الشارقة 24:
اختتمت الدورة الخامسة والثلاثين من “أيام الشارقة المسرحية”، أمس الأحد، فعاليات الملتقى الفكري المصاحب، الذي أقيم تحت عنوان “الهوية البصرية للمخرج المسرحي بين الثبات والتحول”.
البصمة الشخصية للمخرج
وشهد اليوم الختامي للملتقى، جلستين، شارك في الأولى كل من: الدكتور زياد عدوان (سوريا) بورقة بحثية بعنوان: “البصمة الشخصية للمخرج: قراءة في تجربة الفرنسي فيليب جانتي”، والدكتور حسام المسعدي (تونس) بورقة: “الثابت والمتحول في تجربة المخرج التونسي توفيق الجبالي”.
أما الجلسة الثانية، فقد قُدمت فيها ورقتان؛ الأولى للدكتور محمد الكشو – وقرأها نيابة عنه منير العرقي – وحملت عنوان: “النمط الإخراجي في تجربة الفنان التونسي منير العرقي”، والثانية لعلاء رشيدي (سوريا) بعنوان: “الهوية البصرية في تجربة فرقة مسرح كون السورية”.
توظيف الفضاءات المجردة
وتناول عدوان، تجربة الفرنسي فيليب جانتي التي تنتمي إلى مسرح الصورة، وتنطلق من سياق فكري وفني يشهد أزمة في مفاهيم الهوية واللغة في العصر الحديث، ما دفع المسرح إلى السؤال عن أدواته التقليدية والبحث عن أشكال تعبير جديدة تتجاوز النص والحبكة.
وقدم المتحدث، نموذجاً متقدماً لهذا التحول عند جانتي يعتمد على الدمى، ومسرحة الأشياء، وتوظيف الفضاءات المجردة، ليخلق عالماً بصرياً قائماً بذاته، قابلاً للفهم عالمياً دون الحاجة إلى ترجمة ثقافية، في هذا المسرح، كما أكد د. عدوان، لا يكون “البصري” مجرد عنصر جمالي، بل لغة أساسية تخاطب الحواس واللاوعي، متأثرة بأفكار أنطونين آرتو ومفهوم “المسرح ما بعد الدرامي”.
وأوضح د. عدوان، أن عروض جانتي تنطلق من الصورة لا النص، كما تبنى عبر التجريب في البروفات، وتتحول المواد اليومية إلى عناصر فاعلة أو “شخصيات”.
ويعيد جانتي – كما أوضحت ورقة عدوان – تعريف مفاهيم الشخصية والفعل والهوية، حيث خلص الباحث السوري، إلى أن الهوية البصرية لجانتي “ثابتة” في منهجها (مسرح الصورة/ ما بعد الدراما)، لكنها “تحولية” في مفرداتها (المواد/ الأجساد/ الفضاء).
الثبات هو التحول
أما حسام المسعدي، فطرح سؤالاً في ورقته التي خصصها لدراسة تجربة المخرج التونسي توفيق الجبالي، عن الكيفية التي تتشكل بها الهوية البصرية للمخرج المسرحي، مشيراً إلى أنه لاحظ من خلال دراسته لتجربة الجبالي أنها تعتمد ثلاث ثنائيات تحليلية: الاختلاف والتكرار، البسيط والمركب، والمركز والهامش.
في ثنائية الاختلاف والتكرار – على سبيل المثال – تبرز تجربة الجبالي كما أكد المسعدي، بوصفها ممارسة قائمة على “تكرار ينتج الاختلاف”، حيث لا يعيد المخرج نفسه، بل يعيد مساءلة أدواته، فكل عرض لديه حدث فريد مرتبط بزمانه ومكانه، ما يجعل الهوية الإخراجية مؤقتة ومتحولة، ويتجلى ذلك في انتقال الجبالي المستمر بين مشاريع متباينة، ورفضه الاستقرار عند نجاح معين، كما في مفارقته بين “كلام الليل” وأعمال أخرى صادمة مثل “فهمتلا”.
ثنائية البسيط والمركب
وأضاف المسعدي، من جهة ثانية، تظهر ثنائية (البسيط والمركب)، في قدرة الجبالي على الاشتغال على الحدّ الأدنى والحدّ الأقصى من العناصر المسرحية، ففي “فهمتلا” يوظف الصمت والتقشف ليخلق دلالات عميقة، بينما في “المجنون” ينفتح على التعدد الوسائطي والتشظي البنيوي، عبر دمج الفنون وتفكيك السرد التقليدي.
وخلص المسعدي، إلى أن الهوية المسرحية عند المخرج توفيق الجبالي، تتحقق عبر الترحال بين الفضاءات الجمالية؛ فهو مخرج لا يطبع مع الأجوبة الجاهزة، بل يجعل من “المتحور والمتغير” هويةً بصريةً ثابتة.
قراءة تحليلية لنمطية الإخراج
بدوره، قدم د. محمد الكشو، قراءة تحليلية لنمطية الإخراج عند التونسي منير العرقي من خلال مقارنة لعرضين مفصليين في تجربته، “القبلة” و”مايراوش”، وكشفت القراءة عن تحولات رؤية منير العرقي الإخراجية، ففي “القبلة” يهيمن البعد الفردي، ويظهر الفضاء واسعاً والحركة محدودة، والمسافات بين الشخصيات كبيرة، أما في مسرحية “مايراوش”، فيصنع نموذجاً مغايراً يقوم على الجماعة والتيه، وفضاء العرض يصبح مكتظاً، كما تتقلص المسافات بين الأجساد دون أن ينتج عن ذلك تواصل حقيقي.
منظومة من العلامات البصرية والصوتية
وناقش علاء رشيدي، مفهوم الهوية البصرية في المسرح، ضمن إطار سيمولوجي، ممثلاً لذلك بتجارب فرقة “كون” السورية، ومؤسسها الممثل والمخرج المسرحي أسامة حلال، وانطلقت الورقة من فكرة أساسية مفادها أن العرض المسرحي يعد منظومة من العلامات البصرية والصوتية التي يتفاعل معها المتلقي ويؤولها، بحيث يصبح الجمهور شريكاً أساسياً في إنتاج المعنى.
محاور أساسية تسهم في تشكيل الهوية البصرية
وناقش رشيدي، عدة محاور أساسية تسهم في تشكيل الهوية البصرية، أبرزها: المكان (خاصة مسرح الشارع)، والفضاء المسرحي، والتشكيلات الحركية، والغرض المسرحي، والأداءات والفنون الشعبية، وبين كيف تتغير دلالات هذه العناصر حسب توظيفها، واختتم بقوله: الهوية البصرية ليست عنصراً جمالياً فقط، بل أداة فكرية وجمالية تسهم في بناء الخطاب المسرحي وإيصال معانيه بعمق وتأثير.
وفي ختام الملتقى، شكر أحمد بورحيمة، مدير “الأيام”، المشاركين وقدم لهم شهادات تقديرية.
