لم يكن الإعلان الإسرائيلي بتنفيذ عملية عسكرية انطلاقاً من جبل الشيخ السوري باتجاه جنوب لبنان حدثاً يمكن قراءته أمنياً بصورة محدودة، بل بدا أقرب إلى إشارة افتتاحية لمسار عملياتي جديد قد تتكشف مراحله تباعاً خلال الأسابيع المقبلة. فالعملية التي نفذتها وحدة “ألبينيست” الإسرائيلية المتخصصة بالحرب الجبلية تضمنت عبوراً نحو جنوب لبنان، وقد حملت في توقيتها ودلالاتها أكثر من رسالة، أولها أن إسرائيل لم تعد تحصر تحركاتها في الجبهة الحدودية التقليدية جنوباً، وثانيها أنها بدأت عملياً استخدام جبل الشيخ كممر عملياتي نشط وليس فقط كنقطة مراقبة استراتيجية.
ومن اللافت أن هذا التطور تزامن مع توسع الضربات على محاور الربط بين بلدة الخيام الجنوبية والبقاع الغربي، ومع تقدم متدرج من القطاع الساحلي جنوب مدينة صور باتجاه الداخل، مما يعزز فرضية أن العملية المنطلقة من جبل الشيخ ليست خطوة مستقلة، بل جزء من تصور عملياتي أوسع يقوم على الضغط من الشرق بالتوازي مع التقدم نحو نهر الليطاني من الجنوب والغرب.
وتذهب تقديرات دبلوماسية غربية إلى أن إسرائيل تتبع في هذه المرحلة سياسة “الكشف المرحلي” للخطة العسكرية، أي تنفيذ خطوات محدودة تبدو منفصلة ظاهرياً لكنها تشكل في مجموعها بنية استراتيجية واحدة، هدفها إعادة تشكيل مسرح العمليات في جنوب لبنان تدريجاً، وعزل الجبهة الجنوبية عن امتدادها الطبيعي في البقاع الغربي شرق لبنان، تمهيداً لتثبيت واقع أمني جديد شمال الحدود.
وفي هذا السياق تحديداً، يكتسب جبل الشيخ أهمية مضاعفة، لأنه يمثل النقطة الوحيدة التي تسمح لإسرائيل بمراقبة خطوط الحركة بين سوريا ولبنان والبقاع في آن واحد، مما يجعله، في نظر عدد من الخبراء العسكريين، المفتاح الشرقي لأية خطة تهدف إلى خنق الإمداد نحو الجنوب وليس مجرد مرتفع دفاعي متقدم.
ومن هنا، لم يعد التقدم البري الإسرائيلي نحو خط نهر الليطاني يقرأ باعتباره هدفاً منفصلاً بحد ذاته، بل جزءاً من كماشة جغرافية أوسع تبدأ من القوس الجبلي الشرقي عند جبل الشيخ، وتمر عبر مناطق العرقوب وشبعا والخيام، وصولاً إلى وادي الحجير والخردلي والساحل الجنوبي، ضمن استراتيجية قد تظهر خطوطها الكاملة تدريجاً مع اتساع العمليات خلال المرحلة المقبلة.
النقطة الأخطر؟
في العقيدة العسكرية الإسرائيلية، ينظر إلى جبل الشيخ في سوريا منذ عقود باعتباره “العين التي ترى الشرق”، فالموقع يمنح قدرة إشراف ناري واستخباري على مساحات تمتد من الجولان إلى ريف دمشق حتى تخوم البقاع الغربي. وهذا يعني أن أي تموضع عسكري إسرائيلي ثابت فوقه لا يقتصر على حماية الحدود، بل يسمح بإدارة مسرح عمليات كامل يمتد داخل الأراضي اللبنانية والسورية في آن واحد.
ضمن هذا السياق، تكتسب المعركة حول بلدة “الخيام” أهمية تتجاوز بعدها الحدودي، فالمدينة تقع على أحد أهم محاور الربط بين القطاع الشرقي للجنوب اللبناني وبين البقاع الغربي، مما يجعل السيطرة عليها أو عزلها نارياً خطوة أساسية في أية محاولة لفصل الجبهتين عن بعضهما.
وينظر متابعون إلى استهداف طريق دبين – إبل السقي في الجنوب خلال الأيام الأخيرة كجزء من مسار واضح لعزل الخيام عن خطوط الإمداد القادمة من الشرق، وإذا استكملت هذه العملية بتقدم نحو جسر الخردلي، فإن القوات الإسرائيلية تصبح عملياً على تماس مباشر مع الضفة الشرقية لنهر الليطاني، وهو ما يسمح بربط الضغط الشرقي بمحاور التقدم الوسطى عبر وادي الحجير.
ويرى خبراء عسكريون أن هذا التطور، إذا استمر، سيحول الخيام إلى نقطة فصل جغرافي بين الجنوب والبقاع، وليس فقط إلى ساحة اشتباك حدودية.

قوات برية إسرائيلية في جنوب لبنان (ا ف ب)
الذراع الغربية للكماشة
بالتوازي مع التحرك شرقاً، يتواصل الضغط الإسرائيلي من القطاع الساحلي جنوب مدينة صور، إذ تشير معطيات ميدانية إلى تقدم باتجاه المرتفعات المشرفة على بلدتي البياضة وشمع. السيطرة على هذه التلال تمنح القوات المتقدمة قدرة على التحكم بخطوط الحركة الساحلية، وتفتح المجال أمام التقاء محاور التقدم الغربية مع القوات المتحركة من الداخل.
هذا النمط من التقدم المتوازي يعكس تصوراً عملياتياً يقوم على تشكيل قوس ضغط يمتد من الساحل إلى القطاع الشرقي، بما يسمح بتقطيع مسرح العمليات إلى جيوب منفصلة بدل تركه جبهة مترابطة.
خط الفصل الجديد
في هذا الإطار، لا يبدو الوصول إلى نهر الليطاني هدفاً تكتيكياً موقتاً، بل جزءاً من تصور طويل الأمد لإعادة رسم قواعد الاشتباك على الجبهة اللبنانية. فالتصريحات الإسرائيلية حول تثبيت “منطقة أمنية” حتى النهر تترافق مع عمليات منهجية لاستهداف الجسور ومحاور الحركة والبنية التحتية، مما يشير إلى محاولة تحويل الليطاني إلى خط فصل فعلي بين مرحلتين عسكريتين، مرحلة جنوب النهر، ومرحلة ما بعده.
وتقول مصادر دبلوماسية إن هذا التحول يعكس قناعة متزايدة داخل المؤسسات الأمنية الإسرائيلية بأن نموذج ما بعد حرب يوليو (تموز) 2006 لم يعد قابلاً للاستمرار، وأن تثبيت شريط أمني جديد بات ينظر إليه كخيار استراتيجي وليس إجراء موقتاً.
فصل الجنوب عن البقاع؟
السؤال المركزي الذي يطرحه الخبراء اليوم لا يتعلق فقط بمدى تقدم القوات الإسرائيلية جنوباً، بل بما إذا كانت هذه العمليات تهدف إلى إعادة رسم العلاقة العملياتية بين الجنوب والبقاع الغربي.
على الخريطة، إذا استكمل الضغط على محور دبين – إبل السقي، وتزامن مع تقدم نحو الخردلي ووادي الحجير، بالتوازي مع تحركات من الساحل، ومع وجود تموضع نشط فوق جبل الشيخ، تصبح فرضية فصل الجبهتين عن بعضهما احتمالاً واقعياً أكثر منه سيناريو نظرياً.
وفي السياق يرى خبراء أمنيون أن هذا السيناريو لا يتطلب اجتياح البقاع نفسه، بل يكفيه تحويل طرق الإمداد إليه ومنه إلى الجنوب إلى مسارات مكشوفة نارياً أو مراقبة استخبارياً بصورة دائمة.
أربعة سيناريوهات
وأمام هذا المشهد الأمني، تبدو الجبهة اللبنانية أمام أربعة سيناريوهات.
السيناريو الأول يتمثل في تثبيت شريط أمني حتى الليطاني، بحيث يتحول جنوب النهر إلى منطقة خالية نسبياً من التمركز العسكري المنظم، لكن من دون أن يعود لها السكان اللبنانيون، ولعل ما يحصل من عمليات حرق وتدمير ممنهجة للمنازل غير المأهولة في الخط الأول داخل لبنان يثبت هذا السيناريو.
السيناريو الثاني يقوم على تشكيل كماشة متعددة المحاور تمتد من الساحل إلى القطاع الشرقي عبر الخيام ووادي الحجير، بهدف تقسيم مسرح العمليات إلى قطاعات منفصلة، تمهيداً للسيطرة العسكرية البرية عليها؟
السيناريو الثالث يعتمد على استخدام القوس الجبلي الممتد من جبل الشيخ إلى شبعا كمنصة ضغط مستمرة على منطقة البقاع الغربي، إنما من دون التقدم البري جنوباً.
أما السيناريو الرابع، وهو الأكثر تصعيداً، فيقوم على تحويل جبل الشيخ إلى نقطة ارتكاز لعمليات أوسع تمنع إعادة وصل الجنوب بالبقاع في أية مرحلة لاحقة من المواجهة.
في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن ما يجري لا يندرج ضمن إطار عملية محدودة، بل ضمن محاولة لإعادة تشكيل الجغرافيا العملياتية للجنوب اللبناني بالكامل. فالمسألة لم تعد تتعلق فقط بإبعاد “حزب الله” من الحدود، بل بإعادة توزيع مراكز ثقله، وفصل جبهاته عن بعضها، وتحويل الجنوب إلى مسرح معزول نسبياً عن امتداده الطبيعي شرقاً.
وإذا استمرت العمليات وفق هذا المسار، فإن جبل الشيخ لن يبقى مجرد مرتفع استراتيجي يراقب الحدود، بل قد يتحول إلى المفتاح الذي يحدد اتجاه المرحلة المقبلة من الحرب، سواء بقي منصة ضغط استخبارية، أم أصبح رأس جسر لمرحلة عملياتية أوسع تتكشف تدريجاً مع تطور الميدان.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
“السفير” يعقد المشهد
في المقابل، فشل المسار الدبلوماسي ومقترح الرئيس اللبناني جوزاف عون بإجراء مباشرات مباشرة مع إسرائيل، حتى الآن في كبح اندفاعة تل أبيب لتنفيذ خطتها العسكرية في جنوب لبنان، وهذا الفشل لم يعد مرتبطاً فقط بتقدير إسرائيلي للوضع الميداني، بل أيضاً بقراءة دولية تعتبر أن الدولة اللبنانية لم تظهر القدرة على تنفيذ القرارات التي تعهدت بها سابقاً، سواء لجهة ضبط السلاح جنوب الليطاني أم شماله، أم لجهة معالجة وضع “حزب الله” كتنظيم مسلح خارج إطار الدولة.
وما زاد من صلابة الموقف الإسرائيلي في الأسابيع الأخيرة هو التمرد الإيراني العلني على قرار الدولة اللبنانية طرد السفير الإيراني غير المعتمد في بيروت محمد رضا شيباني، معتبرة أن عدم قدرة بيروت على فرض قرارها السيادي عزز الانطباع داخل دوائر القرار الغربية بأن النفوذ الإيراني في لبنان لا يزال يتجاوز مؤسسات الدولة، مما يمنح إسرائيل هامش تحرك أوسع، ويحظى بتفهم أميركي واضح.
وتشير التقديرات المتداولة في بعض الدوائر الأميركية إلى أن هذا السفير يعد من الشخصيات المرتبطة مباشرة ببنية التنسيق بين “فيلق القدس” في الحرس الثوري الإيراني و”حزب الله”، وأن وجوده في بيروت يعود لأدوار سابقة تعود لمرحلة حرب تموز 2006، حين كان جزءاً من غرفة التنسيق بين طهران والحزب خلال المواجهة مع إسرائيل.
وتخلص المصادر نفسها إلى أن الإصرار الإيراني على إبقائه في موقعه، على رغم الاعتراض الرسمي اللبناني، يفسر في واشنطن وعدد من العواصم الأوروبية كرسالة سياسية مفادها بأن طهران غير مستعدة لتقليص حضورها العملياتي في لبنان، مما يستخدم داخل المؤسسات الغربية لتبرير منح إسرائيل هامشاً أوسع للتحرك العسكري، باعتبار أن البيئة السيادية اللبنانية ما زالت عاجزة عن فرض قواعد اشتباك جديدة على الأرض.
التفاف خطر
وفي قراءة العميد الركن المتقاعد فادي داوود، لا يمكن التعامل مع العملية التي نفذتها وحدة رجال الألب التابعة للواء 810 الإسرائيلي على سفوح جبل الشيخ في الشق السوري بوصفها مجرد مهمة استطلاع محدودة أو خطوة تكتيكية معزولة. فبرأيه، طبيعة القوة المستخدمة، والبيئة الجغرافية التي جرى التحرك فيها، والاتجاه الذي اتخذته العملية، كلها عناصر تؤكد أن ما جرى يندرج ضمن تحضير عملياتي أوسع قد يسبق تحولات ميدانية كبيرة على امتداد الجبهة اللبنانية. ويشير داوود إلى أن هذا اللواء، المعروف باسم لواء حرمون، هو من الوحدات المتخصصة بالقتال في التضاريس الجبلية والثلجية الوعرة، ولا يدفع عادة إلى هذا النوع من المسارح إلا عندما تكون هناك حاجة إلى دراسة المسالك، واختبار القدرة على العبور، وتحديد المتطلبات الهندسية واللوجستية لأي تقدم لاحق.
ويشرح أن الهدف المعلن إسرائيلياً، والمتمثل بمنع تمركز “حزب الله” على الحدود اللبنانية ـ السورية، لا يعكس وحده حقيقة المشهد، لأن هذا النوع من العمليات يهدف أيضاً إلى جمع معلومات استخبارية دقيقة حول طبيعة الأرض والبنى التحتية ومسارات الإمداد والممرات الخلفية التي تربط مزارع شبعا بالبقاع الغربي. ومن هنا، يرى داوود أن هذا التحرك يتقاطع مع ما يمكن وصفه بـ”سيناريو الالتفاف الكبير”، أي تطويق الجبهة الجنوبية من الخاصرة الشرقية.
وبحسب هذه المقاربة، فإن هذا المحور يفتح أمام إسرائيل خيارين شديدي الخطورة، الأول التقدم غرباً لعزل القوى المنتشرة جنوب الليطاني عن عمقها الخلفي، والثاني التقدم شرقاً نحو البقاع الغربي وصولاً إلى معبر المصنع الحدودي مع سوريا، أي إلى البوابة البرية الاستراتيجية للبنان. ويحذر داوود من أن أية اندفاعة لاحقة باتجاه منطقة البيدر البقاعية تعني عملياً فصل البقاع عن جبل لبنان وعن الجنوب، بما يؤدي إلى كسر الترابط الجغرافي والعملياتي بين هذه المناطق، ووضع العاصمة بيروت تحت ضغط مباشر من الخاصرة الشرقية.
ويضيف أن هذا السيناريو ينسجم مع مؤشرات إسرائيلية متزايدة عن الرغبة في تجاوز مفهوم المنطقة العازلة التقليدية، بخاصة في ظل امتلاك إيران و”حزب الله” قدرات صاروخية بعيدة المدى تجعل المنطقة العازلة وحدها غير كافية لتحقيق الأهداف العسكرية الإسرائيلية.
احتلال متدرج
أما العميد الركن المتقاعد خليل الحلو، فيقرأ المشهد من زاوية أن ما يجري جنوباً لم يعد توصيفه الدقيق توغلاً، بل بات يرقى إلى مستوى احتلال متدرج ومنهجي لمساحات متزايدة من الأراضي اللبنانية. ويشير الحلو إلى أن العملية التي أعلنها الجيش الإسرائيلي انطلاقاً من جبل الشيخ باتجاه مزارع شبعا ليست مهمة ذات قيمة تكتيكية كبيرة بحد ذاتها، بل هي قبل كل شيء رسالة عسكرية وسياسية تقول إن إسرائيل قادرة على فتح محور شرقي جديد، ينطلق من الأراضي السورية ويتيح لها التقدم من الشرق نحو الغرب وقطع البقاع عن الجنوب، أو حتى تهديد طريق بيروت – دمشق الدولية في مرحلة لاحقة.
ويشرح أن خطورة هذه العملية تكمن في موقعها الجغرافي لا في حجم القوة التي نفذتها، لأن هذا المحور، الممتد من جبل الشيخ إلى مزارع شبعا، يفتح المجال أمام اتجاهات عملياتية عدة، من دون وجود عوائق طبيعية كافية لوقف الاندفاعة إذا اتخذ القرار بتوسيعها. ومن هنا، يرى الحلو أن إسرائيل أرادت من خلال هذه الخطوة أن تقول للبنانيين إن الحرب لم تعد محصورة فقط بالشريط الحدودي التقليدي في الجنوب، بل باتت تشمل هندسة مسرح عمليات أوسع يمكن أن يمتد من القطاع الشرقي إلى أعماق الداخل اللبناني.
ويضيف أن المعطيات الميدانية تشير إلى أن إسرائيل باتت تسيطر على أكثر من 250 كيلومتراً مربعاً داخل الأراضي اللبنانية، بعدما كانت قد بدأت بخمس نقاط محدودة فقط، مما يعني أن الأمر تجاوز منطق الغارات المحدودة إلى منطق تثبيت السيطرة الميدانية. كما أن وجود خمس فرق إسرائيلية على الحدود، بما يوازي عشرات آلاف الجنود، يكشف عن أن الجيش الإسرائيلي يهيئ نفسه لمرحلة طويلة نسبياً، حتى لو كانت المجموعات التي تتقدم على الأرض صغيرة ومتناوبة وليست ضمن مناورة واسعة واحدة.
ويلفت الحلو إلى أن طبيعة المعارك الحالية لا تشبه حروب الاجتياحات الكبرى كما حصل في 1982 أو حتى في بعض مراحل 2006، بل تقوم على تقدم موضعي متدرج، وعمليات تنظيف من بيت إلى بيت، وقضم مساحات مدروسة، وصولاً إلى نهر الليطاني في بعض المحاور. وبرأيه، فإن الحديث الإسرائيلي عن “منطقة عازلة” يجب ألا يفهم بمعناه العسكري التقليدي، لأن الصواريخ البعيدة والمتوسطة المدى تجعل فعالية هذه المنطقة محدودة، بينما ما يظهر على الأرض هو سعي إلى خلق منطقة مفرغة ديموغرافياً، عبر التدمير المنهجي للقرى ومنع السكان من العودة لها.
جبهة مفتوحة
من جهته، يرى العميد السوري المتقاعد والخبير العسكري والاستراتيجي عبد الله الأسعد أن دخول القوات الإسرائيلية إلى جنوب لبنان من محور جبل الشيخ في جانبه السوري يجب فهمه ضمن إطار أوسع يتصل بإعادة تشكيل الجبهة الشمالية بأكملها، لا في لبنان فقط بل أيضاً في الجغرافيا السورية المتاخمة. ويشير الأسعد إلى أن اللواء 810 التابع للفرقة 210، وهو لواء جبلي متخصص بالقتال في المرتفعات والتضاريس الخاصة، ينفذ تحركاته في منطقة باتت إسرائيل تعتبرها مسرح عمليات مفتوحاً يبدأ من السفوح الجنوبية لجبل الشيخ ويمتد نحو مرتفعات شبعا ومزارع شبعا، بما يسمح لها بفرض رقابة نارية وميدانية على مساحات واسعة ذات أهمية استراتيجية.
ويشرح أن إسرائيل تستفيد من سيطرتها على المراصد والنقاط الحاكمة في جبل الشيخ لتوسيع هامشها العملياتي، وهي لا تكتفي اليوم بتأمين القطاعين التقليديين في الجليل أو على طول الحدود، بل تعمل، وفق تعبيره، على إنشاء ما يشبه قطاعاً شرقياً جديداً يكمل المسرح العملياتي القائم في الأراضي السورية واللبنانية معاً. ويؤكد الأسعد أن التوغل عبر هذا المحور لا يقتصر على الاستعراض أو إرسال الرسائل، بل يرتبط بمحاولة عملية لتأمين أجنحة القوات الإسرائيلية التي تتقدم في العمق اللبناني. فالقوات الإسرائيلية، بحسب تقديره، لم تعد تحصر عملياتها عند خطوط الاشتباك التقليدية، بل باتت تتوغل إلى عمق أكبر، في إطار سعيها إلى خلق بيئة قتالية آمنة تسمح لها لاحقاً بالوصول إلى الليطاني من محاور متعددة.
وفي موازاة ذلك، يلفت الأسعد إلى أن قدرات “حزب الله” لا تبدو، في هذه المرحلة، بالمستوى الذي كانت عليه في مراحل سابقة من الحرب، سواء من حيث كثافة النيران أم القدرة على منع تقدم الدبابات والوحدات الراجلة. فهو لا ينفي امتلاك الحزب بعض الأسلحة النوعية، لكنه يرى أن المشهد الميداني يعكس تراجعاً نسبياً في الزخم العملياتي مقارنة بما كان قائماً سابقاً، وهو ما سمح للقوات الإسرائيلية بتنفيذ مزيد من الغارات والاستطلاع القتالي داخل الأراضي اللبنانية. لكنه، في المقابل، يشير إلى أن إسرائيل نفسها تعاني إنهاكاً، وهو ما يفسر اعتمادها المتزايد على سياسة الأرض المحروقة قبل أي تقدم بري. ويخلص الأسعد إلى أن الحدود السورية – اللبنانية لم تعد مجرد خط فاصل بين دولتين، بل تحولت إلى جبهة مفتوحة مركبة تتداخل فيها الحسابات الإسرائيلية مع الهواجس اللبنانية والمعادلات السورية، مما يجعلها مرشحة للعب دور محوري في أي تصعيد مقبل.
