لم تنفكّ الحرب تمدّ الفنّ السابع بمادته الأكثر إثارةً. منذ البدايات الأولى، في أواخر القرن التاسع عشر، وجدت النزاعات الدموية طريقها إلى الشاشة الكبيرة، لتتحوّل من وقائع ميدانية إلى صور عنيفة وصادمة. ففي “إزالة العلم الإسباني”، العائد إنتاجه إلى عام 1898، نشهد لحظة رفع العلم الأميركي المرصّع بالنجوم، ذاك العلم الذي سيغدو لاحقاً أيقونة بصرية تتكرّر في عدد لا يُحصى من الأعمال السينمائية. وفّرت الحرب مادة درامية استثنائية، إذ وضعت الإنسان في مواجهة حدوده القصوى، حيث تتقاطع الحياة والموت، وتقترن الشجاعة بالخوف والعجز.

لكن، ماذا عن السينمائيين حين يجدون أنفسهم وقد أصبحوا شهوداً سلبيين على ما يجري، من دون أي قدرة على التقاطه؟ تلك هي المعضلة التي تتبدّى اليوم بوضوح، تحت وطأة شعور طاغ بقلّة الحيلة، في فلسطين ولبنان وإيران وغيرها من الأماكن. كثرٌ منهم يكتفون بتلقّي ما يدور من حولهم بصرياً وسمعياً، عبر وسائط لا تتيح لهم سوى الاستقبال. لا نتحدّث هنا عن سينما قادرة على احتواء الأحداث الراهنة وتجسيدها على الشاشة، فلا يزال الوقت مبكراً على بلورتها، رغم محاولات متسارعة مثل “صوت هند رجب”، الذي سعى إلى التقاط بعض من الآثار الكارثية على الأرض، من خلال مأساة طفلة وعائلتها قضوا تحت القصف الإسرائيلي. إنما الحديث ينصرف، بالأحرى، إلى الكيفية التي يتعاطى بها بعض السينمائيين مع لحظة العجز هذه، حين ينحسر دورهم إلى مجرّد شهود عبر شاشات وسيطة تفصلهم عن الواقع، وتضاعف شعورهم بالمسافة والاختلال.

 

 

جعفر بناهي.

جعفر بناهي.

 

أكثر من 80 ألف قتيل في غزة، ومئات آخرون في لبنان وإيران ودول الخليج منذ انطلاق ما يُسمّى بـ”طوفان الأقصى”، بلا تمييز بين إنسان وآخر. جميعنا متفرجون، مهما تشدّقنا بالانحياز لطرف أو آخر، ومهما آمنّا بقضية أو بحقّ. جميعنا بلا استثناء، محاصرون في وضعية مَن يشاهد فيلماً في صالة مظلمة: نشعر بالهول، نتابع الأحداث، نتأثّر بها، لكننا عاجزون عن التدخّل، وعن قلب المشهد أو تغييره. المأساة تحيط بنا من كلّ حدب وصوب، وكلّ ما يمكننا فعله هو المُشاهدة والاستيعاب والانصات.

من بين الشخصيات السينمائية التي استأثرت باهتمام واسع في الأيام الأخيرة، يبرز اسم المخرج الإيراني جعفر بناهي، الذي عاد إلى بلاده بعد جولة غربية استمرّت أشهر عدة للمشاركة في حملة الـ”أوسكار”، مدركاً أنه قد يواجه حكماً بالسجن صدر في حقّه غيابياً، على خلفية إنجازه “حادث بسيط”، الذي فاز بـ”سعفة” كانّ العام الماضي. يقول بناهي إنه لا يملك سوى جواز سفر واحد، ويرغب في الاحتفاظ به: “بلدي هو حيث أستطيع أن أتنفّس، حيث أجد سبباً للعيش، وحيث أجد القوة على الخلق. إني أعرف الثمن الذي سأدفعه، وأقبل بكلّ ما يأتي معه”.

 

 

محمد رسول أف.

محمد رسول أف.

 

يرفض بناهي توصيف نفسه بطلاً، متسائلاً: “بطولة نسبةً إلى ماذا؟”. في مقابلة مع برنامج “ذا دايلي شو” الأميركي، بدا مقدّم البرنامج متعجّباً من هذا الموقف، مستغرباً كيف لا يرى في سجنه لعدة أشهر احتجازاً خطيراً لحريته، مقارنةً بمَن قضوا سنوات طويلة خلف القضبان. ضحك بناهي بسخرية مرة. الأمر نفسه ينطبق على قراره العودة إلى إيران، رغم إقامته في لوس أنجلوس لأيام، حيث كان بإمكانه أن يبقى فيها ويعمل بحرية. يختصر موقفه بالقول: “نصف كينونتي في إيران. عائلتي، أصدقائي، وزملائي هناك. حين يكون نصفك في مكان، كيف يمكنك أن تعيش خارجه؟”.

سعى بعضهم إلى تأطير هذه التجربة ضمن خطاب فضفاض عن “أبناء الحضارات القديمة” أو “الجذور الضاربة في التاريخ”، وكأننا أمام قطعة أثرية معروضة في متحف، لا فنّان يتدبّر أمره ضمن شروط تصوير معقّدة وسياق سياسي وثقافي محدّد. والحال أن بناهي هو، قبل أي شيء، ابن واقع إيراني يشتغل من داخل منظومة مقيدة، ولم يبنِ حضوره العالمي عبر انخراط فعلي في فضاءات سينمائية خارج بلاده، لا من حيث الصناعة ولا من حيث اللغة. موضوعه محض إيراني، خصوصاً انه تكرّس اسمه من خلال اشتغاله على القمع، أي عبر تحويل هذا الواقع الضاغط إلى مادة سينمائية. أما خطاب “الحضارات”، فليس سوى إسقاط، يُحمِّل الواقع ما لا يحتمل، وتُلصَق به سرديات أكبر بكثير من بساطته الفعلية، خصوصاً أن لا أحد “مقطوع من شجرة”، كلّ الشعوب تمتلك جذوراً، وكلّ إنسان يحمل طبقات من التاريخ، شرقاً وغرباً. حتى الأميركي، الذي يُقدَّم أحياناً بوصفه بلا عُمق تاريخي، يحمل بدوره امتدادات مركّبة: من إرث السكّان الأصليين إلى الهجرات الأوروبية، وصولاً إلى تشكّل هوية حديثة عبر قرون عدة. المسألة، في جوهرها، لا تتعلّق بمفاضلة بين “حضارات”، وإنما بمسألة الحرية التي توفّر مناخاً صحياً للخلق. فالإنسان، حين تضيق به السبل، ويتعرض للقتل الممنهج منذ عقود على يد السلطة التي تحكمه، قد يختار أو يُجبَر على مغادرة بلده وعدم العودة، كما فعل كثر عبر الزمن، لتغدو السينما—كما قال غودار— ”وطناً بديلاً“ يحيا داخله. من هذا المنظور، يبدو اختزال تجربة فنّان أو موقف سياسي في خطاب عن “الأصول” انزلاقاً نحو رومنطيقية ثقافية وشوفينية مريحة، لكنها عاجزة عن تفسير التعقيد الفعلي للعالم الذي نعيش فيه.

 

 

عباس كيارستمي في منزله. 

عباس كيارستمي في منزله. 

 

في هذا السياق، تكتسب شهادة المخرج الإيراني الآخر محمد رسول أف بُعداً إنسانياً مكمّلاً لما سبق، وتكشف، من زاوية أخرى، موقع الفنّان حين يتقاطع الخاص مع العام. فعندما التقيته في مهرجان لوكارنو الأخير الصيف الماضي، ومع اقتراب نهاية اللقاء، وجدتُ نفسي أمام سؤال مؤجَّل، كنت أدرك منذ البداية حساسيته: الهجمة الأميركية – الإسرائيلية على إيران. لم يكن سؤالاً يُطرَح بخفّة، في ظلّ تعقيدات الشخصية الإيرانية، حيث تتداخل المعارضة السياسية مع حسّ وطني قد يتقدّم، في لحظات الخطر، على ما عداه. لكن ما إن طُرِح، حتى تبدّل وجه رسول أف على نحو دراماتيكي. المشاعر التي ظلّ يكبتها طوال اللقاء انفجرت دفعة واحدة، ولم يتمكّن من حبس دموعه. كان تأثّره طاغياً حدّ أنّ المترجمة نفسها انساقت إلى البكاء، لنجد أنفسنا، نحن الثلاثة، في لحظة صمت ثقيل، نحاول لملمة انفعالاتنا والتقاط أنفاسنا. ثم، قال: “كان الأثر النفسي مدمّراً. لا أظنني أستطيع حتى الآن التعبير الكامل عمّا شعرت به”.

في موازاة هذه الشهادات، تطلّ وجوه أخرى من المأساة، لتموضعنا في المزيد من التعقيد. فقد طاولت الغارات الجوية جزءاً من منزل المخرج الإيراني الراحل عباس كيارستمي الواقع في شمال طهران، متسبّبةً ببعض الأضرار الخفيفة. سارعت الجهات الرسمية إلى توظيف الحادثة باعتبارها مؤشّراً إلى هجوم أشمل يستهدف التراث الثقافي والحضاري للبلاد. وفي تصريح رسمي، تم استدعاء إرث كيارستمي، مع اشارة بشكل خاص إلى فيلمه “طعم الكرز” المتوَّج بـ”السعفة الذهب”، لتعزيز فكرة أن ما يحدث يندرج ضمن مساع تمسّ جوهر الهوية الإيرانية. لسوء حظّ المدلّسين، جاء الرد من ابن الراحل، أحمد كيارستمي، الذي ذكّر السلطات بما تعرض له والده من اهانات لدى عودته من كانّ في العام 1997، كما ذكّر بالحادثة التي تمثّلت في ردود الفعل العنيفة التي واجهها حين أثارت قبلته على خدّ كاترين دونوف موجة استنكار عارمة، وختم مطالباً بـ”عدم الزج باسم والده في خطابات السلطة”.

 

 

 

لم تكن “النجاة” التي حظي بها منزل كيارستمي من نصيب سواه. ففي حال المخرج والفنّان المعاصر اللبناني علي شري، اتّخذت المأساة منحى أكثر قسوة وفداحة. إذ قُتِل والداه في غارة إسرائيلية استهدفت مبنى سكنياً في بيروت أواخر عام 2024، في واقعة دفعته إلى التقدّم بشكوى أمام القضاء الفرنسي، مطالباً بفتح تحقيق في جرائم حرب. لم يكن تحرّكه قانونياً فحسب، وإنما أخلاقي كذلك، إذ رأى في موقعه كابن ومواطن وضحية، مسؤولية توثيق ما حدث، والسعي إلى محاسبة المسؤولين، كي تُعرَف أسماؤهم ولا يُترَكوا في دائرة الإفلات من العقاب. هكذا، بلغ التداخل بين الشخصي والعام ذروته: ذلك ان الفقد ما عاد شأناً خاصاً، بقدر ما أصبح محاولة أخيرة لمنح الموت المجاني معنى ما، أو أقله، لردع تكراره، لعلها تكسر حلقة العنف التي تبدو، حتى الآن، عصيّة على الانقطاع.

دائماً من لبنان، ودائماً انطلاقاً من الخسارة، كانت المخرجة ومصمّمة الصوت اللبنانية رنا عيد روت لي انها فقدت منزلها وهي طفلة، ولم تكن حينها تدرك تماماً حجم ما يحدث، لكنها شعرت، حتى في سنّها اليافعة، بمعنى الاقتلاع. بقيت آثار تلك الصدمة في داخلها لتتفجّر لاحقاً عبر الذاكرة السمعية، فخوفها ارتبط بالأصوات، وبخاصة أصوات الطائرات الحربية التي تطوّرت مع الوقت، لتصبح أكثر غموضاً ورعباً بالنسبة لها. تصف كيف يمكن لصوت وحيد أن يعيد إليها الشعور بالعجز والشلل، وكأن الصوت يفتح أبواب الماضي فيستدعيه إلى الحاضر. تتحدّث أيضاً عن قسوة الحرب التي تُشاهَد عبر الشاشات، رغم قربها الجغرافي، وعن مشهد مدينتها وهي تُقصَف، وما يرافق ذلك من اهتزاز الجسد واستحضار الألم القديم.

وإذا كان الألم، في حالتَي محمد رسول أف وعلي شري، يتجلّى كتجربة شخصية حادّة، تتقاطع فيها الخسارة مع الذاكرة، فإن صداه يمتدّ، على نحو مختلف، إلى فضاءات أخرى من المنطقة، إذ يتحوّل الإحساس بالخطر إلى دعوة مفتوحة لبث الوعي. في هذا الإطار، يبرز صوت المخرج الإماراتي نواف الجناحي، الذي ينطلق من موقع مغاير، لكنه يلتقي، في العمق، مع الهواجس نفسها: كيف يمكن الإمساك بلحظة تتفلّت باستمرار من قبضة الفهم؟ وكيف يمكن تحويل التجربة المعيشة بكلّ تناقضاتها إلى مادة قابلة للحفظ والتأمّل؟ غير أن ما يضيفه هذا الصوت الخليجي هو الإلحاح على بُعد آخر: الوعي. فالمعركة، كما يراها، لا تقتصر على ما يجري في الميدان، بل تمتد إلى كيفية إدراكه وقراءته. ثمة فجوة، أو انقطاع، بين واقع يتغيّر بسرعة، وأذهان لا تزال أسيرة تصوّرات قديمة، عاجزة عن مواكبة التحوّلات. في هذا المعنى، يتشكّل خيط غير مرئي يربط بين هذه التجارب المتباعدة جغرافياً: من لبنان إلى إيران إلى الإمارات. خيط قوامه الإحساس بالعجز من جهة، والإصرار على الشهادة من جهة أخرى.

هناك أيضاً مَن فضّل أن يستل الكاميرا ويتصرف على الفور. خلال عرض فيلمه “حكايات الأرض الجريحة” في مهرجان لوكارنو الأخير، كشف المخرج العراقي عباس فاضل (مقيم في جنوب لبنان) عن تجربته في توثيق الحرب اللبنانية من قلب الحدث. بينما فرّ العديد من المخرجين اللبنانيين إلى الخارج، بقي هو في الميدان، مصوّراً ما يمكن تصويره منذ الضربات الإسرائيلية الأولى قبل أكثر من عامين حتى وقف إطلاق النار وعودة السكّان إلى القرى. بدأ من دون رؤية واضحة للفيلم، لكنه جمع مواد غنية شكّلت لاحقاً هيكل العمل. استخدم كاميرا بسيطة وأحياناً هاتفه المحمول، مؤكّداً أن التقنية لم تعد عائقاً وأن الأهم هو ما يُحكى وكيف يُحكى. اعتمد على البساطة والحضور المتواصل في المكان. يبرز موقفه الميداني كخيار أخلاقي وفنّي، مختلف عن زملائه الذين فضّلوا التغييب. في نظره أن التوثيق الشخصي للحظة هو الطريقة المثلى لفهم ما يحدث.

في ختام هذا المشهد الأبوكاليبتي، يعود الصوت إلى الداخل، إلى تلك المساحة التي يحاول فيها الفنّان أن يمنح الأشياء معنى يتجاوز القراءة السياسية التقليدية. يستعيد المخرج اللبناني نديم تابت عبارة من “زيارة أو مذكّرات واعترافات”، وثائقي للمخرج البرتغالي مانويل دي أوليفيرا: “الناس يصبحون أجمل بعد معاناة”. عبارة تبدو، في ظاهرها، عزاءً معنوياً، أو محاولة للإيمان بأن المعاناة قادرة على صقل الإنسان. لكن هذا الإيمان يُختبَر على نحو قاسٍ، فيما تتردّد في الخلفية أصوات القصف، وتسقط القنابل الإسرائيلية في سماء لبنان. يتساءل تابت، بنبرة تجمع بين السخرية والمرارة، إن كانت رحلته السابقة إلى الفاتيكان تحمل أي دلالة، أي إشارة خفيّة وسط هذا الخراب. ثم يضيف، في تأمّل يختلط فيه الإيمان بالشك، أنه رغم عالم يبدو متواطئاً، أو عاجزاً عن وقف ما يحدث، من غزّة إلى جنوب لبنان، لا يزال يتمسّك بأملٍ ضئيل، بأن صلاة عابرة، بلغة أخرى، قد تُنصف بلداً يوشك أن يُستنزَف بالكامل.