عاشق لا يكل للنساء، منح أوغست رينوار (1841- 1919) لهن مكانة مميزة في لوحاته، فظل يرسم عارضاته بلا انقطاع، وقد تحولت بعضهن إلى ملهمات وعشيقات، حتى عُرف بفنان المرأة والحب. غير أنه كان يعاني على نحو متناقض من تبعات شعبيته الواسعة، إذ انتشرت أعماله أحياناً بشكل مبتذل، حتى استُخدمت لتزيين علب الشوكولاتة؛ مما عزز الانطباع عن فنه بوصفه مفرطاً في العذوبة. لكن متحف أورسيه Musée d’Orsay، يعيد تقديمه بصورة مغايرة عبر معرضين: أحدهما مخصص لرسوماته التي تقدر بنحو 100 عمل، (بمبادرة من مدير مكتبة مورغان في نيويورك)، يبرز أهمية تقنياته الكلاسيكية ويكشف الصلات الوثيقة بينها وبين لوحاته، والآخر يضم مختارات من أعماله المبكرة خلال أول 20 عاماً من مسيرته، في إنصاف لفنان لم يكن مجرد نجم انطباعي، بل أيضاً رسام الحياة الحديثة وبهجة الناس البسطاء.

الرسام الفرنسي أوغست رينوار (خدمة المعرض)
نُظم المعرض الاستعادي “17 مارس (آذار) – 19 يوليو (تموز) 2026” بالتعاون مع المتحف الوطني في لندن ومتحف الفنون الجميلة في بوسطن، مقدماً قراءة متجددة لأعمال بالغة الشهرة يصعب اليوم تلمس حداثتها الأولى. ويضم نحو 50 لوحة أنجزها بين 1865 و1885، في ذروة انخراطه في التجربة الانطباعية إلى جانب إدوار مانيه وكلود مونيه وبيرت موريسو وإدغار ديغا وغوستاف كاييبوت، مساهماً في بلورة «الرسم الجديد» بحسب إدمون دورانتي. ويحضر للمرة الأولى هذا النتاج الواسع من «مشاهد الحياة الحديثة»، وهي لوحات متعددة الشخصيات والموضوعات. وفي قلب المعرض، تتصدر لوحة “حفل راقص في طاحونة لا غاليت” (1876) بوصفها ذروة التصوير الانطباعي للحياة الشعبية في مونمارتر، بعد مرور 150 عاماً على إنجازها.
المرأة والحب
كيف يمكن اليوم فهم علاقة أوغست رينوار بالحب، وهو الذي مجد النساء في لوحاته، وفي الوقت نفسه أطلق نكات ساخرة ذات نزعة ذكورية؟ يروى أنه قال لتاجر الفن أمبروز فولار في سياق الحديث عن رسوم لعاريات: «هذه مجرد دراسات أنجزتها انطلاقاً من خادماتي؛ بعضهن وقفن أمامي برهافة تكاد تُشبه صفاء الملائكة. لكن ينبغي أن أضيف أنني لست صعب الإرضاء كثيراً. فأنا أتكيف بسهولة مع أي جسد عابر يصادفني، مهما بدا بسيطاً أو مبتذلاً، شرط أن أعثر على بشرة لا تنفر من الضوء». لم تكن موديلات رينوار مجرد عارضات، بل جزء من حياته اليومية والعاطفية المفعمة بالحب والدفء. وحين قال «لم أرسم امرأة قط دون أن أحبها»، لم يكن يعبر عن عاطفة فحسب، بل يؤسس مبدأ جمالياً يرى أن النظر نفسه فعل انجذاب، وفي الرسم رغبة في امتلاك بصري. ذلك ما تؤكده الممثلة الفرنسية جان ساماري التي كانت من أشهر عارضاته قولها: «لم يكن أوغست رينوار من ذلك النوع الذي يتزوج؛ إنه يتزوج كل النساء اللواتي يرسمهن… بريشته».

الحب الراقص (خدمة المعرض)
جعَلتْ ألوانه المشرقة ومشاهد المتنزهات الشعبية والرقصات العامة منه «رسام السعادة». وهي سمعة أدت الى تهميشه أحياناً بين كبار الحداثيين، إذ رُبطت الحداثة بالكآبة أو السخرية وخيبة الأمل. وكان رينوار يقول: «أعلمُ جيداً أنه من الصعب تقبل أن تكون لوحة عظيمة وهي تحتفظ ببهجتها». ومع ذلك، تقدم أعماله تأملاً أصيلاً في الحداثة، تحت علامة الحب، بوصفه قوة تنظم العلاقات الإنسانية، وشعوراً يوجه نظرة الفنان إلى العالم، والرسم معاً.
في الواقع، وعلى خلاف معظم زملائه المنحدرين من أوساط برجوازية، لا سيما إدغار ديغا، كان أوغست رينوار ابن بيئة متواضعة. فوالده خياط ووالدته خياطة. انتقل طفلاً إلى باريس حيث بدأ تعلمه في ورش زخرفة الخزف، قبل أن يلتحق بمدرسة الفنون الجميلة عام 1861، ويتدرب في مشغل الرسام شارل غليير، حيث تعرف على مجموعة من الفنانين الشباب الذين سيصبحون لاحقاً رموزاً في الحركة الانطباعية، من بينهم كلود مونيه، ألفريد سيسلي، وفريديريك بازيل.
في سبعينيات القرن الـ19، انخرط رينوار في الانطباعية، محتفياً بالضوء والحركة واللحظة العابرة. غير أن هذا الانتماء لم يكن ثابتاً، إذ سرعان ما شعر بحدود هذا الاتجاه، ليصل في بداية ثمانينيات القرن الـ19 إلى ما وصفه بـ”الطريق المسدود”. شكلت رحلته إلى إيطاليا عام 1881 منعطفاً حاسماً، إذ دفعه تأثره برافائيل إلى أسلوب أكثر صرامة في الخط واهتماماً بالبنية التشريحية للشخصيات فيما عُرف بـ«الفترة الإينغرسية». هذا التحول لم يلقَ قبولاً لدى الانطباعيين، كما أنه لم ينسجم تماماً مع الذائقة الأكاديمية التقليدية، لكنه شكل عاملاً مؤثراً في أجيال لاحقة، مثل بيكاسو وماتيس وبونار.
الضوء واللون وبطولة اللوحة

الحائمة بريشة رينوار (خدمة المعرض)
بعكس بعض زملائه الذين ركزوا على المناظر الطبيعية (مثل مونيه)، اهتم رينوار بالجسد البشري، والحياة الاجتماعية، والعلاقات الإنسانية. تظهر أعماله احتفاء بالحياة في أبسط تفاصيلها، من النساء اللواتي يغسلن ملابسهن على ضفاف النهر، إلى الراقصات في الحفلات الباريسية، أو النساء العاريات في حدائق غناء. غير أنه تميز بحس فريد من التعاطف وقدرة على الدهشة، إذ لم يكن يختار سوى موضوعات سعيدة، ويحرص دائماً على إبراز نماذجه في أفضل صورة. وتتجلى هذه الروح في موضوعاته التي تمحورت حول مشاهد الترفيه الباريسي (المقاهي والرقصات والحدائق والمنتجعات والغداء على القوارب، وعلى ضفاف السين)، وفي أسلوبه القائم على انسجام الحركة والضوء وتوازن الألوان.
لم يترك رينوار الجسد يذوب في الاهتزازات الضوئية، بل منحه كثافة حسية، حيث يتداخل الضوء والحرارة ليمنحا البشرة توهجاً أقرب إلى فاكهة غضة. متأثراً بتيسيانو وبيتر بول روبنز، مزج الانطباعية بتقاليد كلاسيكية في تصوير الجسد لا سيما في موضوع المتسحمات الشقراوات. ويختصر ابنه المخرج السينمائي جان رينوار هذه العلاقة بقوله، “إن نظرة الفنان إلى موديلاته يحكمها السعي إلى إبراز جمالهن بأي ثمن”.

الحب والطبيعة (خدمة المعرض)
ويكشف المعرض تفضيله تصوير الثنائيات الشابة، بعيداً من العاطفية المباشرة أو الإيروتيكية المفتعلة. متأثراً بـأنطوان واتو وفرانسوا بوشيه وجان أونوريه فراغونار، أعاد إحياء أجواء «الاحتفالات الغزلية» بروح من الحرية والمساواة. وفي سياق حياة بوهيمية وتناقضات اجتماعية حادة في القرن الـ19، بدت لوحاته عن الثنائيات السعيدة، كما وصفها صديقه جورج ريفيير، بمثابة بيان جمالي في مواجهة العزلة وتوترات العلاقات بين الجنسين في باريس أواخر الإمبراطورية الفرنسية الثانية وبدايات الجمهورية الثالثة.
احتفال بالحياة
لأول مرة منذ عام 1985 في باريس، يقدم هذا المعرض الاستعادي مختارات مركزة من المرحلة الأولى في مسيرة أوغست رينوار، تضم أعمالاً مفصلية مثل: من «لا غرونويير» (1869)، و«النزهة» (1870) و«المظلات» (1881–1885)، وصولاً إلى «غداء المراكبيين» (1880–1881)، المُعارة استثنائياً من مجموعة فيليبس في واشنطن. تُعد هذه اللوحة من أبرز إنجازاته في تصوير المجتمع الحديث. إذ تجمع على شرفة مطعم على ضفاف السين شخصيات من طبقات متقاربة في مشهد بلا مركز هرمي، حيث تتوزع النظرات والعلاقات في شبكة من التفاعل البصري والإنساني.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتؤكد الألوان الدافئة حضور الحياة بوصفها تجربة حسية ممتلئة، في احتفاء بالطبقة الوسطى الصاعدة خارج الأطر الأرستقراطية التقليدية. في هذه المرحلة، بدأ أسلوب رينوار يميل إلى مزيد من البناء والصلابة في الخطوط مع استمرار انشغاله بموضوعاته السابقة، وتشهد ثلاثيته «الرقص في بوجيڤال»، و«الرقص في المدينة» و«الرقص في الريف» على هذا التحول. لم يرسم رينوار باريس كعاصمة سياسية أو صناعية، بل كجسد حي من العلاقات: رقص، ضحك، جلوس، مراقبة، ولهو وحب. وفي قلب هذا العالم، تغدو الطبقة المتوسطة بطلاً خفياً للحداثة، يعيش في المقاهي والحدائق والمسارح، حيث يصبح الضوء ذاته لغة اجتماعية.
تُنظر أعمال أوغست رينوار اليوم أحياناً بوصفها ذروة «الذوق البرجوازي الصغير»، وتُستحضر كثيراً كمثال على التصور الجماعي للجمال، ومع ذلك، فقد قدمت هذه الأعمال رؤية مميزة داخل الانطباعية، تقوم على تحويل اليومي والعابر إلى لحظة شاعرية مضيئة. وإن لُقب بـ«رسام السعادة»، فإن هذا التوصيف يختزل تجربته، لأن مساره ظل مشدوداً إلى توتر خلاق بين الحرية والانضباط، بين الانطباعية والكلاسيكية؛ توتر بدأ برفض نقدي، وانتهى إلى تكريس أعماله كمنعطف أساس في تشكل الحداثة الفنية.
