لم يكن المشهد مألوفًا في المسرح الوطني في بيروت. الروح مختلفة تمامًا: أطفال وأمهات، ووجوه تكشف عمّا في الداخل. معظمهم من النازحين، وقد أصبح المسرح بيتهم الثاني.
قبل بدء العرض، حضرت روح الراحل أحمد قعبور في المكان، مع أغنية “أناديكم”، التي بدت كأنها تمهّد لكلّ ما سيُقال على الخشبة. كانت هذه المرة الأولى التي أشاهد فيها عرضًا لأبطال لا أعرفهم، وربما لهذا بدا كلّ شيء حقيقياً إلى هذا الحد. في مسرحية “راجعين”، لم يكونوا مجرد ممثلين، بل نازحين أيضًا، يصعدون الخشبة ليؤدوا ما يعيشونه بالفعل. أعمار مختلفة، ووجوه تحمل تعابيرها الصادقة دون أي تصنّع.

بدأت الحكاية مع الحرب، حين تحوّلت المسارح إلى بيوت للنازحين. في المسرح الوطني، انطلقت ورش تدريبية جمعت شبابًا من الجنوب والضاحية والبقاع، ليحوّلوا تجاربهم إلى فن مسرحي. هكذا وُلدت مسرحية “راجعين”، التي قُدّمت في اليوم العالمي للمسرح… حكاية يرويها من عاشها.

من عرض مسرحية

من عرض مسرحية

 

“المسرح هو نبضنا وصوتنا، ومساحة للحرية؛ يداوي الجرح ويمنحنا القدرة على التعبير عن غضبنا ومواجهة الحرب بالفن”، وفق ما يقول مؤسس المسرح الوطني اللبناني، قاسم إسطنبولي، لـ”النهار”، “المسرح لا يموت، بل يبقى إلى جانب الناس في كل الظروف، خصوصاً في الحرب، حيث يقدم الإيواء والفن من خلال العروض اليومية، فهذه الخشبة هي ملكهم. فما قيمة المسرح إذا كان مقفلًا؟”

المسرحية لم تقتصر على التعبير عن خسارة الأفراد، بل شملت أيضاً تحية كبيرة للمناضلين والشهداء، خصوصًا الصحافيين والمسعفين، في مواجهة حرب “لا ترحم”، مؤكّدة أنّ المسرح يبقى صوتًا حيّاً في وجه الألم.

وبقلب صادق، قال إسطنبولي إن الحرب ليست أرقامًا، بل قصص إنسانية عن نزوح وتضامن ومقاومة، معتبرًا أنّ “الحب مقاومة والمسرح ثورة”، وهو ما تجلّى على الخشبة من خلال طاقة الشباب وإصرارهم على الحرية.

 مؤسس المسرح الوطني اللبناني، قاسم اسطنبولي

مؤسس المسرح الوطني اللبناني، قاسم اسطنبولي

اليوم، أصبح المسرح أكثر من مجرد عرض فني؛ صار بيتاً يجمع عائلات من لبنان وفلسطين وسوريا وإثيوبيا وبنغلادش والكونغو وفرنسا… دليل على أنّه يوحّد ويكسر كل القيود. المسرح ملك الناس، ووجود الجمهور يمنحه الحياة والحب والأمل.

حديثنا مع المشاركين من النازحين كان مليئًا بالحياة والحماس: زينب لم تتمالك دموعها عند انتهاء العرض، وقالت إن الوقوف على الخشبة أعاد إليها الأمل رغم الحزن. أما هادي، فقد عبّر عن الواقع الذي يعيشونه على المسرح، وأضاف أنّ الفكرة الأساسية للمسرحية وُلدت خلال تمرينين فقط، لكن الإحساس كان صادقاً وقوياً.

الكثير من النازحين وجدوا في المسرح أكثر من مجرد عرض؛ اكتشفوا أنّه مساحة للتعارف، للتعبير، ولإعادة بناء شعور بالوطن والانتماء.

من عرض مسرحية

من عرض مسرحية

 

عند انتهاء العرض، كان التصفيق حاراً، ودموع البعض سخية، مستذكرين ما فقدوه. اليوم، خشبة المسرح والمقاعد كتبت قصة جديدة وغصة أخرى، بين سكان جدد؛ منهم من اكتشف مواهبه على هذه الرقعة، ومنهم من كانت التجربة علاجًا، بدل أن يفرغ مشاعره على من يحبّ بطريقة خاطئة.