الشاعر العراقي ميثم راضي في برنامج “المعلّقة الشعرية” (صفحة البرنامج على إكس)

تحضر قصيدة النثر العربية اليوم بوصفها أبرز أشكال الكتابة الشعرية المعاصرة، وقد نجحت خلال السنوات الأخيرة في ترسيخ حضورها على يد أصوات شابّة، سواء من خلال النشر الورقي أو المنصات الرقمية. ومع ذلك، يظل سؤال الاعتراف المؤسسي حاضراً بقوة، خصوصاً حين يتعلّق الأمر بالجوائز الأدبية الكبيرة التي لا تزال، في معظمها، تميل إلى الأشكال الشعرية التقليدية، مثل أمير الشعراء وشاعر المليون وشاعر الرسول وغيرها من الجوائز ذات المكافآت الضخمة، أو حتى ترجّح كفّة أجناس كتابية أُخرى كالرواية.

هذا التباين يطرح إشكالية واضحة: كيف يمكن لشكل شعري يتمتع بانتشار واسع وتأثير ملحوظ في مجتمع المنطقة العربية، أن يبقى على هامش الجوائز؟ ضمن هذا السياق، أُعلنتْ مؤخراً نتائج الدورة الأولى من “جائزة مرفأ للشعر العربي”، وذلك تزامناً مع يوم الشعر العالمي في 21 مارس/آذار، حيث كشفت “دار مرفأ للثقافة والنشر” عن قائمة الفائزين: المركز الأول ذهب للشاعرة رُسل الموسوي من العراق، فيما حلّت الشاعرة أحلام بشارات من فلسطين في المركز الثاني، أما المركز الثالث فكان من نصيب الشاعر محمد حسني عليوة من مصر، وجاء في المركز الرابع الشاعر عاطف معاوية من المغرب. واللافت أن الأسماء الفائزة تعتبر من الفئة الشابة، وهي سمة تميز جوائز قصيدة النثر في مجملها، بسبب جدة بعضها وربما حجم مكافآتها. ما يطرح سؤال حوافز إطلاق هذه الجوائز، أمام تحديات عديدة أهمها ضعف الموارد التي تعتمد في الغالب على جهود فردية.

حضور متصاعد، إلى حدّ ما، تقابله اعترافات مؤسسية جزئية

يوضح الشاعر والمترجم المصري المقيم في تركيا أحمد زكريا سكرتير جائزة مرفأ لـ”العربي الجديد” دوافع إطلاق الجائزة، بأنها انطلقت من تجربة شخصية، حين لاحظ مفارقة لافتة بين شاعر فاز بجائزة مالية كبيرة عن قصيدة عمودية، وآخر أكثر موهبة – في رأيه – لم يتمكن حتى من نشر عمله لأنه يكتب قصيدة النثر. 

وحول الرؤية، يشير زكريا إلى أن قصيدة النثر، رغم حضورها الواسع، تكاد تغيب عن الجوائز، لافتاً إلى تجارب سابقة لم تستمر، مثل جائزة الشاعر أسامة الدناصوري. ويؤكد أن طموح الجائزة يتمثل في خلق مساحة عادلة تُقيَّم فيها النصوص وفق معايير جمالية، بعيداً عن الجدل التقليدي حول الشكل، بما يعزز حضور قصيدة النثر بوصفها جزءاً من المشهد الشعري، لا تيّاراً هامشياً.

أما عن علاقة الجوائز بالذائقة، فيرى زكريا أنها علاقة تبادلية: فبعض الجوائز تواكب السائد، وأخرى تسهم في توجيه الانتباه. لكنه يلاحظ أن الجوائز ذات المكافآت الكبيرة، خصوصاً في الشعر العمودي، بدأت تؤثر في خيارات بعض الشعراء، إذ يتجهون نحو هذا الشكل بدافع الفوز. في المقابل، تسعى “جائزة مرفأ” إلى إتاحة الفرصة لأصوات جديدة خارج دوائر الأسماء المعروفة.

وحول تأثير الجوائز والتحديات، يؤكد زكريا أن الفوز قد يشكّل نقطة تحوّل مهمة في مسار الشاعر، لكنه ليس بديلاً عن استمرارية التجربة. ويشير إلى أن الجائزة، رغم حداثتها، تطمح إلى تطوير دورها عبر دعم النشر والتعريف بالأعمال الفائزة. كما يكشف أن الدورة الأولى استقبلت 152 مخطوطاً، وهو رقم فاق التوقعات وفرض تحديات تنظيمية، إضافة إلى صعوبات لوجستية مرتبطة بظروف الحرب. ومع ذلك، يرى أن هذه التحديات تفرض الحاجة إلى الجائزة، وتشكل دافعاً إلى تطويرها مستقبلاً.

جوائز النثر محدودة ومعظمها مكافآته رمزية إلا جائزة المعلقة
 

في المحصلة، تبدو قصيدة النثر العربية اليوم، من حيث علاقتها بالجوائز، أمام حضور متصاعد تقابله اعترافات مؤسسية جزئية. يمكن التذكير بجائزة سركون بولص للشعر وترجمته التي تمنحها دار الجمل، والتي فاز بها السنة الماضية الشاعر المصري أحمد يماني، وجائزة محمد عفيفي مطر التشجيعية التي استُحدثت عام 2017، أو فوز الشاعر المصري محمد أبو زيد، عام 2021، بجائزة الدولة التشجيعية عن ديوانه “جحيم”، حيث انفتحت هذه الجائزة الرسمية على قصيدة النثر للمرة الأولى منذ تأسيسها قبل ستة عقود، إلى جانب حضور متنامٍ لهذا الشكل في مسابقات عربية، مثل تخصيص فئة النثر في برنامج “المعلّقة الشعرية” لعام 2025، الذي تُنظّمه هيئة الأدب والترجمة في السعودية، في مبادرة هي الأولى من نوعها في جائزة بهذا الحجم المالي وعرفت تتويج الشاعر العراقي ميثم راضي بالمركز الأول، وصولاً إلى تتويج شعراء قصيدة النثر الفلسطينيين: غسان زقطان، ويوسف عبد العزيز، وطاهر رياض، وزهير أبو شايب، الاثنين الماضي، بجائزة الأركانة العالمية للشعر في المغرب، التي غالباً ما تتوج شعراء قصيدة النثر لانفتاحها على تجارب عالمية من دون التركيز على شكل شعري دون آخر. بالإضافة إلى أن المغرب يعرف ميلاً عمره عقود إلى الحداثة الشعرية، ولا يتم معه الاحتكام إلى الشكل الشعري في التتويج بجائزة المغرب للشعر، لكن هذا لا يمكن من منحها لتجارب شعرية “محافظة” في شكلها وروحها.

هناك جوائز أخرى للنثر لكنها محدودة، ومعظمها مكافآته رمزية، بما فيها السابق ذكرها، ما عدا “المعلقة”.