته؟ هل هو النجاح الذي تحقق، أم الاستقرار الذي ترسخ، أم القدرة على الجمع بين التنمية والأمن في آنٍ واحد؟

وفي المسار ذاته، جاءت رؤية صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي “رعاه الله”، لتؤسس لمرحلة تنموية غير مسبوقة منذ عام 2006، حيث لم تكتفِ الإمارات بتحقيق النمو، بل أعادت تعريفه. فالتعليم تطور بشكل لافت، وتضاعفت أعداد المدارس والطلبة والمعلمين، وتوسعت المنظومة لتشمل التعليم الرقمي والذكاء الاصطناعي. وفي الصحة، ارتفعت جودة الخدمات بشكل كبير، مع زيادة المنشآت الطبية، وتطور البرامج الوقائية، وصولًا إلى مبادرات علمية متقدمة تعزز جودة الحياة.

هذا التوجه لم يكن عفويًا، بل قائمًا على فهم عميق لأهمية الاستعداد للمستقبل. وهو ما أكده سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية، حين استشهد ببيت المايدي بن ظاهر: «لِي مَا بَنَى بَيْتَ التّقَى قَبْلَ الشَّقَا… وَإِلَّا عَلَى الشَّطَّاتِ مَا وَاحَا لَهَا». فالمعنى واضح: من لا يستعد في وقت الرخاء، لن يصمد في لحظة الشدة.

وانعكاسًا لهذا النهج، رسخت الإمارات موقعها عالميًا في مجالات المستقبل، حيث حلت في المرتبة الثانية عالميًا في قدرات الذكاء الاصطناعي، متقدمة على قوى كبرى، في دلالة واضحة على أن الاستثمار في المعرفة هو الطريق الأقصر للقوة. كما برزت الدولة كمركز متقدم في الصناعات الدفاعية، عبر منظومة متكاملة تقودها مجموعة «إيدج»، لتؤكد أن الأمن لا يُشترى، بل يُبنى.

ولعل هذا ما يفسر قدرتها على حماية سيادتها بكفاءة عالية؛ إذ تصدت منظومات الدفاع الجوي لأكثر من 2000 تهديد جوي صاروخي وطائرات مسيرة خلال الاعتداءات الأخيرة، في مشهد يعكس جاهزية متقدمة وثقة بالقدرات الوطنية. فالإمارات لا تنتظر من يدافع عنها، بل تبني قوتها بوعي واستمرارية.

وفي المقابل، لم يكن هذا الموقف غائبًا عن المجتمع الدولي، حيث تلقى رئيس الدولة أكثر من 100 اتصال هاتفي من قادة العالم، في تعبير واضح عن تضامن دولي يعكس مكانة الإمارات وثقلها في المشهد العالمي.

وإذا كانت الأزمات تكشف الحقائق، فإن هذه الأزمة أكدت أن الإمارات لا تمر بها مرورًا عابرًا، بل تحولها إلى نقطة انطلاق جديدة. فهي ستخرج أقوى على مختلف المستويات، مستفيدة من التجربة، ومقدمة نموذجًا عمليًا في إدارة الأزمات واستشراف المستقبل، حتى أصبحت تجربتها نهجًا يُدرس، لا مجرد حالة تُروى.

وهل حان الوقت لإعادة تعريف مفاهيم الحليف والصديق؟ بين من يقف في الميدان فعلًا، ومن يكتفي بالحضور الشكلي على الورق، بين من يترجم مواقفه إلى أفعال، ومن يختبئ خلف بيانات لا تغيّر واقعًا… أين توضع الثقة؟ وأي فريق يستحق أن يُعتمد عليه في زمن لا يحتمل أنصاف المواقف؟

الإمارات قدّمت إجابة واضحة: البناء، والاستعداد، والعمل. أما البقية… فالأزمات كفيلة بكشفهم.