تقدم الباحثة فاطمة واياو دراسةً معمقةً للسرد النسوي العربي، مركزةً على العلاقة بين الهوية النسوية والخطاب الإبداعي والتحرر من الهيمنة الذكورية. وتسلط في كتابها الجديد الموسوم بـ”تمرد الأنثى من خلال السرد النسوي العربي: الهوية النسوية – الأبوية – كتابة الجسد” (دار نشر الأخوين سليكي، طنجة) الضوء على العقل الأبوي وتجلياته داخل النسيج الثقافي العربي، في أفق تتبع مسارات الحركة النسائية تاريخياً عبر الأدب والنقد والإبداع.
وينطلق كتاب فاطمة واياو وهي باحثة وكاتبة مغربية مقيمة في اسكتلندا، من اعتبار الخطاب الإبداعي مجالاً كاشفاً لبنية الهيمنة داخل الثقافة العربية، حيث يتقاطع الأدبي بالاجتماعي في إنتاج تمثلات السلطة الذكورية واستمرارها. وفي هذا السياق، يحضر النقد النسوي كأداة تحليليةٍ لتفكيك هذه البنية، من خلال تتبع حضورها في النصوص وفي أنماط التفكير والسلوك، بما يتيح قراءةً تاريخية للحركية النسائية ضمن شروطها الثقافية.
وتتسع هذه المقاربة لتشمل تمثلات الذات النسائية داخل السرد، مع امتدادها إلى سياق الهجرة والمنفى، حيث تتكثف أسئلة الانتماء وتتعمق إشكالات الهوية. وتشير مقدمة خالد سليكي إلى أن تجربة الهجرة أسهمت في تعميق أفق البحث لدى المؤلفة، ومنحتها مسافةً نقدية مكنتها من رصد تجليات السلطة الذكورية في مستوياتٍ متعددة، تمتد من اليومي إلى الإبداعي، في إطار وعي يتتبع آليات اشتغالها داخل البنية الثقافية.
تجربة الهجرة أسهمت في تعميق أفق البحث لدى المؤلفة
ويعكس بناء الكتاب هذا التصور، إذ يتوزع على أربعة أبواب رئيسية. يخصص الباب الأول لنقد العقل الأبوي عبر السرد النسوي، من خلال تفكيك اللغة الأبوية واستعادة الهوية الأنثوية داخل النص. ويعالج الباب الثاني النقد النسوي باعتباره حاضناً لحركة تحرير النساء، مع استحضار التجارب الغربية والعربية وما تطرحه من قضايا وإشكالات.
ويتجه الباب الثالث في هذا العمل إلى إعادة قراءة إرهاصات النقد النسوي العربي ورائداته، عبر تتبع إسهامات النهضويات في الصحافة والسرد والسيرة الذاتية، بما يكشف عن مسارات تهميش هذا الصوت داخل البنية الثقافية. في حين ينفتح الباب الرابع على السرد النسوي في المنفى، من خلال رصد تمثلات الذات المتشظية وتجارب الكتابة في سياقات الاغتراب، عبر نماذج متعددة تعكس تداخل البعد الوجودي بالسردي، وهي نماذج محددة لكاتبات من مشارب مختلفة، من بينها إلهام المانع في زيورخ، سميرة الطويل في بروكسل، ونجوى المجاهد في بوسطن، إلى جانب استحضار تجربة عفيفة كرم في المهجر، بما يعكس تنوع تمثلات المنفى في السرد النسوي العربي.
يضع هذا العمل، كما تفيد مقدمة السليكي، سؤال الهوية النسوية في صلب مساءلة نقدية أوسع تستهدف البنية الأبوية في امتداداتها الثقافية، ويقترح مقاربة تجمع بين التحليل الأدبي والرصد الاجتماعي، بما يمنح الكتاب موقعاً ضمن الجهود الهادفة إلى تفكيك أنماط التفكير السائدة وإعادة قراءة تمثلات المرأة في السرد العربي.
