تسلح السعوديون في مواجهة الهجمات الإيرانية بما يمكن وصفه بـ”العمى المعلوماتي”، الذي ألقى بظلاله على رؤية الحرس الثوري وحد من قدراتهم على تقييم الضربات، عبر الالتزام بالامتناع عن تصوير مواقع الاستهداف أو مشاهد اعتراض الصواريخ والمسيرات الطائرة أو نشرها، في سلوك حرم المهاجم من واحدة من أهم أدوات قياس دقة إصابته.
فمنذ بداية الهجمات، لم تتداول أي مقاطع فيديو لاعتراض الصواريخ والطائرات المسيرة داخل أراضي السعودية خارج القنوات الرسمية، في مؤشر على مستوى الالتزام بالتعليمات، إذ اقتصرت المشاهد على ما بثته وزارة الدفاع السعودية.
وثمة عقيدة في الحروب الحديثة تعد “المعلومة” سلاحاً استراتيجياً يوازي في فتكه الأسلحة التقليدية، ويتفوق عليها أحياناً، إذ يحتاج إلى المهاجم، بعد إطلاق ذخيرته، إلى “عين” ترصد بدقة نتيجة ضربته لتحديد ما إذا أصابت الهدف أم أخطأت.
وهنا برزت “الاستخبارات مفتوحة المصدر” (OSINT) كعمود فقري لهذا التحول، وهي عملية جمع ومعالجة وتحليل البيانات المتاحة للجمهور لتحويلها إلى رؤى استخبارية ذات قيمة عسكرية، تعتمد على مصادر قانونية وصريحة لا تتطلب وسائل تجسس سرية للوصول إليها.
وعند العودة لجذورها في الولايات المتحدة، ارتبطت بإنشاء دائرة مراقبة البث الإذاعي الأجنبي (FBIS)، وهي وكالة استخبارات أميركية تأسست عام 1941، تولت رصد وترجمة وتحليل محتوى وسائل الإعلام الأجنبية واستخلاص مؤشرات ميدانية منها، قبل أن تتحول لاحقاً إلى مركز المصادر المفتوحة التابع لوكالة الاستخبارات المركزية (CIA) في عام 2005.
وكان أحد الأمثلة على عملها هو الربط بين التغيرات في أسعار البرتقال في باريس، وبين التفجيرات الناجحة لجسور السكك الحديدية خلال الحرب العالمية الثانية.
كيف تتحول الصورة إلى معلومة؟
يمكن لأية صورة تلتقط أو تنشر أن تتحول إلى بيانات قابلة للتحليل، إذا جرى التعامل معها ضمن ما يعرف بـ”الاستخبارات مفتوحة المصدر”، وهو أسلوب يعتمد على تحليل المعلومات المتاحة علناً.

تواصل الدفاعات الجوية السعودية التصدي للاعتداءات الإيرانية (وزارة الدفاع)
وتبدأ العملية من التفاصيل الظاهرة في اللقطات، إذ تكشف لوحة شارع، أو تصميم مبنى، أو تضاريس في الخلفية، عن الموقع الجغرافي لها عند مقارنتها بخرائط رقمية مثل خرائط غوغل، كما يمكن لاتجاه الظلال وحالة الطقس أن يساعدا في تقدير وقت التقاطها، بالاستناد إلى أدوات تحليل البيانات.
ولا تقتصر المعلومات على العناصر الواضحة، إذ قد تظهر في الخلفية مواقع أو تجهيزات أو تفاصيل ميدانية يمكن الاستفادة منها عند تحليل المادة المصورة.
وفي بعض الحالات، تحتوي الصور على بيانات مخفية تعرف بـ”البيانات الوصفية”، تشمل موقع الالتقاط ووقته ونوع الجهاز المستخدم.
ضبط النشر
في سياق التوترات الإقليمية، سعت دول الخليج إلى الحد من نشر أي محتوى مرتبط بالتصدي للضربات، لما لذلك من تأثير مباشر في الرأي العام والأمن الوطني، وحذرت من تصوير المواقع العسكرية أو نشر هذه المشاهد، مع تنفيذ إجراءات أمنية في حق من يتداولها، باعتبارها تمس الأمن القومي.
ويرتبط تصوير الضربات بما يعرف عسكرياً بـ”التغذية الراجعة للعدو”، إذ يؤدي نشر هذه المواد إلى تزويد المهاجم بمعلومات تساعده في تحسين دقة ضرباته، ويكشف عن كفاءة منظومات الدفاع الجوي ومواقعها وزوايا عملها، مما يمنح الخصم فرصة لتطوير أساليب الالتفاف عليها.
تصوير أو نشر أو تداول معلومات ذات صلة بالتصدي للصواريخ والطائرات المسيَّرة ومواقع سقوطها يُعرِّضك للمساءلة القانونية.
Filming, publishing, or sharing information related to countering missiles and drones and their impact sites exposes you to legal liability#وزارة_الدفاع pic.twitter.com/UVriqWmyVZ
— وزارة الدفاع (@modgovksa) March 27, 2026
ويمتد أثر هذه المقاطع إلى الجانب المجتمعي، إذ تسهم مشاهد الانفجارات في بث الرعب والذعر، وتستخدم ضمن أدوات الحرب النفسية، خصوصاً مع تداول معلومات غير دقيقة حول حجم الأضرار أو أعداد الضحايا.
إطار قانوني وتشريعي
تصنف قوانين الجرائم المعلوماتية في دول الخليج نشر هذه المواد ضمن جرائم إفشاء أسرار دفاعية أو المساس بالنظام العام، وهي مخالفات قد تصل عقوباتها إلى السجن والغرامات.
وفي السعودية، تواصل الجهات المعنية التحذير عبر منصاتها الرسمية بلغات عدة من تصوير أو نشر أو تداول أية معلومات أو مقاطع مرئية تتعلق بالعمليات الميدانية للتصدي للصواريخ أو الطائرات المسيرة، مؤكدة أن هذا السلوك يعرض صاحبه للمساءلة القانونية، نظراً إلى ما قد يسببه من ضرر مباشر بالمصلحة الوطنية.
ومع تواصل القصف الإيراني، تعلن السلطات في دول الخليج ضبط عشرات الأشخاص من جنسيات مختلفة، بسبب تصوير ونشر مقاطع، أو الترويج لمعلومات مضللة.
التزام واضح
يقدم الصحافي السعودي خالد الجناحي، الذي غطى الأحداث في المنطقة الشرقية عبر التلفزيون الرسمي السعودي، في حديثه لـ”اندبندنت عربية”، قراءة حول كيفية التعاطي مع هذه الظاهرة، مشيراً إلى أن البنية التشريعية في السعودية شهدت تطوراً كبيراً بعد رؤية 2030، من خلال إصدار أنظمة جديدة تستجيب لاحتياجات المجتمع، إلى جانب تطوير الأنظمة القائمة وتحسين بنودها.
ويشير إلى أن نظام الجرائم المعلوماتية يمثل الإطار الرئيس في التعامل مع هذه الممارسات، بعد أن كانت تمارس بصورة سلبية، إذ أسهم في تنظيمها ووضع ضوابط واضحة لها.
ويرى الجناحي أن مستوى الالتزام الذي ظهر من المواطنين والمقيمين، إلى جانب الجهات الحكومية، يعكس درجة متقدمة من النضج في التعامل مع مثل هذه الظروف، إذ بدت الممارسة منضبطة إلى حد كبير، مع تقيد واضح بالتعليمات.
وفي قراءته لمسار التشريع، يوضح أن الأنظمة تمر بسلسلة إجراءات مؤسسية واضحة، تبدأ من هيئة الخبراء، التي يصفها بـ”المطبخ القانوني” لهذه الأنظمة والتشريعات، ثم تنتقل إلى مجلس الشورى لدراستها ومراجعتها، وإقرار ما يناسب المجتمع أو تعديله أو إلغائه، ويؤكد أن هيئة الخبراء ومجلس الشورى يشكلان معاً ركيزتين أساسيتين في هذه الرحلة التشريعية، التي تنتهي بإصدار الأنظمة والقوانين المنظمة لممارسات الأفراد وحفظ حقوقهم وواجباتهم.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
كما يوضح أن تحقيق الممارسة المثالية يتطلب توازناً بين الوعي المجتمعي والتشريعات المنظمة، مشيراً إلى أن هذا التوازن كان حاضراً في التجربة السعودية خلال هذه المرحلة.
وفي جانب آخر يشير إلى دور الممارسة الاتصالية في مثل هذه الظروف، لافتاً إلى أن الحسابات الرسمية للجهات الحكومية، مثل وزارة الدفاع ووزارة الداخلية والنيابة العامة والأمن العام، قدمت رسائل توعوية موحدة ركزت على أهمية الالتزام بعدم تصوير أية معلومات قد تفيد الجهات المعادية أو تثير الخوف، مؤكداً أن هذا الدور الاتصالي أسهم في رفع مستوى الوعي وتعزيز الالتزام.
وقائع من الميدان
ولا تبقى هذه الممارسات التي يراها الطرف المعادي معلومات مهمة تساعد في تحديد الأهداف في إطار التحليل النظري، إذ تظهر تطبيقاتها بوضوح في النزاعات، إذ تعتمد الجيوش بصورة متزايدة على المواد المتاحة ضمن ما يعرف بالمصادر المفتوحة.
تشير تقارير إعلامية إلى أن ضربة أوكرانية استهدفت موقعاً تابعاً لمجموعة “فاغنر” في مدينة بوباسنا، الواقعة في مقاطعة لوهانسك شرق أوكرانيا، في الـ14 من أغسطس 2022، وذلك بعد أيام من نشر صور يعتقد أنها كشفت عن موقع المقر.
اللافت أن الحادثة ارتبطت بمنشور سابق لمراسل حربي روسي، هو سيرغي سريدا، أعلن فيه عبر تطبيق “تيليغرام” في الثامن من أغسطس 2022 وصوله إلى بوباسنا، وزيارته موقعاً تابعاً للمجموعة.
المراسل نشر صوراً من الموقع، تضمنت لافتة تشير إلى أقرب ملجأ، تحمل عنواناً محدداً “ميرونوفسكايا 12”.
وعلى رغم حذف المنشور لاحقاً، أعادت وسائل إعلام روسية عرض الصور، مما أتاح تداولها على نطاق أوسع.
وبمقارنة الصور المنشورة مع معطيات جغرافية متاحة، تبين وجود مبنى مطابق في العنوان المذكور داخل بوباسنا، إضافة إلى تطابق عناصر أخرى مثل المرائب الخلفية الظاهرة في الصور مع لقطات موقع الضربة لاحقاً.
وخلصت وسائل إعلام دولية، من بينها “راديو ليبرتي” و”ميدوزا” الروسية، استناداً إلى هذه المطابقات، إلى أن الضربة الأوكرانية استهدفت الموقع نفسه الذي ظهر في صور المراسل.
وفي حادثة أخرى، تكشف واقعة تطبيق ستارفا (Strava) عام 2018 عن واحدة من أكبر الثغرات الأمنية في التاريخ الحديث، وهي المثال الأبرز على أن المعلومة لا تأتي دائماً من صورة فوتوغرافية، بل قد تأتي من نشاط رقمي بسيط.
و”سترافا” هو تطبيق رياضي يستخدمه ملايين لتتبع نشاطهم من خلال الركض أو ركوب الدراجات عبر نظام تحديد المواقع GPS، ويتيح للمستخدمين مشاركة مساراتهم مع الآخرين.
في نهاية عام 2017، أرادت الشركة استعراض حجم انتشارها العالمي، فنشرت “خريطة حرارية” تفاعلية ومبهرة.
وكانت الخريطة عبارة عن نقاط مضيئة، تمثل مسارات الجري التي سلكها مستخدمو التطبيق حول العالم على مدار عامين.
لكن طالباً أسترالياً يدعى ناثان روسر لاحظ ظهور أنماط مضيئة في مناطق نزاع وصحارى نائية مثل أفغانستان وسوريا والنيجر، حيث من المفترض أن تكون الأرض مظلمة تماماً على الخريطة لعدم وجود مدنيين يستخدمون التطبيق، ظهرت “بقع مضيئة” ومنتظمة جداً.
وعند تقريب الخريطة، ظهرت مسارات جري دقيقة تأخذ شكل “مستطيلات” أو “ممرات” داخل مناطق عسكرية يفترض أنها سرية أو غير معلنة.
تحولت هذه الخريطة إلى منجم ذهب استخباري، وكشفت حركة الجنود أثناء تدريبات الصباح عن التصميم الداخلي للقواعد أين توجد المكاتب أو سكنهم وصالات الطعام، وأظهرت خطوط مضيئة واصلة بين القواعد، مما حدد بدقة الطرق التي تسلكها الدوريات العسكرية بانتظام.
الأسوأ من ذلك، أن بعض المحللين استطاعوا ربط هذه المسارات بحسابات الجنود الشخصية على التطبيق، مما كشف عن أسمائهم وصورهم وجداولهم الزمنية.
الواقعة، التي وصفت بأنها من أبرز الثغرات الأمنية في العصر الرقمي، دفعت وزارة الدفاع الأميركية إلى إصدار تعليمات تمنع استخدام تطبيقات تتبع الموقع في مناطق العمليات، كما أجبرت الشركة على تعديل إعدادات الخصوصية.
