جسد القندس يدفع البطلة إلى إعادة التفكير في موقعنا داخل الكوكب (ديزني)
مع فيلم الأنيميشن “هوبرز” (Hoppers)، تقدم شركة بيكسار (Pixar) واحداً من أفضل أعمالها في السنوات الأخيرة. وكعادتها، تراهن على فكرة تبدو عبثية أو بسيطة في ظاهرها لتصل إلى سؤال أخلاقي وإنساني جارح. تنتمي فرضية الفيلم بوضوح إلى تقاليد “بيكسار” في الخيال المبتكر والمرح.
يقدم “هوبرز” (إخراج دانييل تشونغ) قصة مابيل التي تصارع وحدها لإنقاذ بحيرة وجزء من الغابة قبل بناء مشروع جسر مكانها، وذلك عن طريق بحثها عن حيوان قندس يعود إلى المنطقة ويثبت أهميتها حيوياً.
ومع انتهاء كل الوسائل التقليدية، تكتشف، صدفةً، تقنيةً ثورية: “القفز” بوعيها الكامل إلى داخل جسد حيوان آلي (قندس في هذه الحالة)، لتحقيق حلمها القديم في التواصل المباشر مع الحياة البرية. هكذا، تكتشف عالماً كاملاً له منطقه الخاص، ومخاوف وجودية، وأشكال ذكاء لم يدركها البشر من قبل، لتجد مابيل نفسها في قلب صراع محتدم مع تهديد بشري يوشك على تدمير هذا التوازن الهش.
ما يميز “هوبرز” هو أنه لم يعتمد على فكرة الصداقة مع الوجود الروبوتي، مثل أقرانه من أعمال الأنميشن البيئي، فاعتمد على وضع العناصر الثلاثة في الواجهة: البشر والطبيعة والآلة.
يطرح الفيلم “التعاطف” بوصفه الجسر الوحيد القادر على الربط بين هذه العوالم المتنافرة. فالتكنولوجيا في الفيلم هذه المرة ابتكار علماء بمعزل عن التقاليد المعتادة عن الروبوتات وقوى مؤسساتية كبرى.
هذا التحول المفاهيمي والعمق في معالجة القضايا البيئية، يفسّر بوضوح سبب المقارنات المتكررة بين الفيلم وأعمال استوديو غيبلي. هذه ليست صدفة. صرح المدير الإبداعي السابق لـ”بيكسار”، جون لايستر، بأنهم يعودون إلى أفلام “غيبلي” عندما يواجهون “عقبة إبداعية” أو يشعرون بانسداد الأفق، فيعرضون فوراً أحد أفلام هاياو ميازاكي من أجل الإلهام.
يجعل “هوبرز” الأفكار الثقيلة سلسة وقابلة للتجربة عبر سرد مرح
في “هوبرز”، يتذكر المعجبون أعمال “غيبلي”، خصوصاً في طريقة تناول العلاقة بين البشر والحيوانات، وفكرة تغير المنظور بحسب موقع الرؤية. تشير هذه التوجهات إلى حوار فني مع أفلام مثل “بوم بوكو” (Pom Poko)، وهو أحد الأفلام المبكرة لـ”غيبلي” من إخراج إيساو تاكاهاتا، الذي يقدم الفكرة نفسها: الحيوانات تواجه التمدد العمراني.
مع ذلك، يبرز الاختلاف الواضح بين توجهات “بيكسار” و”غيبلي” الإخراجية؛ فالأخيرة تقدم أعمالاً هادئة، وفيها شيء من السوداوية والتأمل البطيء مع مغامرة ممتعة ومعقدة ومتعددة الطبقات، بينما تختار “بيكسار” السرعة والصخب ولإيقاع المتسارع والمرح الذي يناسب فئة عمرية أصغر.
واجه الفيلم منذ عرضه آراءً متباينة حول إيقاعه السريع. فبينما مدحه بعضهم لحيويته وقدرته على حبس الأنفاس، رأى فيه آخرون تسرعاً قد يشتت المشاهد، مع تركيز شديد على الكوميديا في كل لحظة.
مع ذلك، لم يكن هذا الاعتماد على الكوميديا خياراً سهلاً، فقدم توازناً معتاداً ميز أفضل أعمال “بيكسار” تاريخياً: القدرة على جعل الأفكار الثقيلة قابلة للتجربة من خلال سرد مرح.
هذا “الضجيج” السينمائي ليس سوى القشرة التي تخفي خلفها لحظات من السكون الشاعري، إذ تتوقف مايبل لتتأمل تفاصيل عالم لم تكن لتدركه لولا هذا الجسد المعدني. يمثّل التوتر بين السرعة والهدوء في الفيلم انعكاساً للتوتر بين عالم البشر المتسارع وعالم الطبيعة الذي يسير وفق إيقاعه الخاص والمقدس.
كما يراهن على كسب المشاهدين الأصغر سناً، المتأثرين بالإيقاع السريع للمشاهدة، وإدمان المقاطع السريعة. لا يترك الفيلم مشاهديه يتنفسون للحظة أو يشعرون بالملل، من دون تزويدهم بجرعة من المتعة والحركة، والتفكير رغم ذلك.
تميز الفيلم يأتي من هذه العناصر الممتعة والبحث في أزمة معاصرة: هل يكفي أن نحب الطبيعة لنحميها؟ “هوبرز” يرى أن الحب وحده قد يكون شكلاً من أشكال الوصاية أو الفهم القاصر. التعاطف فعلياً يتطلب الإصغاء الكامل، والتخلي الواعي عن فكرة أن الإنسان هو سيد الكون ومركزه الوحيد. جسد القندس الآلي هو الأداة التي تدفع البطلة والمشاهد إلى إعادة التفكير في موقعنا داخل هذا الكوكب.
تعكس الصورة المركزية في الفيلم وضعاً نعيشه جميعاً: نحن كائنات تكنولوجية تسعى، للمفارقة، إلى استعادة اتصالها بالطبيعة عبر الأدوات التي تساهم أحياناً في فصلنا عنها. يقدم “هوبرز” رؤية متوازنة ترى في التكنولوجيا وسيلة تتحدد قيمتها بقدرتها على توسيع أفق التعاطف لدينا، وليس في قدرتها على الهيمنة.
في النهاية، ما يربط بين أفضل أعمال “بيكسار” و”غيبلي” هو انشغالهما المشترك بالحدود: بين الإنسان والحيوان، بين الحضارة والغابة، وبين الذات والعالم. يطرح الفيلم “التعاطف” فعلَ عبور ضروريٍ لتجاوز هذه الانقسامات والاستفادة من الموجود، لا الزهد عنه، وفي هذه الحالة عادةً ما تكون التكنولوجيا.
في النهاية، ورغم الحلول السحرية/التكنولوجية، تبقى الصعاب حاضرة، وتبقى الصراعات وتستمر. كانت هذه معركة واحدة لحماية البيئة، أو جولة كسبتها مابيل ولا يمكن تكرارها، لكن ما نفهمه من الفيلم أننا سنجد دائماً وسيلة، وفي هذا العصر سيكون العلم حليفاً وليس عدواً.
