لم يمرّ مسلسل «حكاية نرجس» في موسم رمضان 2026 كعمل عادي، بل كواحد من تلك الأعمال التي تترك في المشاهد أثراً يتجاوز الحكاية إلى الأسئلة الثقيلة: كيف يتكوّن الشر؟ وكيف يستطيع إنسان أن يبرّر لنفسه ما لا يُحتمل؟ ولماذا يخرج المتلقي من هذا النوع من الدراما مثقلاً بالخوف، لا من الشخصية وحدها، بل من الطبيعة البشرية نفسها؟ وقد لقي المسلسل تفاعلاً واسعاً، مع إشادات بأداء ريهام عبد الغفور وبالطريقة التي عالج بها العمل واقعة مستوحاة من قصة حقيقية صادمة.

تبدأ قوة العمل من قصته المستوحاة من أحداث حقيقية، والتي تحكي جريمة خطف أطفال، وكذا من نجاح القائمين عليه في الخروج به من المساحة البوليسية الباردة، غائصين داخل جرح نفسي واجتماعي أوسع يتجلى في وصمة العقم، وضغط المجتمع، وتحول الرغبة في الأمومة إلى هوس مدمّر. وهذا ما جعل بعض القراءات النقدية ترى أن المسلسل يحاكم البيئة الاجتماعية التي يمكن أن تدفع شخصية مختلة إلى مزيد من الانهيار، قبل أن يحاكم الجريمة بوصفها فعلاً منفصلاً.

لكن السؤال الأهم ليس: هل نجح المسلسل درامياً؟ بل: ما الذي فعله بنا نحن؟ هنا تتجاوز «حكاية نرجس» كونها جريمة؛ إلى عمل يهزّ يقين المشاهد الأخلاقي. فالشخصية المركزية لم تظهر “وحشاً” خالصاً منذ اللحظة الأولى، بل كإنسانة مكسورة، مأزومة، وممزقة بين حاجة نفسية عميقة وانهيار أخلاقي كامل. وهذه المنطقة الرمادية هي سر الصدمة؛ ذلك أن المشاهد لا يواجه شراً غريباً عنه تماماً، بل شراً يلبس وجهاً بريئاً، ويتكلم بلغة مفهومة، ويجد لنفسه منطقاً يبرره. ومن منظور الطب النفسي، فإن التعرّض المكثف لسرديات العنف قد يهزّ الإحساس الأساسي بالأمان والثقة، وهو ما تؤكده أدبيات الصدمة المعقدة في إرشادات الجمعية الأمريكية لعلم النفس، وما ينسجم مع تصور جوديث هيرمان لتعافي الصدمة بوصفه يبدأ من استعادة الأمان قبل أي شيء آخر.

من هذه الزاوية، يمكن القول إن المسلسل يكشف الشر بالفعل، لكنه لا يكشفه في صورته الساذجة. لا يقول إن الشر دائماً صاخب وواضح، بل يقدّمه بوصفه عملية تدرّج؛ ألمٌ غير معالج، ثم وهم، ثم تبرير، ثم جريمة. وهذه من نقاط قوة العمل؛ لأنه لا يكتفي بإثارة الرعب من الفعل، بل يدفع المتلقي إلى التفكير في الآليات النفسية والاجتماعية التي تجعل الفعل ممكناً أصلاً. وهو ما كانت أشارت إليه ريهام عبد الغفور في تعليق صحافي على المسلسل، من أنها تعاطفت مع الشخصية من دون أن تبرر أفعالها. وفي هذا السياق، يضيء مفهوم «الانفصال الأخلاقي» عند ألبرت باندورا هذه المنطقة تحديداً؛ أي قدرة الإنسان على إعادة بناء الفعل المؤذي ذهنياً ولغوياً بوصفه مقبولاً أو مبرراً، عبر التبرير الأخلاقي، واللغة المخففة، وتشتيت المسؤولية، وتقليل أثر الأذى الواقع على الضحية.

سؤال إنساني

شيء آخر يفعله هذا النوع من الدراما في وعي المشاهد؛ إنه يزرع خوفاً جديداً من الإنسان؛ ذلك أنه يزيل المسافة المريحة الواضحة بين “المجرم” و”الإنسان العادي”. فالمشاهد يخرج من العمل وهو يفكر أن الشر ليس دائماً آتياً من الخارج، ولا من كائن استثنائي مفصول عن البشر، بل قد ينشأ من الحاجة، والحرمان، والهوس، والوصمة، والرغبة في امتلاك معنى للحياة ولو على أنقاض الآخرين. عند هذه النقطة، نتجاوز الخوف من “نرجس”، إلى فكرة قابلية الإنسان، أي إنسان، للتشوّه حين يجد لنفسه المبرر. وهذا المعنى يجد ما يعضده في أعمال بيسِل فان دير كولك حول أثر الصدمة، إذ يبين كيف يمكن للتعرّض المكثف لمواد العنف والضغط النفسي أن يعيد تشكيل الإحساس بالخطر واليقظة والتهديد، حتى لدى من لا يكونون ضحايا مباشرين للعنف نفسه.

ومع ذلك، لا ينبغي الخلط بين كشف الشر وتطبيعه، فبعض الأعمال تستخدم القسوة كفرجة، فتُنهك المشاهد أو تُبلّد حساسيته، أما «حكاية نرجس»، بحسب كثير من النقاد، فقد اكتسب تأثيره من الصدمة التي تحولت إلى سؤال إنساني عميق؛ كيف تتقاطع المأساة الشخصية مع المسؤولية الأخلاقية؟ وكيف يمكن لمجتمع قاسٍ في أحكامه أن يشارك، بصورة غير مباشرة، في صناعة انحراف لا يُغتفر؟ وإكلينيكياً، فإن هذا التفريق مهم أيضاً، لأن أدبيات علم النفس تشير إلى أن التعرّض المتكرر لمشاهد العنف قد يقود بعض المتلقين إلى التبلد أو التخدّر العاطفي، بحيث تتحول القسوة من موضوع للتفكير إلى مشهد معتاد؛ وهو ما حذرت منه كذلك جمعية علم النفس الأمريكية عند حديثها عن آثار العنف في الوسائط.

إجابة السؤال

لهذا تبدو الإجابة الأدق عن السؤال؛ الدراما هنا تفعل الأمرين معاً.. إنها تكشف الشر، نعم، لأنها تفضح منطقه الداخلي، وتبيّن كيف يتخفّى في صورة حقّ شخصي أو ضرورة نفسية أو مأساة تستدرّ التعاطف. لكنها في الوقت نفسه تزرع فينا خوفاً جديداً من الإنسان، لأنها تذكّرنا بأن الانحدار الأخلاقي قد لا يبدأ من كراهية صريحة، بل من جرحٍ لم يُعالج، ووهمٍ لم يُكبح، وسردية داخلية ناجحة في تبرير المستحيل. وتلك هي المسافة التي تجعل من هذا النوع من الدراما مادةً لا للمتابعة وحدها، بل للتفكير أيضاً: إذ لا يعرض الشر بوصفه شذوذاً بعيداً، بل بوصفه قابليةً بشريةً يمكن أن تنمو حين تجد ألماً خصباً، وخيالاً مضطرباً، وتبريراً كافياً.

وهنا تكمن قيمة مسلسل «حكاية نرجس»؛ في أنه لا يمنح المشاهد راحة الإدانة السهلة، بل يتركه حائراً أمام قدرة الإنسان المروّعة على أن يحمل الشر في قلبه من دون أن يرفّ له جفن.