أمام إحدى دور العرض القاهرية في عيد الفطر عام 2023 (فاضل داود / Getty)

أصدرت الحكومة المصرية قراراً رسمياً في مارس/آذار الماضي، يقتضي بفرض الإغلاق المبكر على عدد من الأنشطة التجارية والخدمية، بما في ذلك المطاعم والمقاهي ومراكز التسوق إلى جانب دور العرض السينمائي، إذ تغلق في تمام الساعة التاسعة مساءً لمدة شهر قابل للتمديد، وذلك في إطار خطة لترشيد استهلاك الكهرباء في ظل تداعيات العدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران، وما تفرضه من ضغوط على موارد الطاقة.

جاء هذا القرار في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة إلى صناعة السينما، إذ تزامن مع موسم عيد الفطر، الذي يمثل ذروة النشاط الجماهيري وأهم نوافذ الإيرادات لصناع الأفلام.

في هذا السياق، وجد الموسم السينمائي نفسه أمام معادلة مختلة، فكان من المنتظر أن يشهد زخماً جماهيرياً من خلال أربعة أعمال هي “سفاح التجمع” و”برشامة” و”إيجي بيست” و”فاميلي بزنس”، إلا أن إلغاء العروض الليلية، التي تمثل الشريان الحيوي للإيرادات والذروة الزمنية لتدفق الجمهور، ألقى بظلاله على حجم الإقبال والعوائد المتوقعة. وقد فجر القرار نقاشات داخل الأوساط السينمائية، إذ تباينت ردود الأفعال بين الغضب الصريح، ومحاولات الالتفاف على الأزمة عبر مقترحات بديلة.

في هذا السياق، عبر المخرج والمؤلف مجدي أحمد علي في تصريحاته لـ”العربي الجديد” عن حالة الاستياء الجماعي التي تسود بين صناع السينما، معتبراً أن القرار، وإن كان مفهوماً في سياقاته العامة، إلا أنه يحمل في طياته أضراراً جسيمة تهدد الأفلام المعروضة حالياً وتلك التي كانت على أعتاب العرض.

أشار إلى أن التداعيات لن تقتصر على المنتجين أو النجوم، بل ستمتد لتطاول منظومة كاملة، تشمل أصحاب دور العرض الذين يواجهون التزامات ضريبية وتشغيلية لا يمكن التخفف منها بسهولة في ظل تراجع الإيرادات.

وفي محاولة لتقديم مقاربة أكثر توازناً، طرح مجدي أحمد علي رؤيةً بديلة تقوم على إعادة توزيع أوقات الإغلاق، فيُستغنى عن العروض ضعيفة الإقبال، مثل أفلام الثالثة عصراً أو العاشرة صباحاً، وهي توقيتات تتقاطع مع ساعات العمل والدراسة، ولا تحظى بجاذبية جماهيرية تذكر، مؤكداً أن المساس بالعروض الليلية هو إصابة مباشرة في مقتل للصناعة.

من زاوية أخرى، نقل أحد العاملين في شباك التذاكر في إحدى دور العرض بوسط القاهرة، واسمه مؤمن جمال، صورة إنسانية للأزمة، فأوضح أن الغضب لا يقتصر على الكيانات الكبرى، بل يمتد إلى العاملين الذين يعتمدون في دخلهم على مصادر غير ثابتة، مثل الإكراميات، التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بكثافة الحضور الجماهيري.

ومع اختفاء العروض الأكثر ازدحاماً، تتقلص هذه الموارد، ما يضع هؤلاء العاملين في مواجهة ضغوط معيشية قاسية، ويجعل القرار بالنسبة إليهم تهديداً مباشراً للاستقرار اليومي.

في سياق البحث عن حلول، برز اقتراح المنتج والمخرج كريم السبكي، الذي دعا إلى قلب المعادلة الزمنية بدلاً من تقليصها، عبر إلغاء عروض الصباح والظهيرة (10 صباحاً، 1 ظهراً، 3 عصراً)، والاكتفاء بثلاثة عروض مسائية (6 مساءً، 9 مساءً، 1 بعد منتصف الليل)، وهو طرح يستند إلى منطق اقتصادي واضح، يراعي أن التشغيل في الفترات الضعيفة يمثل عبئاً من دون عائد.

وقد حظيت هذه الفكرة بدعم المغني تامر حسني، الذي أعاد نشر المقترح عبر “إنستغرام”، مشيراً إلى ثقته في قدرة الجهات المعنية على دراسة البدائل، بما يحقق التوازن بين المصلحة العامة ومتطلبات الصناعة، مع إبداء أمله في تبني حلول مرنة لا تجهض النشاط السينمائي.

في المقابل، جاء موقف المخرج أمير رمسيس، واصفاً القرار بأنه كارثة حقيقية، مؤكداً أن عرض التاسعة مساءً ليس مجرد توقيت عرض، بل هو القلب النابض للإيرادات، وأن إلغاءها في ظل أعباء الإنتاج المرتفعة والضرائب المتعددة يشكّل ضربة قاصمة لصناعة تعاني أصلاً من الهشاشة.

في هذا السياق، كشف مصدر مسؤول داخل شركة سينرجي فيلم للتوزيع، في تصريحات خاصة لـ”العربي الجديد”، أن الإيرادات اليومية لدور العرض شهدت تراجعاً ملحوظاً يتراوح بين 40% و60% مقارنة بموسم عيد الفطر الماضي، مرجعاً ذلك إلى إلغاء العروض الليلية التي تمثل ما بين 65% و75% من إجمالي إيرادات شباك التذاكر.

وأوضح أن العروض الصباحية والنهارية، رغم استمرارها، لا تسهم سوى بنسبة تتراوح بين 25% و30% في أفضل الحالات، ما يعكس خللاً واضحاً في هيكل الإيرادات.

وأضاف المصدر أن متوسط إيراد الحفلة الواحدة خلال الفترة المسائية يتجاوز ضعفي إلى ثلاثة أضعاف نظيرتها في الفترات النهارية، لا سيما في مواسم الذروة مثل عيد الفطر، إذ يرتبط الإقبال الجماهيري بثقافة الخروج الليلي. كما أشار إلى أن عدد شاشات العرض في مصر يقدر بما بين 350 و400 شاشة، تعتمد معظمها على إيرادات الفترات المسائية، ما يجعل تأثير قرار الإغلاق المبكر مضاعفاً على مجمل السوق.

تطاول الخسائر العمّال في دور العرض وليس الفنانين فقط

نقدياً، دعا الناقد طارق الشناوي إلى ضرورة التكاتف بين جميع أطراف الصناعة لإيجاد مخرج من الأزمة، مشدداً على أن العروض الليلية تمثل الركيزة الأساسية التي يقوم عليها التوازن الاقتصادي للسينما، وأن إلغاءها يهدد المنظومة بأكملها، وليس فقط حجم الإيرادات. كما طالب بضرورة النظر إلى دور العرض باعتبارها منشآت ثقافية ينبغي استثناؤها، أسوة ببعض القطاعات الأخرى.

من منظور آخر، عبرت الناقدة خيرية البشلاوي عن تأييدها لسياسات ترشيد الطاقة، لكنها شددت في الوقت نفسه على ضرورة إدخال تعديلات تضمن عدم الإضرار بالصناعة، مؤكدة أن التأثير لا يقتصر على شباك التذاكر، بل يمتد إلى شبكة واسعة من العاملين داخل دور العرض، سواء في السينمات المستقلة أو داخل المراكز التجارية، وهو ما يجعل القضية ذات أبعاد اجتماعية واقتصادية متداخلة