كثيراً ما اعتمد “حزب الله” معادلة الابتزاز مع اللبنانيين، مخبرهم بين القبول بسلاحه ودوره فوق الدولة، أو الفتنة والحرب الأهلية. هذا الابتزاز تحول إلى أداة حكم فعلية استخدمها الحزب كلما اقتربت الدولة من اتخاذ قرار سيادي يمس نفوذه. وقد تجلى ذلك بوضوح في لحظة مفصلية من تاريخ لبنان الحديث، حين قررت الحكومة عام 2008 اتخاذ خطوات لاستعادة جزء من سلطتها الأمنية والسيادية، فجاء الرد سريعاً وحاسماً خلال السابع من مايو (أيار)، يوم اجتاحت عناصر الحزب وحلفاؤه بيروت وأسقطوا العاصمة بالقوة العسكرية لإعادة تثبيت معادلة السلاح فوق الدولة.

كان ذلك الحدث إعلاناً واضحاً أن أي محاولة لبناء دولة طبيعية في لبنان ستواجه بالقوة إذا تعارضت مع وظيفة الحزب الإقليمية. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد السلاح مجرد عنصر في التوازن الداخلي، بل تحول إلى أداة انقلاب سياسي دائم فرضت من خلاله معادلة جديدة، لبنان جزء من محور إقليمي تقوده طهران، وليس دولة مستقلة القرار.

لكن ما يحصل اليوم مختلف جذرياً، لأن الدولة اللبنانية بدأت للمرة الأولى منذ أعوام طويلة اتخاذ خطوات سيادية مباشرة تمس جوهر هذه المعادلة نفسها. فقد أصبح “حزب الله” مصنفاً دولياً منظمة غير قانونية ومحظورة بجناحه العسكري، وبدأت الدولة اللبنانية تدريجاً استعادة موقعها الطبيعي في إدارة القرار الأمني والعسكري، ودخلت الحكومة في مسار تفاوضي تعده قيادة الحزب من “المحرمات السياسية”، وهو التفاوض مع إسرائيل برعاية أميركية.

هنا بدأ التلويح مجدداً بشبح “7 أيار جديد”، إذ عاد الحزب إلى استخدام التهديد نفسه، إما القبول بدوره العسكري والسياسي فوق الدولة، وإما الانفجار الداخلي. لكن هذه المعادلة لم تعد قابلة للتطبيق كما كانت حينها، لأن الظروف التي سمحت بفرضها تغيرت بالكامل.

واقع إقليمي

خلال السابع من مايو 2008 لم يكن الحزب يتحرك منفرداً، بل كان يعمل ضمن منظومة إقليمية في ذروة قوتها. كانت إيران تتوسع بعد سقوط نظام صدام حسين في العراق، وكانت تستعد لترسيخ مشروعها الإقليمي الممتد من بغداد إلى دمشق فبيروت. وكان النظام السوري يشكل العمق الاستراتيجي المباشر للحزب داخل لبنان، فيما بقيت شبكات النفوذ التي زرعتها دمشق خلال أعوام احتلالها للبلاد تعمل بكفاءة عالية داخل المؤسسات السياسية والأمنية.

في المقابل، لم تكن قوى “14 آذار” والقوى السيادية يومها قادرة على الإمساك بزمام المبادرة، لا بسبب ضعف شعبي فحسب، بل نتيجة أخطاء سياسية كبيرة، أبرزها التحالف الرباعي الذي جمع أطرافاً منها مع “حزب الله” و”حركة أمل”، مما أدى إلى تفكيك جبهة المواجهة السيادية من الداخل. كما أن التموضع الوسطي لبعض القوى الأساس، وفر للحزب مساحة مناورة واسعة سمحت له بإعادة ترتيب المشهد السياسي بعد “7 أيار”، وصولاً إلى تشكيل حكومة اللون الواحد وإقصاء المعارضة من السلطة حينها باستثناء وليد جنبلاط.

اليوم، تبدو الصورة مختلفة تماماً. إقليمياً، لم تعد إيران في موقع القوة الذي كانت عليه عام 2008. فهي تقف في منطقة رمادية بين الحرب والهدنة مع الولايات المتحدة، وتواجه احتمال جولات تصعيد جديدة في أي لحظة. كما أن الضربات الإسرائيلية الأخيرة أصابت بنيتها العسكرية الإقليمية مباشرة، من الحوثيين في اليمن إلى “حزب الله” في لبنان وصولاً إلى الحشد الشعبي في العراق، مما أدى إلى تراجع واضح في قدرتها على إدارة شبكة نفوذها كما في السابق.

أما التحول الأكبر فجاء من سوريا. فسقوط النظام السوري السابق وصعود حكم جديد معاد بالكامل لإيران ومحورها شكل ضربة استراتيجية قاسية لمشروع طهران في المشرق، وقطع أحد أهم خطوط الإمداد السياسية والعسكرية التي كان يعتمد عليها “حزب الله” لعقود.

المسار الإيراني – الأميركي 

لكن العامل الأكثر حساسية بالنسبة إلى الحزب اليوم لا يتعلق فقط بتراجع البيئة الإقليمية، بل بمحاولة الدولة اللبنانية فصل المسار اللبناني عن المسار الإيراني.

فالحزب يعمل جاهداً على ربط لبنان مباشرة بمسار التفاوض بين طهران وواشنطن، بحيث يتحول لبنان إلى ورقة تفاوض إيرانية تستخدم عند الحاجة وتجمد عند الحاجة. فإذا حصلت هدنة بين الولايات المتحدة وإيران تنعكس تهدئة في لبنان، وإذا عاد التصعيد بينهما تعود المواجهة على الجبهة اللبنانية. وبهذه الطريقة، لم يكن لبنان دولة صاحبة قرار، بل ساحة متقدمة في مفاوضات الآخرين.

لكن اليوم تحاول الدولة اللبنانية كسر هذه المعادلة للمرة الأولى بصورة واضحة، فالمسار التفاوضي الذي بدأ بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية لا يندرج ضمن سياق التفاوض الإيراني – الأميركي، بل يشكل محاولة لفصل المسارين نهائياً. وهذا تحديداً ما يفسر جانباً أساساً من غضب “حزب الله”، لأنه يدرك أن نجاح هذا الفصل يعني سقوط وظيفته الإقليمية كأداة ربط بين لبنان وطهران.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من هنا يمكن فهم التصعيد السياسي الأخير، والتلويح مجدداً بسيناريو “7 أيار”. فالمشكلة بالنسبة إلى الحزب ليست في التفاوض بحد ذاته، بل في كونه تفاوضاً لبنانياً مستقلاً عن القرار الإيراني.

ذلك أن “حزب الله” لم يكن يوماً مجرد تنظيم لبناني مسلح، بل هو جزء عضوي من منظومة الحرس الثوري الإيراني، ويعمل ضمن استراتيجية إقليمية تعد لبنان ساحة متقدمة للمشروع الإيراني، لا دولة مستقلة القرار. ولهذا يسعى الحزب إلى تكريس لبنان كجزيرة خمينية سياسية وأمنية داخل الشرق الأوسط، مرتبطة مباشرة بطهران لا بالمؤسسات الدستورية اللبنانية.

غير أن هذه المعادلة لم تعد قابلة للاستمرار. فالشارع اللبناني تغير، ولم يعد يتقبل سرديات “المقاومة” كما في السابق بعدما دفع لبنان أثماناً باهظة نتيجة انخراط الحزب في الحروب الإقليمية من سوريا إلى غزة وصولاً إلى المواجهة المفتوحة مع إسرائيل. كما أن فكرة ازدواجية الدولة والسلاح لم تعد قابلة للتسويق داخلياً كما كانت في مراحل سابقة.

إلى جانب ذلك، فإن المعارضة لسلاح “حزب الله” ليست جديدة، بل تعود جذورها إلى اتفاق الطائف نفسه، حين سلمت جميع الميليشيات اللبنانية سلاحها للدولة باستثناء ميليشيات واحدة فقط هي “حزب الله”، الذي جرى استثناؤه بقرار سياسي رعته الحكومات المرتبطة بالنظام السوري تحت عنوان “المقاومة”، قبل أن يتحول هذا الاستثناء لاحقاً إلى أصل الأزمة اللبنانية.

تقاطع داخلي دولي

اليوم، هذه المعارضة التاريخية لسلاح الحزب تتقاطع مع تحولات إقليمية ودولية واسعة. فإسرائيل تعد أن إيران حاولت تطويقها عبر “حماس” من الجنوب، و”حزب الله” من الشمال، وشبكة من التنظيمات المسلحة في الإقليم. والولايات المتحدة تنظر إلى “حزب الله” وإيران كجزء من منظومة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط.

كما أن انكشاف خلايا مرتبطة بالحزب في الكويت والإمارات وقطر ودول خليجية أخرى عزز القناعة بأن المشروع الإيراني لم يعد مشروع “مقاومة” محلية، بل مشروع نفوذ إقليمي يستهدف إعادة رسم توازنات الشرق الأوسط.

في ضوء كل ذلك، تبدو أي محاولة انقلاب جديدة داخل لبنان محاولة معزولة عن الواقع. صحيح أن الحزب لا يزال يمتلك قوة عسكرية كبيرة، وصحيح أن لديه شركاء داخل المنظومة القديمة التي تشكلت من شبكات المصالح الاقتصادية والفساد والمحاصصة، لكن ميزان القوى لم يعد يسمح بإعادة إنتاج مشهد “7 أيار”.

فالغطاء الإقليمي لم يعد موجوداً، والبيئة الداخلية لم تعد متقبلة، والقرار الدولي لم يعد متساهلاً، والدولة اللبنانية بدأت للمرة الأولى محاولة جدية لفصل مصيرها عن المسار الإيراني.

ولهذا تحديداً، مهما ارتفع منسوب التهديد، ومهما حاول الحزب تعطيل المسار السيادي الجديد، فإن محاولة الانقلاب لن تنجح هذه المرة.