ينتمي الفيلم الوثائقي إلى الشكل السينمائي، فهو وإنْ كان يوظف في التداول الثقافي اليومي كجنس صحافي داخل فضاء الشاشة الصغيرة، يظلّ في شكله الأصلي نموذجًا سينمائيًا مستقلًا عن نظيره التخييلي. بيد أن استعمال الوثائقي في الإعلام المرئي له دلالات تقنية لا تختلف عن الفرق بين الفيلم السينمائي ونظيره التلفزيوني، إذْ هناك موضوعات، لا يمكن أن تصلح إلا للسينما، إذْ يصعب على المخرج أنْ يبلورها داخل الشاشة ومتخيلها. ونفس الأمر بالنسبة للوثائقي الموجّه للشاشة الصغيرة، حيث تكون دوافعه ترتكز على تقديم المعلومات ومعالجة قضايا اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية يسعى المخرج من خلالها إلى تقديم معارف أو الكشف عن خروقات أو تسليط الضوء على إشكالات ذات صلة بالمجتمع بشكل عام. في حين أن الوثائقي الموجّه إلى السينما يخترق المخرج عبره كل الحدود والسياجات التي عادة ما تضعها المؤسسات التلفزيونية أمام المخرجين، بسبب ما تُضمره بعض الأفلام الوثائقية من اشتغالات مكثفة وغنية تنتقد السياسات وتعرّي أعطاب المؤسسات وتبرز الكثير من أهوالها ونتوءاتها في علاقتها بالأفراد داخل الفضاء العام. كما أن هناك أفلامًا وثائقية، لا يصوّر فيها المخرج إلا ذاته وقصصه وحكاياته، حيث يكون الاحتفاء بتاريخ الجسد يحتل مكانة مركزية في تضاريس العمل الوثائقي.
يتميز الوثائقي الحقيقي بغزارة صُوَره وقدرته على خلق المعنى تجاه أحداث الواقع، بحيث تصبح الكاميرا وسيلة حقيقية لإدانة الواقع وجرحه. لكن على الرغم مما تضمره الوثائقيات من منزع “تخييلي” داخل بعض المَشاهد، وعيًا من بعض المخرجين بأنّ مفهوم الحدث التاريخي بالرغم من واقعيته وحقيقته، فإن الطريقة التي يتمثّل بها من شخص إلى آخر تضفي عليه بعضًا من “التخييل الذاتي” على مستوى الحكي، يبقى مفهوم “التوثيق” يشكل عنصرًا أساسيًا في بناء معالم هذا اللون السينمائي، بما يجعل معالمه الجماليّة تظلّ مختلفة وبمنأى عن الفيلم الروائي. ونظرًا لهذا المعطى التوثيقي في التصادي مع الوقائع السياسية والأحداث التاريخية الآنية يدفع هذا الأمر بشكل تلقائي العديد من الباحثين والمؤرّخين إلى اعتماد كآلية منهجية لقراءة صفحات من التاريخ الآني، بسبب الإمكانات التي تحبل بها الأفلام وقدرتها على خرق المجتمعات المعاصرة عبر براديغم الصورة، ومحاولة تقديم سرديّة تاريخية آنية تبتعد عن الشواهد الرسمية التي عادة ما يفرضها الخطاب السياسي الرسمي.
إن الوثائقي يزوّد المؤرّخ المهتم بالتاريخ الآني بمجموعة من الصور المستمدة من الواقع العَيني المباشر الذي ننتمي إليه كأفراد. فإذا كان مخرج الفيلم الروائي يتعامل مع الواقع وفق الزمن التخييلي الذي يُبلور عبره مجموعة من القصص والحكايات، فإنّ مخرج الوثائقي يتحدد مفهوم الاشغال عنده عبر مفهوم الزمن الواقعي. هذا الأخير، يدفع المؤرّخ المعاصر إلى التماهي مع صوره ومحاولة خلق رابط روحي مع الآلة السينمائية، بغية إنتاج مجموعة من الأفكار حول تاريخ المغرب الراهن. يُعرّف المؤرّخ والصحافي الفرنسي جون لاكوتير (1921 ـ 2015) التاريخ الآني في كونه “ذلك الخط المكوّن – بصورة أساسية وفي الوقت نفسه- من القرب الزمني لعملية التحرير من الموضوع المتطرّق إليه، ومن القرب الميداني بين الباحث والأزمة موضوع الدرس”. فالوثائقي السينمائي يمتلك هذه الخاصية على مستوى الانتماء إلى الحدث الآني، إذْ هناك مجموعة من الأفلام العربيّة، كانت قريبة من الربيع العربي والثورة السورية والحرب الروسية الأوكرانية وثورة 17 تشرين اللبنانيّة، بما جعلها تنتج جملة من الصور الوثائقية التي لا علاقة لها بالخيال، بقدر ما ترتبط ارتباطًا وثيقًا بمفهوم الحدث السياسيّ وما يرافقه من آثار نفسية وتصدّعات اجتماعية ومآزق اقتصادية تؤثّر على طبيعة حياة الأفراد داخل المجتمع. فالمؤرّخ المعني بالتاريخ الآني، يعثر في هذه الصور على نوع من العزاء العلمي، أمام غياب روايات شفوية أو وثائق مكتوبة تسعفه على كتابة التاريخ، حيث يجد نفسه أمام تاريخ ترويه الصورة.
يُعرّف المؤرّخ جون لاكوتير التاريخ الآني في كونه ذلك الخط المكوّن من القرب الزمني لعملية التحرير من الموضوع المتطرّق إليه، ومن القرب الميداني بين الباحث والأزمة
غير أن المأزق الذي يعاني منه في هذه الحالة المؤرّخ المعاصر، هو أن المخرج السينمائي يصبح ندًا له على مستوى صياغة الخطاب التاريخي الذي ينتجه المؤرّخ، خاصّة وأننا نعثر في التجربة السورية بين 2011 إلى حدود مرحلة سقوط نظام الرئيس بشار الأسد عام 2024، على أفلامٍ وثائقية تُجابه بصُورها ما كتبه العديد من الباحثين والمؤرّخين الذين يقدّمون أنفسهم كأشخاص يمتلكون المعرفة التاريخيّة وأنّهم يظلّون المصدر الوحيد لإنتاج هذه المعرفة. في حين أنّ التاريخ، لا نقرأه فقط في المصادر والمراجع والوثائق والسجلات والكنانيش المخزنية، بل ما نستنشقه في المعالم المعمارية والمواقع الأثريّة واللوحات التشكيليّة والأفلام والصور الفوتوغرافية والأوشام وغيرها من الوثائق التي تعتمد في أساسها على براديغم الصورة في تعاملها مع الحدث التاريخي، إذْ تستعرض أمامنا صفحات مطوّلة من تاريخ المغرب، بحكم وجود العديد من المصادر البصريّة التي تقدّم لنا معلومات مذهلة عن تاريخ المغرب خلال لحظات طويلة من تشكّل مساره التاريخي وبالتالي لها القدرة على أنْ تُعيد كتابة التاريخ الوطني، انطلاقًا من المدخل البصريّ المفقود داخل ممارسات البحث التاريخي في المغرب.
يشترك المؤرخ والسينمائي في الاهتمام بالواقع، لا باعتباره موضوعًا فقط وإنّما أيضًا بصفته مجموعة من العلامات التي يمتزج فيها الماضي والآني والمستقبل. فإذا كان المؤرّخ يطمح إلى تأريخ الواقع والتعامل معه بنوع من الموضوعية عبر تدقيق عملية النّظر في الوقائع ومحاولة عقلنتها وترتيبها وفق آلية تسلسلية، تجعل الوقائع تنمو ببطء ويتم إخضاعها إلى منطق الحدث، فإنّ السينمائي أيضًا له القدرة على التقاط التفاصيل المدهشة من الواقع وجعلها تمتطي سيرة المتخيل السينمائي، عبر آليات مختلفة من التوظيف البصريّ، إما على شكل حوارات تضمر جزءًا من الوقائع أو كعنصر صغير يوظّف داخل حكاية ما أو كفضاء سينمائي تتبلور فيها الحكايات وتكوّن لنفسها أفقًا سينمائيًا مغايرًا. على هذا الأساس، فإنّ المؤرّخ والسينمائي يعملان في كثير من الأحيان وبنفس الكيفية وفي أحيان أخرى نجد بينهما اختلافًا عميقًا يفرض على الباحث ضرورة تأمّل طبيعة وعلاقة المؤرّخ والسينمائي وما يريدانه من الحدث التاريخيّ.
“يشترك المؤرخ والسينمائي في الاهتمام بالواقع، لا باعتباره موضوعًا فقط وإنّما أيضًا بصفته مجموعة من العلامات التي يمتزج فيها الماضي والآني والمستقبل”
ينظر المؤرّخ إلى الوثيقة، باعتبارها شاهدة على زمن ولى، إذْ من خلالها يسعى المؤرّخ إلى كتابة التاريخ، بوصفه علمًا يقدّم مجموعة من المعارف، فكلّما ظهرت وثائق جديدة، سيحرص المؤرّخ على إعادة تأمّل التاريخ والعمل على تدقيق وقائعه وأحداثه، انطلاقًا منها. فقد ساهمت العديد من الاكتشافات الأثريّة الحديثة في المغرب في كتابة التاريخ وتطوّر البحث التاريخي عمومًا، بعدما كانت بعض كتاباته مبنية على فرضيات عامة واستنتاجات شخصية غير موضوعية، لكنْ مع بروز بعض الوثائق الأثريّة ساهم ذلك في تغيير مفهوم الحدث التاريخي، بما جعله ينعكس ويؤثّر على باقي الأحداث التاريخية الأخرى داخل البلد. إنّ كتابة التاريخ عبارة عن سيرورة علمية مستمرة لا تتوقف، فهي دائمة البحث عن مجهول هذا التاريخ.
بيد أنّ هذه السيرورة في الكتابة التاريخيّة، لا تتحدّد هويتها إلا من خلال مفهوم الوثيقة، إذْ تُعدّ الآلية الضرورية لتقدّم عملية البحث التاريخيّ. فما “يُميّز” المؤرّخ عن السينمائي في رؤيتهما إلى التاريخ ليس أنّ الثاني لا ينبغي له الاهتمام بالتاريخ، بل هناك العديد من السينمائيين المغاربة تسرعوا في تأمّل بعض الأحداث التاريخيّة، بحيث تعوزهم الوثائق وقلّة المقارنات التي يقوم بها المخرج. لذلك فإنّ الفيلم السينمائي التاريخي الحقيقي هو ذلك الذي يعمل مخرجه على الحفر في الأرشيفات التاريخيّة الأجنبية منها والوطنية والعمل على تفكيك السرديّة التاريخيّة المركزية الموجودة في الكتب والوثائق والمقررات الدراسية، صوب البحث عن أحداث تاريخيّة تُعيد كتابة الهامش واللامفكّر فيه في تاريخ المغرب، بما يجعل المخرج يساهم بقوّة في كتابة سرديّة تاريخ مضادّ ليس الغاية منه أنْ يقف سامقًا في وجه المؤسسات الرسمية، ولكن أنْ يُعيد الاعتبار إلى العديد من الظواهر الهامشية في تاريخ منطقة ما والعمل في الآن نفسه على “غربلة” التاريخ الوطني بكل ما يطبعه من رسميات تمجيدية، تجعل المؤرّخ يصبح بوقًا للمؤسسات السياسية، بدل أن يكون كائنًا يطارد الحقيقة وينقّب عن ملامحها داخل الأرشيفات التاريخيّة. لهذا فإنّ الفارق بين المؤرّخ والسينمائي، يتمثّل في ثنائية الكم والكيف. فإذا كان المؤرّخ يجمع الوثائق ويسلسلها ويحاول أنْ يخلق عبر المقارنات العلمية مجموعة من الفرضيات والاستنتاجات التي تلعب دورها في بناء المعرفة التاريخيّة، فإنّ السينمائي يتصرّف بقليل من المعطيات والملاحظات والوضعيات ويعمل من خلالها على بناء سرديّة تاريخيّة داخل عمل سينمائي يهجس بالتاريخ، لكنْ من دون أنْ يصل، في كثير من الأحيان، إلى عمق الخطاب التاريخيّ الذي يبلوره المؤرّخ الجاد على وجه التحديد.
