محاولةٌ جماعيةٌ لالتقاط النفس، واستعادةٌ لذاكرة بلدٍ يكاد أن يفقد توازنه. هكذا يمكن اختصار تجربة عرض فيلمَين لزياد الرحباني في “سينما متروبوليس” البيروتية، بينما تعيش المدينة على إيقاع حربٍ شرسة مع إسرائيل، وعلى توترٍ داخلي لا يقلّ خطورة.
ندخل إلى مساحةٍ موقّتة نعلّق فيها خوفنا، ونستعيد، ولو لبرهة، إمكان أن نكون جمهوراً واحداً وشعباً واحداً. نتنقّل بين عرضين، “بالنسبة لبكرا شو؟” و”فيلم أميركي طويل”، في حدثٍ ثقافيّ استثنائي، ولحظةٍ مكثّفة تختصر علاقة اللبنانيين مع زياد الرحباني، الفنان الذي لم يكن يوماً جامعاً بالمعنى السهل، لكنه استطاع أن يجمعهم بطريقةٍ أو بأخرى. زياد لم يُقدّم نفسه وسيطاً بين الأطراف، ولا حاول أن يوفّق بين تناقضاتهم؛ وضع الجميع أمام مرآةٍ واحدة، قاسية وصادقة، تعكس هشاشتهم وخيباتهم وسخريتهم من أنفسهم.
في “بالنسبة لبكرا شو؟” (1978)، تتّخذ الحكاية من حانةٍ بيروتية مسرحاً لها، لكن هذا الفضاء الضيّق يتّسع ليصبح صورةً عن بلدٍ بأكمله. شخصياتٌ متعبة، حواراتٌ متقطعة، قلقٌ يتسرّب من كل جملة، وسؤالٌ يتكرّر بلا جواب: ماذا عن الغد؟ يُراكم العمل الأسئلة، كأنّ الغد نفسه مؤجّل باستمرار. الحانة استعارة مكثّفة عن لبنان: مساحة تجمع المختلفين، لكنها تعجز عن إنتاج معنى مشترك. لا تاريخ صلاحية للمسرحية، لأنّ أزمتها لم تُحلّ. الانسداد نفسه، الإحباط نفسه، والانتظار نفسه، كلّها عناصر عادت لتفرض حضورها.

ملصق “فيلم أميركي طويل“.
أما “فيلم أميركي طويل” (1980)، فيذهب أبعد في تفكيك هذا الواقع، حين ينقلنا إلى مستشفى للأمراض النفسية، حيث تختلط الحدود بين العقل والجنون. سبعة مرضى، مدمنان، وطاقم طبي، لكن الجميع، بلا استثناء، يتورّطون في نقاشاتٍ سياسية وطائفية عبثية، تكشف أن العلّة ليست في الأفراد، بل في البنية التي أنتجتهم. المستشفى نسخة مصغّرة عن المجتمع اللبناني، الخطاب السياسي فيه نوع من الهذيان الجماعي، والطائفية مرض مزمن لا يُعالج. الكوميديا السوداء التي يعتمدها العمل تزيد قسوته حدّة، لأن الضحك نفسه ردّ فعل على واقعٍ لا يُتحمل.
بين هذين العملين، تتضح مكانة زياد الرحباني كصوتٍ مفصلي في الثقافة اللبنانية. هو إبن مدرسة فيروز والأخوين الرحباني التي صاغت صورةً حالمة عن الوطن، لكنه انقلب عليها ليكتب الوطن كما هو: متناقضاً، مضطرباً، ومثقلاً بتصدّعاته. نقل البطولة من الأسطورة إلى الإنسان العادي، ومن القرية المثالية إلى المدينة المأزومة. لذلك أصبح فنّه شكلاً من أشكال الوعي، أو حتى المواجهة.
المقاعد في “متروبوليس” ممتلئة، وتذاكر العرض نفدت مرّات عدّة. ما يجعل حضور زياد اليوم لافتاً، قدرة أعماله على إعادة خلق مساحةٍ مشتركة بين اللبنانيين. كلّ فئة ترى فيه شيئاً منها، حتى حين تختلف معه، لأنّه لم يستثنِ أحداً من نقده. في زمن الحرب تتكاثر الانقسامات وتشتدّ، ويمكن للناس أن يضحكوا على الجرح نفسه، وأن يعترفوا، ولو ضمناً، بأنّ أزمتهم واحدة، مهما اختلفت قراءاتهم لها.
تكتسب العروض اليوم معناها الأعمق، إذ تُشكّل فعلاً ثقافي يحمل في طيّاته بُعداً إنسانياً وسياسياً، بينما يُدفع المجتمع نحو مزيدٍ من الانغلاق والخوف. في الصالة، يتلاشى، ولو موقتاً، الضجيج الخارجي، ويجلس المتفرجون جنباً إلى جنب، جمهوراً واحداً يشارك التجربة نفسها.
يعود زياد الرحباني اليوم مرةً أخرى، من باب الضرورة. كأنّ لبنان، في لحظاته الأكثر هشاشة، يستدعي صوته ليعيد ترتيب فوضاه، أو على الأقلّ ليمنحها معنى. يتجدّد فهمنا لزياد الرحباني كلما تعثّر البلد، وكلما احتاج إلى من يقول له، بصدقٍ وسخريةٍ، ما لا يريد أن يسمعه.
