تردد قبل أيام اسم د. أمل مصطفى محمود، تزامنا مع بداية مشروع كتابة مسلسل عن حياة المفكر الكبير د. مصطفى محمود، أبدت دكتورة أمل رغبتها فى الإشراف أو بتعبير أقل وطأة مراجعة السيناريو.
لا أتصور أن المسلسل الذى سيحمل توقيع كاملة أبوذكرى سيحقق لها ذلك، من الممكن أن تصبح فقط أحد المصادر الرئيسية التى سيلجأ إليها الكاتب محمد هشام عبية قبل الصياغة النهائية.
لدى قدر من التخوفات تحيط بالمسلسل، تعودنا على ذكر وجه واحد فقط للحقيقة، ينتصر عادة لأفكار الشخصية التى يتم تناولها.
بينما حياة د. مصطفى تمتلئ بالعديد من النقاط الخلافية وبعضها يتناقض حتى مع الرسالة التى نريد للمجتمع أن يتبناها .
العمق الذى بنى عليه د. مصطفى محمود منهجه ومرجعيته (العلم والإيمان)، يسعى للإمساك بهذا الخيط المشترك بينهما، تبدو علاقة جاذبة من الناحية النظرية، إلا أنها واقعيا تصطدم بتلك الحقيقة التى لا يختلف عليها أحد، العلم نسبى والإيمان مطلق، من الممكن مع الزمن اكتشاف نظرية تتناقض مع أخرى كانت مستقرة، قبل عقود أو حتى مئات من السنين، فهل نرجح وقتها كفة العلم أم الإيمان؟.
د. مصطفى محمود لم ألتقه، رغم أننى مثل الملايين أحببته، الصورة الذهنية المتداولة عنه تؤكد أنه ذكى وخفيف الظل، حياته جاذبة دراميا، مليئة بالانقلابات، عندما تصل للذروة تجد نفسك وقد انزلقت إلى السفح، وتلك المساحات التى قطعها بين الشك واليقين، بين الأبيض والأسود، بين السلم والثعبان، هى التى تحديدا تنتعش فيها الدراما.
ابنة دكتور مصطفى مثل كل الورثة لا تريد أن يرى الناس إلا وجها واحدا، الإيجابى بالطبع، وربما لا شعوريا، تجد نفسها بدون أن تقصد تمحو أى ملمح سلبى، حتى لو لم يكن كذلك فى زمنه، لكل عصر قواعده ومحدداته، ما كان مقبولا مثلا أن تتعامل معه ببساطة فى الستينيات، من الممكن أن ينظر إليه الآن بقدر كبير من التوجس بل والتجريم بل والتحريم.
الورثة ربما لديهم أسرار خاصة لا يعرفها غيرهم، لا أستبعد أن تصبح ابنة د. مصطفى أحد أهم المصادر، ولكن ليس كل ما تقوله هو عين الصواب، لا يعنى ذلك أن الوريث لا يقول الحقيقة، غالبا يقول ما يعتقد أنه الحقيقة.
لديكم مثلا محمد شبانة، ابن اخ عبد الحليم حافظ، كان دون الخامسة عند رحيل العندليب، بينما لا يتوقف عن توثيق حكايات وتكذيب أخرى، منذ نحو ١٠ سنوات وهو يصر أن جسد عمه عبد الحليم لم يتحلل تحت الأرض مثل كل البشر، عندما كان هناك تخوف من تسريب للمياه الجوفية إلى مقبرة الأسرة، شاهد بنفسه عمه كما نراه الآن جميعا فى الصور.
يبدو أنه من فرط حالة الحب التى يعيشها، جنح به خياله وصدق أن عبد الحليم، كما كان أسطورة فى حياته، بعد رحيله بقرابة نصف قرن، لا يزال أسطورة، حتى وهو تحت التراب.
الورثة يعرفون فقط بعض الحقائق، مثلا كم مرة أحب د. مصطفى محمود ومن هى التى أحبها؟ لو سألت ابنته غالبا لا تعرف الإجابة، لو سألت الكاتب الراحل أنيس منصور وكان صديقا له منذ مطلع الخمسينيات فسوف يمنحك الإجابة، الورثة يملكون رؤية وجه واحد من الصورة، بينما الدراما تقدم رؤية لها أربعة أبعاد، الطول والعرض والعمق وأيضا البعد الرابع والأهم وأعنى به الزمن، حياة مصطفى محمود وأفكاره أراها مثل اللعبة الشهيرة (السلم والثعبان)، أحيانا تدفع به الأقدار إلى أعلى سلم، وأحيانا يلدغه ثعبان!!.
