ليس سهلاً أن تدخل شمس الملا إلى كادر الكاميرا من دون أن يسبقها اسم والدها المخرج الراحل بسام الملا. في لحظة الظهور الأولى، يكون الإرث حاضراً كظلّ ثقيل، لا يُرى دائماً، لكنه يُقرأ في كل تفصيل. هكذا تبدو تجربتها، أقرب إلى اختبار دائم: كيف يمكن للابنة أن تعبّر، لا أن تُعرَّف؟ التقت “النهار” شمس في كواليس تصوير مسلسل “سعادة المجنون”، حيث وقفت أمام الكاميرا بحرفية وكثير من التماسك بشخصية “جنى”، في ما هو أبعد من أداء مجرد دور. ثمة محاولة مستمرة لإعادة تموضع، لتحديد مسافة واضحة، بين ما ورثته وما تريد أن تكونه.
لا تنكر الفنانة والمؤثرة الشابة أن تكوينها الأول موزّع بين عالمين. من جهة، أمّ مصممة أزياء، تركت في علاقتها بالأقمشة أثراً يكاد يكون غريزياً، حتى تصفه بما يشبه “الشفرة الوراثية”. ومن جهة أخرى، الأب المخرج الذي لم يكن مجرد مرجعية عائلية، بل نظاماً كاملاً من الصرامة المهنية. بين الاثنين، أكّدت شمس انقسامها المتوازن: “نصف هذا ونصف ذاك”.
في سرد بداياتها الفنية، تسقط فكرة الامتياز تلقائياً. لا مكان لـ”الواسطة” هنا، تقولها بنبرة لا دفاعية، بل هجومية. كأنها تحاول تفكيك سردية جاهزة أكثر مما تروي حكايتها الخاصة. في “باب الحارة”، لم تكن الابنة المدلّلة، بل ممثلة في اختبار علني، تُترك لتواجه الكاميرا من دون شبكة أمان. حتى حضور الأب في الموقع لم يكن تدخلاً بقدر ما كان مراقبة صامتة. قاعدة واحدة كانت تحكم: “الأداء أولاً”.
من هنا، تتضح صورة الأب كما استقرّت في وعيها: “مخرج لا يساوم على المشهد، يعيد اللقطة مراراً، لا لأن التقنية ناقصة، بل لأن الشعور لم يبلغ ذروته بعد. لم تكن الكاميرا، في قاموسه، سوى أداة، فيما الجوهر يكمن في صدق اللحظة”. تلك الفكرة، على بساطتها الظاهرة، تبدو اليوم من أكثر ما تحمله شمس معها، كأنها معيار خفي تقيس به كل تجربة لاحقة.
وفي “سعادة المجنون”، لا تنفصل التجربة عن سياقها الإنساني. الإقامة المشتركة في بيروت، والتقارب خارج أوقات التصوير، يخلقان مناخاً أقرب إلى ما يشبه العائلة المؤقتة مع فريق العمل. داخل هذا الفضاء، تعترف شمس برهبتها الأولى أمام النجم عابد فهد، تلك الرهبة التي سرعان ما تتبدد مع التكرار، لتتحول إلى تمرين على الحضور. أما تعاونها مع المخرج سيف الدين سبيعي، فتقرأه كفرصة تعلّم.
.jpeg)
شمس الملا وعابد فهد (سعادة المجنون)
بعيداً عن الكاميرا، يلاحقها سؤال “الجرأة”، بوصفه حكماً جاهزاً أكثر منه توصيفاً دقيقاً. في البداية، كان السؤال مزعجاً، قبل أن يتحول إلى مادة للتفكير. بالنسبة إليها، لا وجود لتعريف ثابت للجرأة، بل شبكة معايير متحركة، تختلف من شخص إلى آخر. من هنا، يأتي رفضها للأحكام السطحية، وخصوصاً تلك التي تُبنى على المظهر.
في هذا السياق، لا تتردد في الإشارة إلى مسافة لا تزال قائمة بين بعض الرجال والمرأة الواثقة. مسافة تُقرأ أحياناً كحذر، وأحياناً كنفور. لكنها، في الحالتين، لا تغيّر من موقعها. الثقة بالنفس، كما تقول، ليست خياراً تفاوضياً، بل شرطاً أولياً للاستمرار.
هكذا تمضي شمس الملا في مسار يبدو، حتى الآن، مفتوحاً على احتمالاته. لا تحاول إنكار الإرث، ولا الاستسلام له. تقف في تلك المنطقة الدقيقة بين الاعتراف والتجاوز، حيث لا يكون الهدف الهروب من الاسم، بل إعادة تعريفه، ببطء، وبالإنجاز بين التمثيل وصناعة المحتوى، إذ لا ترى تعارضاً بينهما.
.jpg)
شمس الملا (إنستغرام)
