تواصل أداء دورها بوابة رئيسة للاقتصاد العالمي مستندة إلى موقعها الاستراتيجي وسياساتها المنفتحةتمثل منظومة حضرية متعددة الأبعاد تتكامل فيها الثقافة والاقتصاد والطبيعةمنصة عالمية مفتوحة للفرص تتوسع باستمرار وتعيد صياغة مفهوم الانتماء والعمل في المدن الحديثة

    تحت عنوان «المدينة التي ترفض الانكسار.. لماذا ستواصل دبي مسيرتها؟»، كتبت مينا العريبي رئيسة تحرير صحيفة «ذا ناشيونال» في أبوظبي مقالاً في مجلة «تايم» الأمريكية، طرحت فيه تساؤلاً جوهرياً حول طبيعة المدن العظيمة، لتخلص إلى أن النجاح الحضري لا يقوم على البنية التحتية وحدها، بل على منظومة متكاملة تشمل الهوية الثقافية، والاقتصاد المزدهر، والحياة الاجتماعية النابضة، إلى جانب قدرة المدينة على التكيّف وإعادة الابتكار.

    وأشار المقال إلى أن دبي منذ مطلع القرن نجحت في ترسيخ حضورها العالمي عبر الركائز الأربع الأساسية السابقة، ثم أضافت إليها عنصراً خامساً حاسماً يتمثل في «روح المبادرة والإنجاز»، التي تعكس فلسفة «المستحيل ممكن»، وهي الفلسفة التي قادت تحولها من مدينة إقليمية إلى مركز عالمي تنافسي في مختلف القطاعات.

    وفي تحليلها لمسار المدينة، أوضح مقال «تايم» أن دبي اختارت نهجاً مختلفاً عن العديد من المدن الغربية التي تشهد اليوم تصاعداً في سياسات الانغلاق المرتبطة بقضايا الهجرة، حيث تبنّت الإمارة بدلاً من ذلك نموذجاً يقوم على الانفتاح واستقطاب العقول والمهارات من مختلف أنحاء العالم.

    ولم يكن هذا الانفتاح شكلياً، بل تحول إلى سياسة اقتصادية واجتماعية متكاملة تقوم على دمج الوافدين في مشروع تنموي مشترك، حيث لا يُنظر إلى الهجرة كحالة مؤقتة، بل كعنصر تأسيسي في بناء المدينة واستدامة نموها.

    ويشير المقال إلى أن هذا النموذج أسس لما يمكن وصفه بـ«العقد الاجتماعي الجديد»، القائم على معادلة واضحة: العمل والإبداع مقابل بيئة مستقرة، وقوانين صارمة، وفرص اقتصادية واسعة، في إطار يضمن العدالة والاستقرار لجميع الفئات.

    أرض الفرص الجديدة

    ترى العريبي في مقالها بمجلة «تايم» أن استقطاب المواهب الدولية يشكل ركناً أساسياً في هوية دبي، بل ضرورة وجودية لمدينة تمتلك طموحات عالمية واسعة.

    فمع مرور السنوات، تحوّل مفهوم الإقامة في الإمارات من كونه مؤقتاً أو مرحلياً لدى كثير من المهاجرين إلى خيار طويل الأمد، مدفوعاً بسلسلة من الإصلاحات القانونية والحوافز الاقتصادية التي جعلت البقاء أكثر جاذبية واستقراراً.

    وخلال العقد الأخير، أتاحت هذه الإصلاحات للمقيمين غير الإماراتيين فرصاً أوسع، شملت تملك الشركات، وشراء العقارات، والحصول على تأشيرات إقامة طويلة الأمد تصل إلى عشر سنوات، ما أسهم في تعزيز ارتباطهم بالمدينة وتحويلها من محطة انتقالية إلى موطن دائم للعديد من الكفاءات العالمية.

    وفي هذا السياق، يشير المقال إلى اختلاف «السؤال الاجتماعي» بين المدن العالمية؛ ففي واشنطن يرتبط السؤال بالمهنة، وفي لندن بالمسكن، بينما في دبي يتمحور حول مدة الإقامة: «منذ متى وأنت هنا؟»، في دلالة على تحوّل الإقامة من مؤقتة إلى استقرار ممتد، إذ أصبحت الإجابات تتغير من أشهر إلى سنوات، وصولاً إلى عقود.

    ويستعرض التقرير تاريخ دبي من خلال موجات الهجرة المتعاقبة التي شكّلت بنيتها السكانية والثقافية، منذ الذين وفدوا خلال طفرة السبعينيات، وصولاً إلى الجاليات الهندية ذات الروابط التجارية التاريخية مع الخليج، ثم موجات حديثة من الشباب الأوروبيين الباحثين عن فرص في مدينة تجمع بين الأمان والفرص الاقتصادية.

    وقد أسهم هذا التنوع في تشكيل مجتمع متعدد الثقافات، حيث جلبت كل جالية معها هويتها وتجاربها، لتندمج جميعها ضمن إطار حضري واحد تقوده رؤية مستقبلية واضحة، تجلّت في مبادرات مثل إنشاء أول وزارة للذكاء الاصطناعي في العالم عام 2017، وافتتاح «متحف المستقبل»، والتي لم تكن مجرد رموز، بل إشارات إلى توجه استراتيجي نحو الابتكار واستشراف المستقبل.

    ويشير المقال في «تايم» إلى أن دبي، رغم التحديات والتوترات التي أثيرت في فترات مختلفة، حافظت على جاذبيتها، حيث تعكس أرقام السوق العقاري في عام 2025 تسجيل نحو 270 ألف صفقة، ما يعكس ثقة الأفراد والعائلات بمستقبل المدينة واستمرار ارتباطهم بها على المدى الطويل.

    كما يؤكد المقال أن دبي تواصل أداء دورها كبوابة رئيسة للاقتصاد العالمي، تربط بين أسواق جنوب آسيا والعالم العربي وأفريقيا، مستندة إلى موقعها الاستراتيجي وسياساتها الاقتصادية المنفتحة.

    وفي الإطار العالمي، تبرز الإمارات في مؤشرات التنافسية وسهولة ممارسة الأعمال، حيث تحتل مراتب متقدمة وفق تقارير البنك الدولي والمعهد الدولي للتنمية الإدارية، ما يعزز مكانتها كوجهة استثمارية رائدة.

    كما ساهمت اتفاقيات التجارة الحرة مع دول مثل الهند وتركيا وأستراليا في تعزيز موقعها كبوابة تجارية عالمية، إلى جانب تسهيل حركة السفر والتنقل عبر إعفاءات التأشيرات مع العديد من الدول.

    ويختتم المقال هذا المحور بالإشارة إلى الدور المحوري لشركة «موانئ دبي العالمية»، التي لا تقتصر عملياتها على إدارة الموانئ داخل الدولة، بل تمتد إلى شبكة عالمية من البنية التحتية والخدمات اللوجستية، ما يجعلها أحد أعمدة استراتيجية دبي في ربط الاقتصاد المحلي بالأسواق العالمية.

    وبذلك، تؤكد العريبي في مقالها بمجلة «تايم»، أن دبي لم تعد مجرد مدينة جاذبة للمواهب، بل أصبحت منصة عالمية مفتوحة للفرص، تتوسع باستمرار وتعيد صياغة مفهوم الانتماء والعمل في المدن الحديثة.

    دبي المتنوعة

    يؤكد المقال أن دبي تُعد واحدة من أكثر المدن تنوعاً على مستوى العالم، إذ تحتضن سكاناً ينتمون إلى نحو 200 جنسية، ما جعل التنوع الثقافي أحد أبرز مصادر قوتها وركائز هويتها الحديثة.

    ويعكس هذا التنوع، بحسب الكاتبة، مشهداً ثقافياً متفرداً يقوم على تفاعل التقاليد والخبرات المختلفة، حيث يلتقي الفنانون والمبدعون من مختلف أنحاء العالم ليصنعوا واقعاً عالمياً لا يمكن لمدينة أحادية الثقافة أن تحاكيه، ما يعزز مكانة دبي كمنصة دولية للتبادل الثقافي والإبداعي.

    ويبرز «آرت دبي» بوصفه أحد أهم الأمثلة على هذا الحراك الثقافي، كونه أقدم معرض فني في الشرق الأوسط، حيث يجمع سنوياً فنانين وصالات عرض من مختلف المدن والعواصم العالمية، ويستقطب جامعي أعمال فنية من مختلف القارات، في مؤشر إلى التحول الذي شهده المشهد الفني العالمي خلال العقدين الأخيرين.

    ويشير المقال إلى أن هذا التنوع لا يقتصر على الثقافة والفنون فقط، بل يمتد إلى الحياة اليومية، وخصوصاً في قطاع المطاعم والمقاهي، حيث تضم المدينة أكثر من 13 ألف مطعم ومقهى تقدم مأكولات من مختلف المطابخ العالمية، في حين تحتضن في الوقت ذاته عدداً من المطاعم الحاصلة على نجمة ميشلان، ما يعكس تنوعاً استثنائياً في التجربة المعيشية داخل المدينة.

    ورغم ارتباط دبي عالمياً بصور الفخامة والحداثة العمرانية، مثل فندق برج العرب ومنحدرات التزلج الداخلية داخل مراكز التسوق، إلا أن المقال يؤكد أن هذه الصورة لا تمثل سوى جزء من المشهد الأوسع، حيث تتجاور مظاهر الرفاهية مع نماذج حضرية إنسانية مثل «مدينة دبي الإنسانية» التي تُعد مركزاً لوجستياً عالمياً لدعم عمليات الإغاثة، إلى جانب أحياء سكنية هادئة تعكس نمط حياة يومي بسيط ومستقر.

    ويلفت مقال الـ«تايم» إلى أن قوة دبي لا تنفصل عن موقعها ضمن دولة اتحادية تضم سبع إمارات، حيث يكمّل هذا التنوع الجغرافي والثقافي بعضه بعضاً.

    فالعاصمة أبوظبي، الواقعة على بعد ساعة تقريباً، تقدم بعداً ثقافياً عالمياً عبر معالم مثل جامع الشيخ زايد الكبير ومتحف اللوفر أبوظبي ومشاريع ثقافية كبرى مثل متحف غوغنهايم.

    كما تمتد التجربة الإماراتية إلى طبيعة مختلفة في إمارات ومدن أخرى مثل الفجيرة وخورفكان وحتا، حيث توفر هذه المناطق بيئات طبيعية جبلية وبحرية تمنح السكان والزوار فرصة للهروب من صخب المدينة والانفتاح على أنماط سياحية وطبيعية متنوعة.

    وبذلك، يخلص المقال إلى أن دبي ليست مدينة ذات طابع واحد، بل منظومة حضرية متعددة الأبعاد، تتكامل فيها الثقافة والاقتصاد والطبيعة، لتشكل نموذجاً عالمياً فريداً في التنوع والتكامل الحضري.

    استقرار مؤسسي

    يؤكد المقال المنشور في مجلة «تايم» أن دبي لطالما منحت الأفراد حرية إعادة اكتشاف ذواتهم وصناعة مساراتهم المهنية والحياتية، في بيئة تتيح لكل فرد أن يكون من يريد، وهو ما جعلها وجهة جاذبة للطموحين من مختلف أنحاء العالم.

    وترجع هذه الجاذبية، بحسب المقال، إلى التركيبة الاجتماعية في دبي والإمارات عموماً، والتي تأسست منذ البداية على ركائز الهجرة والتنوع الثقافي والانفتاح على العولمة، وهي مبادئ لا تزال تشكّل الأساس الذي يدعم استمرار النمو والتطور.

    وتشير الكاتبة إلى أن منظومة القوانين في دبي تقوم على مبدأ واضح يتمثل في سيادة القانون على الجميع، حيث تُطبّق التشريعات بصرامة ووضوح دون تمييز بين جنسية أو مستوى دخل، ما أسهم في خلق بيئة آمنة ومستقرة، تُعد من بين الأعلى عالمياً من حيث الأمان الشخصي، مع معدلات منخفضة جداً من الجرائم الصغيرة.

    ورغم التحديات والتوترات التي تواجهها المنطقة، ترى الكاتبة أن دبي سبق أن تجاوزت أزمات وصدمات متعددة، إلا أن التحدي الحالي يأتي بعد فترة طويلة من النمو المستمر والنضج المؤسسي، ما وفر قاعدة صلبة تمكّنها من امتصاص الصدمات ومواصلة المسار.

    وتلفت الكاتبة إلى أن مفهوم «العقد الاجتماعي» بين الدولة والمجتمع في الإمارات برز بشكل أوضح خلال فترات الأزمات، حيث يجمع السكان على منظومة حياة قائمة على التنظيم والاستقرار وتوفير الخدمات الأساسية بكفاءة، وهو ما يعزز الثقة المتبادلة بين الدولة والمجتمع.

    ويرى المقال أن ما يميز هذه المرحلة هو أن التوترات في المنطقة، رغم حدتها، لم يكن لها أي تأثير في البنية المؤسسية أو المجتمعية، بل ساهمت في تعزيز الروابط الاجتماعية داخل الدولة، وخصوصاً في ظل أن نحو 90% من سكان الإمارات من المقيمين الذين شهدوا مباشرة دور المؤسسات الوطنية، بما في ذلك القوات المسلحة الإماراتية، في حماية الاستقرار.

    ويخلص المقال إلى أن دولة الإمارات، بما فيها دبي، تقف أمام مرحلة اختبار جديدة، إلا أن أسسها الصلبة، القائمة على الاستقرار المؤسسي والنمو الاقتصادي والعقد الاجتماعي المتماسك، تمنحها القدرة على تجاوز هذه المرحلة، وتأكيد قدرتها على الاستمرار والتقدم.