كان فيلم “المسيح توقف في إيبولي” الذي حققه المخرج الإيطالي فرانشيسكو روزي (1922 – 2015) عام 1979 آخر أفلامه الكبيرة المشاكسة.
وهو لئن كان قد حقق من بعده أفلاما ًأخرى، فإنه اشتغل عليه بقدر كبير من الإحباط الذي فسره لنا بنفسه في حوار أجريناه معه حول ذلك الفيلم ونشر يومها في أسبوعية عربية كنا نعمل فيها. في ذلك الحوار تساءل روزي بحرارة عما نفعل نحن معشر المبدعين؟ ولماذا لا يزال التخلف حاضراً في أماكن معينة فيما ندعي أننا نحاربه ونداويه بنتاجاتنا؟ وهل حقاً أننا قادرون بعد على قول أي شيء أو فعل أي شيء؟
لن نتوقف هنا طويلاً عند ذلك الحوار، فالرجل مات ومن حسن حظه أنه مات قبل أن يشهد مزيداً من التدهور والتخلف الذي سبب لديه كل تلك المرارة، فالأمور لا تكف عن التهور، والانحطاط يحيط بالإنسان في كل مكان منذ بدايات هذه الألفية الثالثة.
ومهما يكن من أمر فإن موضوعنا ليس هنا، موضوعنا هو فيلم روزي الكبير الأخير الذي شاهدناه معه، عام إنجازه في مهرجان موسكو السينمائي، وصفقنا في حضوره لعمل إبداعي وإنساني كبير لم نر في الحقيقة ما يماثله من بعده، لا من روزي ولا من غيره. ولم يكن للأمر إلا أن يكون على ذلك النحو، إذ اقتبس روزي في الفيلم واحدة من أكثر الروايات الإيطالية في القرن الـ20 قوة في إنسانيتها ومعانيها، رواية مواطنه كارلو ليفي المكتوبة أصلاً قبل تحقيق الفيلم بنحو 50 عاماً بقلم كاتب إنساني كان حين كتبها منفياً في زاوية منسية من الجنوب الإيطالي البائس والمتخلف.

فرانشيسكو روزي (1922 – 2015) (موقع السينما الإيطالية)
من الرواية إلى الشاشة
الحقيقة أن معاني الرواية تبدأ من عنوانها، فأن يكون السيد المسيح قد توقف في بلدة إيبولي في الجنوب الإيطالي تعبير يعني أن الحضارة والحياة المعقولة والحديثة قد توقفت جميعها من دون أن تحاول التقدم نحو تلك المناطق الأكثر تخلفاً بكثير، التي أمضى فيها كارلو ليفي فترة نفيه وهو بالكاد يصدق أن في العالم تخلفاً وبؤساً يعادلان ما عاشه وشاهده بأم عينيه في تلك المنطقة من العالم.
والحال أن الأحداث في هذه الرواية ليست حبكة تقليدية بل هي سلسلة من المشاهد والتأملات: لقاءات مع الفلاحين، ووصف للطقوس الشعبية، وتحليل معمق وميداني لطبيعة السلطة المحلية، وحتى تأملات فلسفية حول الزمن والتاريخ. وهذا كله بأساليبه المتنوعة، يجعل العمل أقرب إلى المذكرات الأدبية، لكنه لا يفقد مع ذلك قوته الفردية، وهي قوة ترتبط أيضاً بمدينة إيبولي التي توقف المسيح عندها مع الحضارة والخلاص ولن يتابع طريقه إلى تلك المناطق النائية التي تركت على حالها.
وإيبولي هنا تمثل الحد الفاصل بين إيطاليا المتحضرة والشمال من ناحية و”الجنوب المحتضر” والمنسي من ناحية أخرى، بالنسبة إلى أهل أوتشانيا “كل ما يقع بعد إيبولي هو عالم لا يصل إليه نور الحداثة”.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
شهادة إنسانية من عالم المنفى
مهما يكن من أمر فإن رواية كارلو ليفي هذه كانت معروفة قبل أفلمة روزي لها – أو لجانب منها كما سنرى بعد سطور – بكونها من أهم الأعمال التي تناولت الجنوب الإيطالي المهمش في القرن الـ20، وهي ليست رواية تقليدية بقدر ما هي شهادة إنسانية وسياسية عن تجربة النفي.
وتدور أحداث الكتاب في ثلاثينيات القرن الـ20 حين نفي ليفي من قبل نظام موسوليني الفاشي إلى تلك المنطقة من الجنوب الإيطالي وتحديداً إلى تلك القرية والمنطقة المعزولتين في إقليم لوكانيا.
ومنذ العنوان كما أسلفنا يضعنا الكاتب أمام تلك الفكرة الرمزية العميقة التي تعني بأن الحضارة والتاريخ ولا سيما الخلاص الديني، لم تصل تلك المناطق المنسية من العالم.
إن ليفي يروي تجربته في تلك المنطقة بضمير المتكلم واصفاً حياة الفلاحين الذين يعيشون في فقر مدقع وعزلة تكاد تكون تامة عن الدولة وعن أية خدمات يمكن لهذه أن تؤديها لهم. يكتشف كاتبنا أن هؤلاء السكان لا ينتمون بأي شكل من الأشكال إلى إيطاليا الحديثة، بل يعيشون في زمن متخلف تماماً تحكمه الأساطير والخرافات أكثر مما تحكمه أية أنظمة أو قوانين، أما الدولة فغائبة تماماً أو حتى معادية، لا تظهر إلا على شكل جباة ضرائب وقوات أمن قامعة.
في ذلك المكان يجد كارلو ليفي نفسه مندفعاً للعمل بين السكان كطبيب مع أنه لم يكن طبيباً ولو للحظة في حياته، فيكتسب ثقة الأهالي ويقترب من معاناتهم اليومية: الأمراض المنتشرة، والجوع، والجهل، غير أنه في الوقت نفسه يكتشف عمق إنسانيتهم وتماسكهم الاجتماعي وقدرتهم على التكيف مع أكثر الظروف قسوة.
والحقيقة أن العلاقة بين الكاتب والسكان تشكل قلب الرواية حيث يتحول الكاتب من مراقب خارجي إلى جزء من هذا العالم.

ملصق فيلم “المسيح توقف في إيبولي” (موقع الفيلم)
المخرج يواجه الرواية
وهذا ما يعيدنا طبعاً إلى فيلم فرانشيسكو روزي الذي رأى كما أخبرنا أنه وجد من المحتم عليه فيما كان يتصدى للاشتغال على الرواية، أن يستغني عن بعض أجزائها التي رأى أن من شأن فيلمه لو احتفظ بها أن يجد الحبكة في زمن تاريخي مضى عهده، ما قد يكون من شأنه أن يجعل المتفرج يعتقد أن “حال المنطقة الأبعد من إيبولي” كان كذلك في الحقبة التي أقام خلالها كارلو ليفي في تلك المنطقة من العالم ليرصد أحوال الناس، كما كانت عليه أيام الحكم الفاشي في عهد موسوليني. وبما أن هذا الاعتقاد سيكون خاطئاً، بل مضللاً، وجد روزي وهو يحضر مشروعه، مع كاتب السيناريو طونينو غويرا، أنه قد ينسف له فكرته الأساسية التي تقتضي منه أن يصور أحوال المنطقة في الزمن الراهن، لذا، وكما قال لنا في حديثنا معه، إنه حين زار المنطقة بعد عقود من زيارة كارلو ليفي لها، “أذهلني أني وجدتها لا تزال تماماً على الحال التي يصفها ليفي في كتابه، فبعد أكثر من 100 عام مضت على توحيد إيطاليا وجدت أن البلدة، والمنطقة عموماً، لا تزال متخلفة عن سائر المناطق ولا يزال الفقر والخرافات والتخلف الفكري والتطير تهيمن عليها دافعة شبابها هي والبطالة إلى السفر إلى الخارج بحثاً عن عمل. ومن هنا وجدت نوعاً من تطابق ملموس يسود بين بطل الحكاية الأصلي وبيني مع فارق نصف قرن تقريباً. وهكذا ضربت صفحاً عن تاريخية الحدث الروائي في عمل كارلو ليفي، لأتبنى موقفه تماماً من خلال راهنية ما رصدته خلال اشتغالي على الفيلم، وذلك انطلاقاً من أن كل حل أسلوبي يحصر العالم الذي أصوره في ماضٍ انقضى منذ عقود سيكون كاذباً، باختصار تبنيت رؤية كارلو ليفي وكأنها رؤيتي، ومن هنا أعتقد سيكون للفيلم مفعول مختلف عما كان يمكن أن يكون له لو اقتصر على استنساخ كارلو ليفي وحكايته وزمنه”.
