كجسر يربط بين أصالة الموروث وعنفوان الحداثة، ينهض البرنامج الوطني لمنح الثقافة والإبداع، محولاً الأفكار الحالمة إلى مشروعات حية تنبض في وجدان المشهد الثقافي الإماراتي.

ومع إعلان وزارة الثقافة عن قائمة المستفيدين من دورته الرابعة، التي ضمّت 41 مبدعاً في شتى صنوف المعرفة والفنون، لم يكن الأمر مجرد مِنح مادية، بل كان تمكيناً لروح مبدعة، استطاعت أن تحقق قفزة نوعية بنمو بلغ 77.6 % في حجم الإقبال، مؤكدةً أن الاستثمار في الإنسان المبدع، هو الرهان الأسمى لبناء اقتصاد معرفي مستدام.

وفي هذا التقرير، تستطلع «البيان» آراء نخبة من المبدعين الذين رأوا في المنحة رافداً معنوياً، قبل أن يكون مادياً، من باحثين يقتفون أثر القوافي في دواوين الشعر النبطي.

وسينمائيين يوثقون ذاكرة الأرض عبر عدساتهم، إلى فنانين يحوّلون الرمل والوقت إلى لغة بصرية وعالمية، ومطورين يطوّعون الواقع المعزز لصون التراث الإماراتي. إنهم حراس الهوية وصنّاع الجمال، الذين يسردون حكاية الإمارات بلغة عصرية، تصل إلى أقاصي المعمورة، متسلحين بدعم مؤسسي يفتح أمامهم آفاق العالمية.

جمع وتحقيق

وأكد الباحث في التراث الشعبي فهد علي المعمري، في حديثه لـ «البيان»، أن مشروعه البحثي الجديد المتمثل في جمع وتحقيق ديوان «درّ الحصابي» للشاعر حميد بن ذيبان، يأتي في إطار السعي لتوثيق نتاج أحد أبرز شعراء المرحلة الذهبية للشعر النبطي في دولة الإمارات، موضحاً أن طبيعة المشروع تقوم على استقصاء النصوص الشعرية المتفرقة وتحقيقها علمياً، مع توثيقها ضمن سياقها التاريخي والاجتماعي.

وأشار المعمري إلى أن اختياره هذا العمل ينبع من إيمانه العميق بأن التوثيق الثقافي هو حجر الأساس في صون الهوية الوطنية، معتبراً الشعر النبطي سجلاً حياً لذاكرة المجتمع الإماراتي، بما يحمله من قيم وعادات.

وعن شغفه بمجال التأليف والنشر، لفت الباحث إلى أن سر انجذابه إلى هذا القطاع، يكمن في قدرته على تحويل المعرفة من حالتها الشفوية المتناثرة، إلى منجز مكتوب ومستدام، يضمن العبور بين الأجيال وحفظ ملامح التراث المادي وغير المادي.

وأشاد بالأثر الإيجابي للبرنامج الوطني لمنح الثقافة والإبداع، الذي أطلقته وزارة الثقافة، الذي رأى أنه شكَّل رافداً مهماً لدعم مشروعه، مبيناً أن البرنامج قدّم تمكيناً معنوياً عزز ثقته بقيمة منجزه، إلى جانب الدعم المادي والتنظيمي الذي أتاح له التفرغ النسبي للعمل البحثي، وفق أسس علمية رصينة.

وأضاف أن البرنامج نجح في خلق بيئة محفزة للإبداع، عبر تقدير الجهود الفردية، وتحويلها إلى مشاريع ثقافية مؤثرة، ما انعكس بشكل مباشر على جودة ودقة وعمق العمل التوثيقي، مؤكداً أن البرنامج يسهم في بناء منظومة ثقافية مستدامة، تحتضن المبدعين، وتدفعهم نحو إنتاج معرفي نوعي.

وحول قراءته لواقع حركة النشر في الدولة، أفاد المعمري بأنها تشهد تطوراً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، من حيث تنوع الموضوعات وجودة الإخراج، منوهاً بدور المؤسسات الثقافية الرسمية والفعاليات الكبرى، مثل معارض الكتب، في تعزيز هذا الحراك، وجعل الكتاب الإماراتي حاضراً في المشهدين العربي والدولي.

واختتم الباحث بالإشارة إلى وجود حاجة مستمرة إلى تعميق المحتوى المعرفي المتخصص، لا سيما في مجالات التراث والبحث العلمي، معرباً عن تفاؤله بجيل الكتَّاب الجدد الذين يمتلكون أدوات واعدة، ووعياً تقنياً عالياً، مؤكداً قدرتهم على سد الفجوة المعرفية، وإنتاج معرفة أصيلة، تعكس خصوصية التجربة الإماراتية، وتواكب المعايير العالمية، حال توفر البيئة الداعمة والتوجيه العلمي المناسب.

بُعد بصري

محمد حسن

محمد حسن

وأكد السيناريست محمد حسن أحمد أن الفيلم الوثائقي يمثل أداة جوهرية لتوثيق المراحل التاريخية والتحولات الاجتماعية في دولة الإمارات، مشيراً إلى أن السينما التسجيلية تمنح الإنجازات الوطنية بعداً بصرياً، يختلف في تأثيره وعمقه عن الكتب والبرامج التلفزيونية التقليدية.

وأوضح، خلال حديثه عن مشروعه السينمائي الجديد الحاصل على منحة وزارة الثقافة، أن العمل يركز على تتبع أثر اللهجة الإماراتية وعلاقتها بالحركة البشرية والبيئية على مدار القرن الماضي.

لافتاً إلى أن اللهجة ليست مجرد وسيلة تواصل، بل هي وعاء للمشاعر الإنسانية، من حب وحزن وفرح، وتعبير حي عن أنشطة البيع والشراء والأهازيج الشعبية، وأن المشروع يسعى لتوثيق العناصر الثقافية غير المادية للدولة.

وفي سياق حديثه عن تفاصيل العمل، ذكر السيناريست الإماراتي أن اللهجة في الإمارات شهدت تطوراً ملموساً، بتغير المهن ونمط الحياة، مؤكداً وجود فروق دقيقة في المفردات والمصطلحات تمليها الجغرافيا المتنوعة بين الساحل، والجبل، والصحراء، والمدينة.

وكشف أن الفيلم حالياً في مرحلة البحث والكتابة، وأنه من المقرر انطلاق عمليات التصوير في شهر سبتمبر المقبل، مبيناً أن العمل سيعتمد على شخصيات واقعية، لرصد التاريخ الشفهي والمكاني.

وحول دعم الحراك الثقافي، أشاد محمد حسن أحمد بالدور الذي تنهض به المنح الثقافية، موضحاً أن منحة الوزارة تمثل دعماً حيوياً لتغطية التكاليف الإنتاجية العالية للأفلام، بما تشمله من طواقم فنية ومعدات متطورة.

وشدد على أن الهدف الأسمى من هذه الأعمال، هو تقديم السردية الإماراتية للعالمية، وضمان حفظها للأجيال القادمة، كشاهد على تطور الإنسان الإماراتي في مراحل ما قبل النفط وما بعده.

واختتم حديثه بالإشارة إلى أن الطموح لا يتوقف عند العرض المحلي، بل يسعى صناع الأفلام الإماراتيون إلى تعزيز حضور الهوية الوطنية في المحافل الدولية، مستشهداً بالمشاركات السابقة في مهرجانات عالمية كبرى، مثل «مهرجان برلين السينمائي»، معتبراً أن السرد البصري هو الجسر الأقوى لتعريف الآخر بحقيقة ومصداقية المكان والإنسان في الإمارات.

إرث الأجداد

فاطمة السويدي

فاطمة السويدي

وأكدت الكاتبة فاطمة سالم السويدي أن مشروعها القصصي الذي يحمل عنوان «إرث الأجداد»، يأتي استجابةً لضرورة توثيق التراث الإماراتي بأسلوب تعليمي وتربوي مبتكر، موضحةً أن المشروع عبارة عن سلسلة موجهة للأطفال، تهدف إلى تقديم الموروث الشعبي بطريقة مبسطة وجذابة، تتناسب مع مداركهم العمرية.

وكشفت السويدي أن السلسلة تتناول جوانب جوهرية من الهوية الإماراتية، تشمل المهن والحرف التقليدية، والألعاب الشعبية، والعمارة التاريخية، كالقلاع والحصون، إضافة إلى الأزياء التراثية، مشيرةً إلى إدراج كتيب أنشطة تفاعلية ضمن السلسلة، لتعزيز مهارات التفكير والإبداع لدى الطفل.

وعن سبب اختيارها هذا المجال، أعربت الكاتبة عن إيمانها بأن التراث يجب ألَّا يظل حبيس الكتب أو المناسبات الموسمية، بل لا بد أن يصل إلى الطفل، كجزء حي من حياته اليومية، مبينةً أن انجذابها لهذا القطاع، ينبع من قناعتها بأن التراث هو ذاكرة المجتمع وروحه، وأن تقديمه بصورة بصرية ولغوية جميلة، يعزز قيم الانتماء والوعي الوطني منذ الصغر.

وأثنت السويدي على دور البرنامج الوطني لمنح الثقافة والإبداع الذي أطلقته وزارة الثقافة، مؤكدةً أنه شكَّل دعماً أساسياً لنقل فكرتها من حيز التصور إلى التنفيذ الفعلي. وأوضحت أن هذا الدعم سيسهم في خروج السلسلة بجودة عالية، بدءاً من المراجعة اللغوية والتربوية، وصولاً إلى الرسومات الأصلية والطباعة والترويج.

ونوهت بأن أثر هذه المنح يتجاوز المشروعات الفردية، ليصب في مصلحة المحتوى الثقافي الإماراتي الموجَّه للطفل، ما يمنح المبدع المحلي الثقة للاستمرار في تقديم مشاريع تجمع بين الهوية والرؤية الحديثة.

وحول مستقبل التراث في ظل التسارع التقني، أعربت فاطمة السويدي عن تفاؤلها بمستقبل واعد، إذا ما أُحسن توظيف الأدوات الرقمية لخدمة الموروث، دون المساس بأصالته، داعيةً إلى عدم النظر إلى الرقمنة كتهديد، بل كفرصة لإعادة تقديم التراث عبر الوسائط البصرية والسمعية والتطبيقات التفاعلية.

واختتمت حديثها بالتشديد على ضرورة بقاء الحكايات الشعبية جزءاً من الوعي اليومي للأجيال القادمة، عبر تقديمها بلغة عصرية، وحضور مستمر في البيت والمدرسة والمنصات الرقمية، لتتحول الحكاية من قصة من الماضي، إلى سلوك وانتماء في وجدان الطفل.

لغة رقمية

خالد السويدي

خالد السويدي

وأكد مطور الألعاب خالد أحمد السويدي، أن صناعة الألعاب الرقمية باتت اليوم واحدة من أكثر الصناعات تأثيراً في المشهد العالمي، واصفاً إياها بأنها «لغة رقمية عالمية»، يتفاعل معها الجيل الجديد بشكل يومي ومستمر.

وأوضح السويدي أن توجهه للعمل في هذا المجال، ينبع من إيمانه العميق بضرورة استلهام محتوى الألعاب من الثقافة الإماراتية، وقيم المجتمع والسنع الأصيل، مشيراً إلى أن الهدف هو إبراز الهوية الوطنية، وتقديمها بأسلوب عصري يمزج بين الترفيه والمعرفة، مستفيداً من التقنيات الحديثة للوصول إلى الأجيال الجديدة داخل الدولة وخارجها.

واستشهد بمشروعات الألعاب الثقافية التفاعلية التي يعمل عليها، ومن أبرزها لعبة «المندوس»، التي تعتمد على بطاقات تعليمية مدعومة بتقنية الواقع المعزز (AR)، مبيناً أن التجربة تسعى لتحويل عناصر التراث الإماراتي إلى واقع رقمي تفاعلي، يجمع بين متعة اللعب وقيمة التعلم.

وثمّن دور البرنامج الوطني لمنح الثقافة والإبداع، الذي أطلقته وزارة الثقافة، مؤكداً أنه خطوة جوهرية لدعم المشروعات الثقافية، وتمكين المبدعين من تحويل أفكارهم إلى مشروعات ذات أثر ثقافي واقتصادي ملموس.

ولفت إلى أن هذه المبادرات تجسد رؤية دولة الإمارات في الاستثمار في الاقتصاد المعرفي، وتعزيز الصناعات الإبداعية، كأحد المحركات الرئيسة للتنمية المستقبلية.

وشدد على أن الألعاب لم تعد مجرد وسيلة للترفيه، بل تحولت إلى منصة ثقافية وسياحية قادرة على نقل قصة الدول وهويتها بطريقة تفاعلية مؤثرة، واصفاً هذا القطاع بأنه إحدى أدوات القوة الناعمة التي تسهم في تعزيز الحضور العالمي للدولة.

واختتم السويدي حديثه بالإشارة إلى أن رؤيته تتركز على الإسهام في إنتاج محتوى رقمي، يعكس الثقافة الإماراتية عالمياً، مؤكداً أن هذا القطاع يمتلك المقومات الكافية ليكون رافداً مهماً للاقتصاد الإبداعي في الإمارات.

رحلة استكشافية

وأكدت الفنانة التشكيلية ميثاء رشيد العميرة، أن مشروعها الفني في مجال الفنون البصرية، الذي انطلق منذ أكثر من عامين، يمثل رحلة استكشافية عميقة لكيفية إدراك الوقت، من خلال مراقبة الطبيعة والتحولات الموسمية، موضحةً أن المشروع سيتجسد في معرض فني وإصدار كتاب، يرتكزان على التأمل الدقيق في الطابع الدوري والمتكرر للبيئة.

وفي سياق حديثها عن تطور العمل، أشارت ميثاء إلى أن فصول السنة، وخاصة فصل الصيف، تؤدي دوراً محورياً في توثيق الزمن، وتحويله إلى قوالب فنية تقترح طرقاً بديلة لتجربة الوقت.

مشيرةً أنها اختارت التركيز على هذا المشروع تحديداً، لأن موضوع الزمن يحتاج بحد ذاته إلى وقت كافٍ لينضج، مؤكدةً أن العملية الفنية والبحثية، تطلبت مساحة للنمو والتطور منذ بدايتها.

وثمّنت دور البرنامج الوطني للمنح الثقافية والإبداعية في تمكينها من تخصيص الموارد اللازمة، لافتةً إلى أن المنحة تفتح آفاقاً للتعاون مع باحثين ومتخصصين لتوسيع نطاق المشروع. وبينت أن هدفها لا يتوقف عند إنتاج أعمال فنية فحسب، بل يمتد إلى دعوة الجمهور للتأمل في علاقتنا بالزمن من خلال الطبيعة.

وأشادت العميرة بالتأثير القيّم لبرنامج المنح الوطنية، واصفةً إياه بأنه محرك أساسي، يوفر الدعم والتشجيع لمتابعة المشاريع الفنية بعمق أكبر. كما اعتبرت أن مثل هذه المبادرات، هي تذكير قوي بالدعم الذي يحظى به المبدعون في دولة الإمارات، وهي ضرورة لتعزيز المشهد الثقافي الوطني، وتمكين الفنانين للإسهام في نمو المجتمع الإبداعي على المدى الطويل.

أصالة وعالمية

طه طالب العجمي

طه طالب العجمي

وأكد الفنان الموسيقي طه طالب العجمي، أن فكرة مشروعه الموسيقي الجديد، الذي يتمثل في موسيقى من الإمارات للعالم، تهدف إلى إبراز قيم التعايش والتلاحم بين مختلف الجنسيات والأديان المقيمة على أرض دولة الإمارات، وصبّها في قالب موسيقي عالمي، يتميز بالطابع الإماراتي الأصيل.

موضحاً أن اختياره وقع على هذا المشروع تحديداً، لكونه يركز على نقاط جوهرية، أهمها الاحتكاك الثقافي، والتعرف إلى تراث الآخرين، والامتزاج بالروح والألحان الإماراتية.

وأشار العجمي إلى أن مسيرته في المجال الموسيقي التي بدأها منذ سن مبكرة، حيث أصدر أول ألبوم له عام 1994، وعمل في الموسيقى العسكرية، وشارك في أكثر من 60 فيلماً طويلاً وقصيراً، حاز بعضها جوائز عالمية، مثل فيلم «سبيل»، فضلاً عن كونه عضواً في «الأوسكار» للأفلام الأجنبية في إحدى السنوات.

وعن سبل الوصول إلى العالمية، أوضح الفنان أن العالمية هي ثمرة الشهرة، وأن المادة الموسيقية متى لاقت رواجاً واسعاً واستساغها الناس حول العالم، فإنها تصل إلى العالمية تلقائياً، مثل الموسيقى الكلاسيكية، لافتاً إلى أنه يسعى لإنجاز مشروعه في أقرب وقت ممكن، ليواكب آخر ما توصل إليه المجال الموسيقي، وليتناسب مع الحقبة الزمنية الحالية.

وبيّن العجمي أن التأليف والتوزيع الموسيقي للمشروع، يقع على عاتقه بشكل فردي، مع الاستعانة لاحقاً بمجموعة من العازفين المحترفين للتنفيذ، مؤكداً أهمية المنحة المقدمة من وزارة الثقافة، التي تمثلت في الدعم المعنوي الكبير لاختيار فكرته، وكذلك الدعم المادي الضروري لإنجاز العمل، ضمن برنامج وطني يسعى لنشر الإبداع الإماراتي عالمياً.

وفي ما يخص مستقبل الموسيقى الإماراتية، أكد العجمي ضرورة مواكبة التطور التكنولوجي والذكاء الاصطناعي، معتبراً أن التقنيات الحديثة يجب أن تكون أداة بيد المبدع، يسيطر عليها، ويسخّرها لخدمة فنه، وليست بديلاً عنه أو مسيطراً عليه.

واختتم الفنان طه طالب العجمي حديثه، بالإشارة إلى الخلطة السرية لتحقيق التوازن بين التراث والحداثة، مبيناً أن دمج الآلات الكلاسيكية العالمية مع الإيقاعات والأهازيج الإماراتية التراثية، مثل «الندبة»، على سبيل المثال، هو السبيل لنشر الثقافة الإماراتية، وتسهيل استساغتها عالمياً.

امتداد فني

ريم المبارك

ريم المبارك

وأكدت الفنانة التشكيلية ريم المبارك، أن مشروعها الفني الأحدث، يمثل امتداداً لممارستها الفنية التي ترتكز على استكشاف العلاقة الجدلية بين الذاكرة والمادة، موضحةً أن جوهر عملها يقوم على تحويل المواد البسيطة واليومية، مثل الرمل والعناصر المرتبطة بمرحلة الطفولة، إلى وسائط بصرية غنية تحمل، طبقات عميقة من المعنى والحنين.

وأشارت، في سياق حديثها عن أسباب اختيارها لهذا المسار الفني، إلى أن المشروع يعكس تجربتها الشخصية، ويترجم اهتمامها بفكرة الأثر، وكيف تترك اللحظات والأماكن بصمتها على الوجدان الإنساني.

ومن ثم إعادة تشكيل تلك البصمات بصرياً، مشددةً على أن انجذابها للفنون البصرية، ينبع من إيمان راسخ بأن الفن ليس مجرد وسيلة للتعبير، بل هو أداة جوهرية لفهم الذات والعالم، ومحاولة جادة للإمساك بكل ما هو عابر أو غير ملموس.

وفي ما يخص الدعم المؤسسي، ثمنت الفنانة ريم المبارك الدور البارز للبرنامج الوطني لمنح الثقافة والإبداع، مؤكدةً أن له أثراً بالغاً في تطوير مشروعها، من خلال توفير الموارد اللازمة، ومنح مساحة حرة للتجريب والتوسع.

مضيفةً أن هذا النوع من الدعم، يعزز ثقة الفنان بأدواته، ويدفعه نحو تقديم نتاج فني أكثر نضجاً وعمقاً، كما يفتح آفاقاً رحبة لتقديم الأعمال ضمن سياقات أوسع على المستويين المحلي والعالمي.

واستشرفت ريم المبارك مستقبل الحضور الفني الإماراتي، إذ أعربت عن ثقتها بأن الفنان الإماراتي يسير بخطى ثابتة نحو حضور عالمي أكثر تأثيراً ووضوحاً، متوقعةً أنه مع استمرار الدعم وتزايد المنصات الحاضنة للإبداع، سيشهد الواقع الفني حضوراً أقوى، يستند إلى هوية أصيلة، تجمع بين الخصوصية الثقافية، والانفتاح على الحوار الإنساني العالمي.

واختتمت حديثها بالتأكيد أن ما يميز المرحلة الراهنة، هو القدرة الفائقة للمبدع الإماراتي على تقديم سرديات محلية وثقافية، بلغة بصرية معاصرة، قادرة على الوصول إلى الجمهور العالمي، ومخاطبته بفعالية.

تساؤلات عميقة

نورة المري

نورة المري

وأكدت الدكتورة نورة حمد سلطان المري، الباحثة في مجال التقنيات الطبية المتقدمة، والمحاضرة بجامعة أكسفورد، أن مشروعها الفائز ضمن البرنامج الوطني لمنح الثقافة والإبداع، يمثل جسراً يربط بين العلم والإنسان.

موضحةً أن العمل ينتمي إلى فئة الفنون الأدائية المعاصرة، ويمزج بين الأداء الحي والتقنيات العلمية والبصرية، لطرح تساؤلات عميقة عن الوعي الإنساني.

وأشارت الدكتورة نورة إلى أن اختيارها هذا المسار، نبع من خلفيتها العلمية والتقنية، معربةً عن إيمانها بأن الفن يمتلك قدرة فائقة على تبسيط العلوم، وتحويلها إلى تجارب وجدانية، تربط بين العقل والقلب والروح. كما لفتت إلى أن انجذابها للفنون الأدائية، يعود لكونها المساحة الأكثر قدرة على خلق تواصل مباشر مع الجمهور، ودمج الفلسفة والتقنية في إطار تعبيري حي.

وفي سياق حديثها عن أثر الدعم الحكومي، ثمنت المري دور البرنامج الوطني لمنح الثقافة والإبداع، الذي أطلقته وزارة الثقافة، مؤكدةً أنه أسهم بشكل جوهري في نقل مشروعها من مجرد فكرة بحثية، إلى عمل قابل للتنفيذ.

وذكرت أن هذا النوع من المنح، يمثل ركيزة أساسية للمشاريع التي تقع في المساحات المشتركة بين التخصصات (الفن والعلم والتكنولوجيا)، ما يمنح المبدعين الثقة لتقديم رؤى مغايرة، تفتح آفاقاً جديدة في المشهد الثقافي الإماراتي.

وعلى صعيد تطوير الحركة المسرحية، شددت المري على ضرورة تحول المسرح في دولة الإمارات، من نشاط موسمي إلى صناعة ثقافية مستدامة، مقترحةً لتحقيق ذلك عدة خطوات، تشمل:

التوسع نحو أشكال إنتاجية تواكب التطور العالمي، مثل الفنون الرقمية والتقنيات التفاعلية، والاعتماد على التجربة الكاملة التي تجمع الصوت والصورة والبحث العلمي، بدلاً من الاقتصار على النص التقليدي، إضافة إلى تعزيز التعاون المشترك بين المؤسسات الثقافية والجامعات ومراكز البحث العلمي.

واختتمت الدكتورة نورة المري حديثها بالتأكيد أن هذا التكامل هو الكفيل بخلق أعمال قادرة على المنافسة عالمياً، وبما يعكس هوية دولة الإمارات كمنارة تجمع بين ريادة العلم وآفاق الإبداع.