بدأت تتضح معالم التقدم الإسرائيلي بعد أربعة أسابيع على توسيع العدوان على لبنان.

 

فالتوغّل يجري على أربعة محاور بهدف الوصول إلى الليطاني وإقامة منطقة أمنية عازلة لم يتضح عمقها حتى الساعة. 

 

تكثيف الغارات الحربية على البلدات الجنوبية ولا سيما في أقضية بنت جبيل وصور والنبطية ومرجعيون، وصولاً إلى حاصبيا، إضافة إلى القصف المدفعي على بلدات النسق الثاني والثالث، هدفهما الوصول إلى أبعد نقطة من الحدود وخصوصاً نهر الليطاني.

 

لم يعد خافياً أن الهدف الإسرائيلي هو توسيع المنطقة العازلة التي سبق أن أقامها بالنيران بعد بدء سريان اتفاق وقف النار في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024. فتلك المنطقة امتدت على طول الحدود من الناقورة غرباً إلى شبعاً شرقاً، وخلال 15 شهراً منع جيش الاحتلال معظم سكان بلدات الحافة الأمامية من العودة أو حتى إزالة ركام منازلهم المدمرة.

 

 

كيف يرى “حزب الله” أبعاد التقدّم الإسرائيلي في الجنوب؟

 

 

توغّل إسرائيلي في جنوب لبنان (صورة نشرها أدرعي عبر إكس).

توغّل إسرائيلي في جنوب لبنان (صورة نشرها أدرعي عبر إكس).

 

 

أما اليوم بعد توسيع العدوان، فبات الهدف توسيع هذه المنطقة سواء بالتقدم المباشر أو تثبيت نقاط عسكرية في بلدات تتمتع بمواقع استراتيجية .
ففي القطاع الغربي، تقدم جيش الاحتلال من الناقورة التي كانت بحكم الساقطة عسكريا بعد احتلال تلال اللبونة، ووصل إلى البياضة الساحلية التي تبعد نحو 10 كيلومترات عن صور، بعدما التف من بلدة شمع التي سبق أن دخلها عام 2024 .

 

أما في القطاع الأوسط، فيتكرر السيناريو عينه الذي حاول تنفيذه عام 2024، وقبله خلال عدوان تموز 2006، وسجل التقدم التفافاً على بلدة عيثرون الحدودية وبلغ أعلى تلة في بلدة عيناثا بعد اشتباكات مع المقاومة في المنطقة الفاصلة بين البلدتين، بهدف تشديد الحصار على مدينة بنت جبيل بما لها من رمزية كبيرة منذ التحرير عام 2000.

 

والحال أن حصار بنت جبيل متعدد الجهة وليس فقط من عيناثا، وإنما من مارون الراس ويارون، وصولاً إلى محاور القوزح في اتجاه رشاف والطيري.

 

وفي القطاع الشرقي، تستمر محاولات التقدم من الخيام في اتجاه دير ميماس القريبة من الليطاني، وكذلك من الطيبة ودير سريان القريبة من مجرى النهر، إضافة إلى محاولات للتقدم من وادي السلوقي إلى وادي الحجير في محاولة للسيطرة على القرى النهرية وإعادة التموضع جنوب الليطاني، بما يسمح بمحاصرة المقاومة في بلدات جنوب الليطاني.

 

كل ذلك يترافق مع تكثيف الغارات والقصف المدفعي ومحاولة تثبيت نقاط سيطرة على التلال الحاكمة لعزل القرى والساحل عن العمق اللبناني.

 

دبابات إسرائيلية على الحدود مع لبنان (أ ف ب).

دبابات إسرائيلية على الحدود مع لبنان (أ ف ب).

 

حلال: منطقة عازلة 

يشير العميد المتقاعد بهاء حلال إلى أن التوغل الإسرائيلي داخل جنوب لبنان انتقل من نمط الردع الناري إلى محاولة فرض واقع ميداني مباشر، للسيطرة على الجغرافيا استراتيجيّا، من خلال إنشاء منطقة عازلة عميقة تمتد من الشريط الحدودي حتى تخوم نهر الليطاني، وتقليل الاحتكاك المباشر وإبعاد التهديدات، إضافة إلى السيطرة على العقد الجغرافية مثل وادي الحجير والتلال المشرفة، وهي نقاط تتحكم في الحركة بين الجنوب والداخل”.

 

أما ميدانيا، فيشير حلال إلى أن “التقدم لم يعد محصورا بالحدود، بل وصل إلى عمق قرى سهل مرجعيون ومحيط الطيبة والخيام، والممرات الطبيعية في اتجاه الليطاني. ويعكس التوغل الإسرائيلي داخل جنوب لبنان أيضا تحوّلا من سياسة الاحتواء والردع إلى محاولة فرض واقع ميداني مباشر، عدا عن إدخال وحدات مدفعية إلى داخل الأراضي اللبنانية، بما يدل على أن الجيش لم يعد يكتفي بالقصف عن بعد، بل يسعى إلى تثبيت تموضع ناري داخل الجغرافيا نفسها”.

إذا، الدلالة الأبرز لهذا التوغل هي السعي إلى إنشاء منطقة عازلة فعلية تمتد من الشريط الحدودي حتى تخوم نهر الليطاني، وهو هدف تاريخي متكرر في العقيدة العسكرية الإسرائيلية، وهو ما يعني نقل خط المواجهة شمالا وإبعاد التهديدات عن الحدود المباشرة.

 

ويبدو أن هناك تركيزا على السيطرة على العقد الجغرافية الحيوية مثل وادي الحجير، التي تشكّل ممرا طبيعيا يربط الجنوب بالداخل، إضافة إلى التلال المرتفعة التي تمنح أفضلية في المراقبة والاستهداف المدفعي.

 

ويلفت حلال إلى أن “التوغل تجاوز الخط الحدودي التقليدي، ووصل إلى محيط متقدم لقرى في المحيط الأمامي للطيبة والخيام، مع ضغط متزايد في اتجاه الممرات المؤدية إلى الليطاني، ما يعكس سعيا تدريجيا نحو تثبيت عمق عملياتي، وليس مجرد عملية محدودة زمنياً”.

 

استهداف جسر القاسمية جنوبي لبنان (أ ف ب).

استهداف جسر القاسمية جنوبي لبنان (أ ف ب).

 

قطع طريق الساحل

المحور الغربي (الساحلي): يتركز من بلدة الناقورة إلى البياضة، ومشارف بلدة شمع، للسيطرة على التلال الحاكمة المشرفة على الأوتوستراد الساحلي وقطع الحركة بين الساحل والداخل.

 

المحور الأوسط: محاولات لحصار بنت جبيل بالتقدم من عيثرون إلى عيناثا، والتقدم في اتجاه بلدات رشاف وصربين وبيت ليف، والوصول إلى حداثا بهدف منع خط الإمداد عن بنت جبيل وتثبيت نقاط في تلال حاكمة والوصول إلى برعشيت.

 

المحور الشرقي: الانطلاق من الخيام والطيبة إلى دير سريان ومحيط نهر الليطاني ومرجعيون، وهو الجهد الرئيسي للتوغل نحو مجرى النهر.

 

لكن ذلك التقدم يترافق مع استمرار استهداف المقاومة لتجمعات جيش الاحتلال في أكثر من بلدة، فضلاً عن اشتباكات وصلت إلى مارون الراس للمرة الأولى منذ عام 2024.