يتضمّن العمل العديد من المفاجآت والتحوّلات الدرامية (نتفليكس)
تُصدر منصة نتفليكس حالياً عدداً من المسلسلات الأوروبية تباعاً، وكلّها تتناول مواضيع قاتمة. سواءً كان المسلسل البولندي “أطفال الرصاص” الذي يكافح فيه طبيبٌ التسمّم المتفشّي من مصنع للصلب، أو الإنتاج الإسباني “سلفادور” الذي يتسلّل فيه رجلٌ إلى جماعة ابنته النازية الجديدة. والآن، مع مسلسل “ماذا حدث لغريتا؟” (الاسم العربي لـHow to Get to Heaven from Belfast)، يُضاف عنوان أيرلندي إلى هذه القائمة، وهو مسلسلٌ يستكشف أيضاً جوانب مظلمة، وإن كان ذلك بأسلوبه الفريد، استناداً إلى قصّة بسيطة حول ثلاث صديقات يجمعهنّ لغز وفاة صديقة دراسة قديمة، ما يدفعهنّ في رحلة مثيرة عبر أيرلندا الشمالية لإخفاء سرّ مظلم.
يتميّز هذا المسلسل بخفّة ظلّه مقارنة بمعظم المسلسلات المعروضة حالياً. وهذا ليس مفاجئاً، خاصة أنه من ابتكار ليزا ماكغي التي اشتهرت بالمسلسل الكوميدي “فتيات ديري” (Derry Girls). مع هذا العمل الممتد لثلاثة مواسم (2018 – 2022)، الذي يتناول حياة المراهقات في أيرلندا الشمالية خلال تسعينيات القرن الماضي، أطلقت ليزا ماكغي العنان لحسّها الفكاهي اللافت. أمّا مسلسلها الجديد، فيُصوّر جانباً أقتم من أيرلندا الشمالية، مع أن هذا العمل المثير سيُضحك المتفرّج من قلبه على تصرّفات شخصياته الرئيسية.
وبينما ركّز المسلسل السابق على الفتيات المراهقات وتحديات النضوج، فإن بطلات المسلسل الجديد في أواخر الثلاثينيات من عمرهن. يتعمّق السيناريو في استكشاف حياة الثلاثي، ليس فقط حاضرهن الذي يواجهن فيه صعوبات متفاوتة، بل أيضاً ماضيهن، كاشفاً عن أصولهن، وكيف تطوّرت حياتهن. هل سارت حياتهن كما تمنّين؟ وما الذي كان ينبغي أن يكون مختلفاً؟
سيرشا (رويسين غالاغر)، وروبين (سينيد كينان)، ودارا (كويلفين دان) صديقات منذ الطفولة، عشن معاً لحظات سعيدة وأخرى حزينة لا تُحصى، رغم اختلاف مسارات حياتهن. والآن، تُصيبهن صدمة أخرى عندما يعلمن بوفاة غريتا. كانت غريتا جزءاً من شلّتهن قبل أن ينقطع التواصل بينهن. لم يسمعن عنها شيئاً منذ سنوات. يُصدمن بالخبر، ويعلمن أنهنّ مُلزمات بحضور جنازة صديقتهن الراحلة. وهناك، يُواجهن صدمة ثانية: المرأة المتوفّاة ليست غريتا على الإطلاق. ولكن مَن المرأة داخل النعش؟ ماذا حدث لغريتا الحقيقية؟ يتضمّن استكشاف الماضي هنا أيضاً عدداً من الألغاز.
منذ البداية، يضفي المسلسل جواً من الغموض. تتساءل البطلات الثلاثة عن صلة الجريمة بالجثة المزيّفة. على عكس سرديات الجريمة الكلاسيكية، إذ يجب تحديد هوية الجاني، يترك مسلسل “ماذا حدث لغريتا؟” الأسئلة المحيطة بالجريمة مفتوحة تماماً. يستغرق كشف الحقيقة وقتاً طويلاً، ويعود ذلك جزئياً إلى أن المسلسل يتناوب بين القضية وقصص الشخصيات الشخصية، لذا، ينبغي على المتفرّج التحلّي بالصبر والوقت الكافيين. مع ذلك، لا يعني هذا أن الأحداث خالية من التشويق. في الواقع، أضافت ماكغي العديد من المفاجآت والتحوّلات، ما يضمن بقاء المتفرّج في حيرة من أمره بشأن الحبكة حتى النهاية.
النتيجة عملٌ خفيف مسلٍّ ولافت لا يضحّي بالإثارة والجودة، يجمع بين القصص الشخصية والفكاهة والألغاز المبتكرة في مزيج شيّق وجذاب. ويكتمل المشهد بأداء الممثلين والمناظر الطبيعية الخلّابة للريف الأيرلندي. قد لا يكون الجمع بين الشخصيات الجذابة، والمبالغ فيها أحياناً، والبحث عن الحقيقة أمراً سهلاً، ولكنه هنا ممتعٌ للغاية.
يترك “ماذا حدث لغريتا؟” بصمته بفضل التفاعل بين الممثلات الثلاث، اللاتي يُسمح لهن باستمرار بتبادل الإهانات، فتأتي الكوميديا عفوية وطبيعية، فضلاً عن تمتّعهن بالكاريزما. لذلك، لا يسع المرء إلا الأمل بأن يجد المسلسل جمهوره، ولا يضيع وسط سيل الإصدارات الجديدة. فبينما تتشابه العديد من الأعمال المعروضة على منصّات البث وتُنسى سريعاً، يتميّز هذا العمل بأصالة ونكهة أيرلندية شمالية.
