بعد غياب دام أربع سنوات عن الجولات الغنائية، عاد النجم العالمي جاستن بيبر ليتصدر المشهد الفني من جديد، إذ كان عنوانا رئيسيا في مهرجان “كوتشيلا” بكاليفورنيا. لم تكن العودة مجرد حفل غنائي تقليدي، بل تحولت إلى مادة دسمة للنقاش والجدل عبر منصات التواصل الاجتماعي، بعد أن خصص بيبر جزءا من عرضه لاستعادة رحلته الشخصية والفنية عبر منصة “يوتيوب” أمام جمهور وصل إلى 125 ألف شخص في الميدان وملايين المتابعين عبر البث المباشر.

    وفي فقرة استمرت نحو 20 دقيقة من عرضه الذي امتد 90 دقيقة، فاجأ بيبر الجمهور بالجلوس خلف حاسوب محمول (Laptop) وكتابة كلمة “Baby” في محرك بحث “يوتيوب” المعروض على الشاشات العملاقة، وبدأ يغني مع نسخته التي تظهر على الشاشة وتعود للعام 2010، فيما بدا وكأنه أداء ثنائي بين صوته البالغ الحالي وصوته العالي النبرة في الماضي.

    اقرأ أيضا list of 4 itemsend of list

    خاطب بيبر الجمهور قائلا “الليلة ليلة خاصة جدا، أشعر أننا يجب أن نأخذكم في رحلة قصيرة. هل تتذكرون هذه الأغنية؟”، وتنقل بين مقتطفات من أغانيه الشهيرة، إضافة إلى نسخ من أغان قديمة كان قد سجلها في بداياته لفنانين مثل كريس براون وني-يو.

    لم يقتصر العرض على الأغاني فقط، بل شمل “سجل سقطات” تضمن لقطات لبيبر الشاب وهو يصطدم بباب زجاجي أو يسقط من فوق المسرح، وصولا إلى مقاطع أحدث تظهره وهو يشتكي من ملاحقات المصورين وانتهاك خصوصيته. ورغم اعتذاره عن قصر مدة المقاطع المعروضة، فقد حافظ على طابع العرض التفاعلي حتى عندما تظاهر بحدوث انقطاع في شبكة “الواي فاي”على المسرح.

    انقسم النقاد والجمهور حول هذا الأداء؛ فبينما وصفه البعض بأنه عرض “كسول” ولا يحترم الجمهور لعدم غنائه بشكل مباشر في بعض الأجزاء، رأى باحثون ومنتجون للعروض الحية أنه مساهمة مثيرة في مفهوم “الأداء الحي”.

    Justin Bieber accepts the award for artist of the year at the MTV Video Music Awards at Barclays Center on Sunday, Sept. 12, 2021, in New York. (Photo by Charles Sykes/Invision/AP)جاستن بيبر وهو يتسلم جائزة أحسن مغني عام 2021 في نيويورك (أسوشيتد برس)

    وربط رواد مواقع التواصل هذا الأسلوب بتاريخ طويل من تحدي توقعات الجمهور، مثل إحضار فرقة “ذا دورز” (The Doors) في عام 1967 تلفازا إلى المسرح لمشاهدة أنفسهم، أو استخدام الصور المجسمة (Hologram) لفنانين رحلوا مثل توباك شاكور وماريا كالاس.

    عقد جمهور بيبر مقارنة مثيرة بين ما قدمه وبين تقنيات الصور المجسمة التي أعادت فنانين رحلوا إلى المسرح، مثل توباك شاكور وماريا كالاس. ورأى البعض أن كلا الأسلوبين يشتركان في هدف واحد وهو “محاولة إبقاء الماضي حيا” وإتاحة الوصول إلى عروض فنية لا يمكن تكرارها بصيغتها الأصلية.

    لكن عرض بيبر يتفوق في كونه تفاعلا “بشريا وقابلا للتصديق” مع تاريخه في الانتشار على مواقع التواصل الاجتماعي، بدلا من كونه عرضا آليا منفصلا كما هو الحال في الهولوغرام؛ إذ لم يستعن بيبر بمواد مسجلة فحسب، بل اشتبك مع هويته الرقمية التي شكلت وعي جيل كامل على الإنترنت.

    موهبة ولدت في الهامش

    رغم النجومية المبكرة إلا أن رحلة المطرب الكندي لم تكن بالسهولة المتوقعة، فقد وُلد جاستن درو بيبر في أول مارس/آذار 1994 بمدينة لندن في مقاطعة أونتاريو، ونشأ في بيئة متواضعة، إذ ربّته والدته بمفردها بعد انفصالها عن والده في سن مبكرة، وأظهر منذ الطفولة ميولا واضحة للموسيقى، فتعلم العزف على البيانو والدرامز والغيتار، قبل أن يبدأ أولى خطواته الجادة عام 2007، عندما شارك في مسابقة غنائية محلية، وهو في الثانية عشرة من عمره.

    لكن اللحظة الفارقة جاءت عندما نشرت والدته مقاطع له على يوتيوب، وسرعان ما جذب صوته الانتباه، فكانت المنصة الرقمية بوابة عبوره إلى الشهرة. وفي واحدة من أشهر قصص الاكتشاف في العصر الرقمي، عثر المنتج سكوتر براون على فيديو لبيبر بالصدفة أثناء بحثه عن مغن آخر، ليقرر تتبعه والتواصل مع عائلته.

    Canadian singer Justin Bieber (black top) poses with a waxwork model of himself during an official unveiling at Madame Tussauds wax museum in central London March 15, 2011. REUTERS/Toby Melville (BRITAIN - Tags: ENTERTAINMENT)جاستن بيبر في لقطة مع تمثال له في لندن عام 2011 (رويترز)

    وانتقل بيبر إلى أتلانتا، حيث غنّى أمام المغني الأمريكي آشر، الذي ساهم في توقيعه مع شركة “آر بي إم جي” (RBMG)، قبل أن ينضم رسميا إلى “آيلاند ريكوردز” (Island Records) عام 2008، فبدأت مسيرته الاحترافية وهو لم يتجاوز الثالثة عشر.

    ومع إصدار أول أعماله “ماي وورلد” (My World) عام 2009، تحوّل بيبر بسرعة إلى ظاهرة عالمية، خاصة مع أغنيات مثل “One Time” و”One Less Lonely Girl”، ليصبح أول فنان منفرد يضع أغنيات عدة ضمن قائمة “بيلبورد هوت 100” (Billboard Hot 100) قبل إصدار ألبومه الكامل.

    ثم جاء ألبومه “ماي وورلد 2.0” (My World 2.0) عام 2010 ليؤكد هذا الصعود، إذ تصدّر قائمة “بيلبورد 200” (Billboard 200)، وجعل بيبر أصغر فنان منفرد يحقق هذا الإنجاز منذ نحو نصف قرن، أما أغنية “Baby”، فقد تحولت إلى واحدة من أنجح أغاني البوب في تلك الفترة، رغم الجدل الكبير الذي أثارته، خاصة على منصة يوتيوب.

    مع ألبوم “بيليف” (Believe) عام 2012، بدأ بيبر في إعادة تشكيل صورته الفنية، متجها نحو صوت أكثر نضجا يمزج بين البوب والراب، وهو التحول الذي بدا واضحا مع ألبوم “بيربوس” (Purpose).

    حقق الألبوم نجاحا كبيرا، خاصة مع أغنيات (Love Yourself) و(Sorry) و(What Do You Mean?)، وهي الأعمال التي رسخت مكانته فنانا قادرا على تجاوز صورة نجم المراهقين إلى فنان بوب عالمي.

    في مسيرته، أصبح بيبر أحد أكثر الفنانين مبيعا في العالم، بأكثر من 150 مليون نسخة مبيعة عالميا، إلى جانب سلسلة طويلة من الجوائز، أبرزها جائزتا غرامي و26 جائزة “بيلبورد” (Billboard) و18 جائزة من جوائز الموسيقى الأمريكية (American Music Awards).

    كما حقق إنجازات رقمية غير مسبوقة، خاصة في عصر المنصات، وكان له دور محوري في ربط صناعة الموسيقى بوسائل التواصل الاجتماعي، ليصبح نموذجا لجيل جديد من النجوم الذين وُلدوا من الإنترنت.

    CHELMSFORD, ENGLAND - AUGUST 20: Justin Bieber perform at V Festival at Hylands Park on August 20, 2016 in Chelmsford, England. (Photo by Stuart C. Wilson/Getty Images)جاستن بيبر في حفل ببريطانيا صيف 2016 (غيتي)بين النجاح والجدل

    لم تخلُ مسيرة بيبر من الجدل، خاصة في مرحلة انتقاله إلى البلوغ، حيث واجه انتقادات بسبب سلوكاته العامة، مما أثّر على صورته باعتباره نجما. وقد اشتهر بمواقف محرجة تم تداولها كـ”صور ساخرة” (Memes)، مثل اصطدامه بباب زجاجي أو سقوطه من فوق المسرح، كما أثار الجدل بالصدام مع المصورين، وخوض نزاعات علنية مع المصورين دفاعا عن خصوصيته. اختفى بيبر عن الجولات الغنائية الكاملة منذ 2022، ويعود السبب الرئيسي لهذا الغياب إلى أزمات صحية ونفسية حادة.

    وقد أصيب بيبر بمتلازمة “رامزي هانت” التي تسببت في إصابة نصف وجهه بالشلل، مما أجبره على إلغاء “جولة جاستس العالمية” (Justice World Tour) عام 2022، وكان قد أصيب بداء لايم، وأعلن عن معاناته معه في عام 2020، مما أثر على طاقته وصحته العامة، وشارك جمهوره مرارا معاناته مع القلق والضغوط النفسية الناتجة عن الشهرة المبكرة.

    مع مرور الوقت، خاصة بعد ألبوم Purpose وزواجه من هايلي بالدوين عام 2018، بدأت صورته العامة تتجه نحو الاستقرار، مع تبني شخصية أكثر هدوءا ونضجا. وفي السنوات الأخيرة، واصل بيبر تطوير مسيرته من خلال ألبومي Changes (2020) وJustice (2021)، إذ حقق أرقامًا قياسية جديدة، وأصبح أصغر فنان منفرد تتصدر ثمانية من ألبوماته قائمة Billboard 200.

    ويمثّل مهرجان “كوتشيلا” “ولادة جديدة” لجاستن بيبر، إذ أصبح الفنان الأعلى أجرا في تاريخ المهرجان بتقاضيه 10 ملايين دولار، وهي صفقة تفاوض عليها مباشرة دون وكيل أعمال، مما يعكس سيطرته الكاملة على مسيرته بعد انفصاله عن سكوتر براون. وكانت زوجته هايلي بيبر القوة الدافعة وراء قراره بالعودة للمسرح.

    رغم الانقسام حول جودة الأداء، أثبت بيبر في “كوتشيلا” أنه لا يزال رقما صعبا في عالم البوب، فضلا عن أنه ظاهرة ثقافية في عصر الإنترنت، إذ بدأ من يوتيوب وأصبح أحد أبرز نجوم البوب في القرن الحادي والعشرين. لكن أهم ما في مساره هو إثبات أن الطريق إلى الشهرة في صناعة الموسيقى، يمكن أن يبدأ من شاشة صغيرة ويصل إلى العالم.

    المصدر: الجزيرة + الصحافة الأجنبية + مواقع التواصل الاجتماعي