في أولى تجاربه الإخراجية، يخوض الكاتب المصري محمد صلاح العزب مغامرة مختلفة بفيلم “سفاح التجمع” الذي أثار جدلا واسعا منذ طرحه، بعد أزمة رقابية انتهت بحذف أجزاء منه وسحبه لأيام من دور العرض قبل إعادته مجددا، إضافة إلى إعلان أسرة المتهم المعروف إعلاميا بـ”سفاح التجمع” عن دعوى قضائية تطالب بوقف عرضه.
في هذا الحوار مع الجزيرة نت، يتحدث العزب عن كواليس ما جرى مع الرقابة وتأثيره على الفيلم وإيراداته، ورؤيته لتقديم قصص القتلة المتسلسلين وحدود الاقتراب من الجرائم الحقيقية في الدراما، إلى جانب اختياراته الفنية وتجربته الأولى في الإخراج.
اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list
كيف ترى الأزمة التي حدثت مع الرقابة والتي انتهت بحذف 8 دقائق من الفيلم؟ هل أضرت بالعمل أم منحته دعاية أكبر؟
بكل تأكيد أضرت بالفيلم، فقد خسرنا إيرادات موسم العيد والزخم الطبيعي للمشاهدة. النسخة التي عرضت في وقفة العيد كانت محذوفا منها بالفعل عدد من المشاهد، ثم جاءت نسخة لاحقة حذف منها أكثر من ربع ساعة، فكل ما جرى كان ضد مصلحة الفيلم.
ما حدث لم يصنع دعاية إيجابية. حتى لو افترضنا أنه أثار فضولا، فليس هناك عروض بعد السادسة مساء بسبب قرارات الإغلاق الحالية في مصر، وهي حفلة الذروة. الجمهور في هذه الأوقات يكون في العمل أو الدراسة، فقلت الحركة على السينمات، وتراجعت الإيرادات عموما إلى أقل من الربع، ولم تتحقق إيرادات تذكر.
أثناء العمل على الفيلم ضمن سقف رقابي محدد.. هل توقعت أن تصل الأمور إلى هذا الحد من التدخل؟
على العكس تماما. صحيح أن الرقابة تدخلت أكثر من مرة منذ البداية، لكن لم أتوقع أن ينتهي الأمر بهذا الحجم من الحذف.
التعديلات تمت على أربع مراحل: بداية من مرحلة المعالجة التي شهدت ملاحظات عديدة، ثم حذفت مشاهد من النسخة الأولى، وأخرى من النسخة الثانية المصورة، وتكرر الأمر لاحقا. في النهاية حذفت أجزاء كبيرة من السيناريو ومن النسخة المصورة، رغم أنني كنت أعمل برؤية رقابية ذاتية “معتدلة” لأتجنب استفزاز المجتمع أو الاصطدام المباشر مع الرقابة.
هل انحصرت ملاحظات الرقابة في مشاهد العنف؟
لا، تم الحذف بشكل متحفز ودون مبرر واضح في كثير من الأحيان. على سبيل المثال، هناك مشهد لرجل يعتدي بالضرب على زوجته، وهو مشهد يعرض في الدراما التلفزيونية عادة دون حساسيات تذكر.
كذلك كان هناك اتفاق شفهي مع مديرة الرقابة على وجود مشهد واحد لتعاطي مخدر “الآيس” باعتباره جزءا من شخصية مدمن، لكن بعد الانتهاء من النسخة المصورة حذف هذا المشهد أيضا، رغم الاتفاق المسبق عليه.
إلى جانب الأزمة الرقابية أعلنت أسرة المتهم عن رفع دعوى قضائية لوقف عرض الفيلم.. ما تعليقك؟ وهل حدث تواصل بينكم وبينهم؟
لا، لم نتواصل معهم. الفيلم لا يتناول قصة ابنهم، لكنهم يحاولون دائما ربط أنفسهم بالعمل والظهور من خلاله.
في النهاية، القضاء هو الفيصل، وأنا أثق في عدالة القضاء. ما يقومون به لا يتجاوز كونه “طلقات في الهواء”.
قدمت سابقا مسلسل “سفاح الجيزة” مع المخرج هادي الباجوري.. ما الذي دفعك هذه المرة إلى خوض تجربة الإخراج بنفسك؟
منذ البداية كنت أنوي تقديم هذه القصة في صورة مسلسل، وقررت أن أخرجها بنفسي، واتفقت مع المنتج على ذلك. كنت أريد تقديم تصور بصري محدد لشكل العنف والتعذيب، ولا أرغب في دخول رؤية أخرى مختلفة على هذا الجانب.
اتفقنا أنا والمنتج أحمد السبكي على هذه الرؤية وكان مقتنعا بها، ثم تحول المشروع لاحقا إلى فيلم سينمائي مع احتفاظي بنفس التصور الإخراجي.
وما أبرز التحديات التي واجهتك في أولى تجاربك الإخراجية؟
لم تكن هناك “صعوبات” بالمعنى التقليدي بقدر ما كانت تحديات مرتبطة بتنفيذ المشاهد كما أتصورها. كنت حريصا خصوصا في مشاهد التعذيب على ألا تنفذ باستخدام “دوبلير”، بل يؤديها الممثلون بأنفسهم مع توفير كل عناصر الأمان.
لذلك عملنا بشكل مكثف على هذه المشاهد، لضمان أن تخرج قاسية وواقعية، وفي الوقت نفسه آمنة وسلسة في التنفيذ، خاصة مشاهد التعذيب و”الأكشن”.
ما أصعب المشاهد التي واجهتكم أثناء التصوير؟
هناك عدة مشاهد صعبة، منها مشهد إدخال الكرافتة بالكامل في فم الممثلة آية سليم، ومشهد إلقاء الممثلة مريم الجندي في الصحراء، حيث صورنا في موقع حقيقي بالقرب من وكر ثعالب.
هذه المشاهد كانت مرهقة في التنفيذ، لكن تعاون الممثلين وشجاعتهم ساعدا كثيرا في خروجها بالشكل المطلوب.
قدمت من قبل “سفاح الجيزة”.. هل تميل لتناول شخصيات القتلة المتسلسلين؟ وهل يعود ذلك لاهتمام الجمهور بهذا النوع من القصص؟
لم يكن هذا الميل مقصودا. بطبيعتي أميل إلى تجارب مختلفة. عندما عرفت تفاصيل هذه القضية في البداية لم أكن مهتما بتقديمها لأنني كنت قد قدمت بالفعل “سفاح الجيزة”، لكنني اكتشفت أن الفارق بين العملين كبير.
الرابط الوحيد بينهما هو فكرة “القاتل المتسلسل”، لكن كل شيء آخر مختلف: الثقافة والمكان والتفاصيل والدوافع. هذا الاختلاف هو ما جذبني وشجعني على خوض التجربة.
كيف حرصت أثناء تقديم الجوانب الإنسانية على تجنب تحويل الشخصية إلى بطل أو تبرير أفعاله الإجرامية؟
هذا أمر شديد الخطورة، أن ينقلب المشاهد متعاطفا مع مجرم. في “سفاح الجيزة” تعمدت أن يبدو البطل شخصا متدينا وسمحا ومحبوبا، لكنني في المقابل كتبت مشاهد العنف بصورة قاسية جدا، ليظهر وجهه الحقيقي كمجرم عنيف، وأن ما يقدمه من صورة طيبة ليس إلا قناعا يخفي جرائمه، فلا يحدث تعاطف معه.
في “سفاح التجمع”، ركزت على إظهار ضعف الضحايا والظروف الاجتماعية القاسية التي مروا بها، وأنهم لا يستحقون ما تعرضوا له، بحيث تخرج الصورة للجمهور منفرة من الجريمة نفسها، من دون خلق أي تعاطف مع الجاني. هذا التوازن مقصود ويتخذ بقرار واع أثناء الكتابة.
كيف ترد على الانتقادات التي ترفض تقديم مجرمين على الشاشة وتحذر من تحويلهم إلى “أبطال”؟
أعتبرها نظرة سطحية. أدب الجريمة موجود منذ مئات السنين، وهذا النوع قدم في السينما والمسرح والدراما بأشكال مختلفة. لا يمكن اليوم أن نسأل: لماذا نقدم هذه القصص؟ هي جزء من تاريخ الفن.
إذا كان هناك من يراها بشكل سلبي ويخشى أن تدفعه للتقليد، فهذه مشكلته هو. بالنسبة لي، لا أتعامل معها باعتبارها “وعظا” أو “توعية”، بل أقدمها أولا كعمل فني، والجمهور حر في طريقة تلقيه.
الفيلم يمزج بين الاستلهام من الواقع وبين الدراما.. كيف تعاملت مع هذا الجانب؟ وما مصادر بحثك؟
في كل عمل أقدمه أحرص على بحث استقصائي حول الموضوع. في مسلسل “النمر” مثلا، الذي تناول عالم الصاغة، درست تفاصيل هذا العالم جيدا. في “سفاح التجمع” أجريت بحثا حول شخصية السفاح وسيكولوجيته، واستعنت باثنين من المستشارين النفسيين إلى جانب مستشار قانوني.
اعتمدت أيضا على كل ما نشر عن القضية والمواد المتاحة حولها، وهو ما ساعدني في بناء عمل أقرب ما يكون إلى الواقع، مع الحفاظ على مساحة الدراما.
في البداية كان مطروحا اسم حسن الرداد لبطولة “المسلسل”.. لماذا استقر الاختيار في “الفيلم” على أحمد الفيشاوي؟ وهل تراجع الرداد عن التجربة؟
بالفعل، تحدثنا مع حسن الرداد في البداية عندما كان المشروع مسلسلا من 8 حلقات، لكن المشروع توقف لفترة، ثم قررت تقديمه في فيلم سينمائي.
عندما عدنا للمشروع وسألني المنتج عن البطل، رشحت أحمد الفيشاوي. قدم الشخصية بشكل كامل، وكانت ردود الفعل على أدائه إيجابية، لأنه استطاع أن يحتل المساحة التي تحتاجها هذه الشخصية. بذل مجهودا كبيرا في التحضير للشخصية واتباع نظام غذائي للوصول إلى الشكل المناسب، مع دراسة دقيقة للأداء والانفعالات، وأعتقد أنه قدم واحدا من أهم أدواره في الفترة الأخيرة.
