كأمٍّ لطفل على «طيف التوحّد»، صار اليومَ شابًّا جميلا، أفرحُ بأى دراما تتناول تجربة التوّحد. ومنذ أُعلن عن مسلسل «اللون الأزرق» على خارطة رمضان، كنتُ أعدُّ الأيام شوقًا، وتوقًا لأن يتعرف الناسُ على العالم الغريب الذى تعيشه أُسرٌ رزقها اللهُ بكائن مختلفٍ وجميل، مُرهِقٍ وآسر، جوهرة صعبة تحتاج إلى جهد خارق لكى يشعَّ ضوؤها، فيسرُّ الناظرين.
أسعدنى أن يصبح «التوحد» حاضرًا، ولو قليلاً، فى الوعى العام خلال السنوات الأخيرة. لم يعد ذلك «اللغز الغامض» الذى يُهمَس به داخل البيوت، بل صار موضوعًا يُناقَش فى الإعلام، والمدارس، ووسائل التواصل وفى الدراما أيضًا. هذا الحضور يستدعى حكايات إنسانية تُقرّب الناس من هذا العالم، لا بوصفه «مأساة» بل كاختلاف إنسانى له لغتُه الخاصة. لغةٌ لم ننجح بعدُ فى جمع أبجدياتها كاملةً.
«طيف التوحّد» Autism Spectrum Disorder مادة ثرية دراميًّا. لأنه يضع الشخصية فى صراع مزدوج: صراعها مع العالم، وصراع العالم معها. من هذه الثنائية تتولّد لحظات شديدة الحساسية: العزلة، التشرنق، سوء الفهم، ومضات العبقرية، والانكسار الصامت. كل هذا مغرٍ لأى كاتب يبحث عن مادة تمسّ القلب. وأُثمِّن التوجه نحو «الدراما التوعوية» التى تمزج الحكاية بالرسالة. فالجمهور لم يعد يكتفى بالترفيه؛ بل صار يبحث عمّا يفسّر له بعض غموض الحياة.
لكن، وهذا طبيعى، ليس كل تناول للتوحّد منصفًا وواقعيًّا. بعض الأعمال تنجح فى رسم لوحة أقرب للحقيقة مثل مسلسل «حالة خاصة»، وبعضها يقع فى فخ التبسيط، أو المبالغة، أو استخدام التوحّد كأداة لإثارة التعاطف. وهناك أعمال حاولت بصدق رسم اللوحة، لكن بعض الخطوط والألوان هربت منها، مثل مسلسل «اللون الأزرق»، الذى سأسمح لنفسى أن أكتب عنه اليوم، لا من مقعد النقد الفنى، بل من داخل عباءة الأم التى عاشت «التوحّد» قرابة الثلاثين عامًا.
وقبل أن أشير لبعض الخيوط التى أفلتها المسلسلُ، لابد أن أُحيّى الفنانة «جومانة مراد» على أدائها الفائق لأمٍّ يعصفُ بها الخوفُ على مصير طفلها المتوحد، وهى تترقب الموتَ بين لحظة وأخرى تاركةً هذا «الملاك» دون سند. وكذلك الطفل المدهش «على السكرى»، الذى أجاد تقمّص شخصية «المتوحّد»، بشكل لافت، وكذلك التحية لجميع طاقم العمل المميزين.
ما إن بدأت مشاهدة «اللون الأزرق»، شعرتُ بأننى أمام عالم أعرفه جيدًا، لكن زرقته تختلف عن الزُّرقة التى تسكن بيتى، وتسكنها تفاصيلُ كثيرة، طبيّة ونفسية وغذائية، تخصّ الحياة اليومية لطفلٍ على «طيف التوحد». فالبيتُ الذى يسكنه «متوحد»، يتحول إلى «كبسولة عزل معقّمة» لها نظامٌ شديد الصرامة من حيث: درجة الإضاءة، مستوى الصوت، سلوك أفراد الأسرة، نظام الغذاء المحسوب، ممنوعات ومحرمات لا تدخل البيت مثل «الخبز، الحليب، السكر»، فى مقابل مكملات غذائية تحلُّ على البيت ضيفًا دائمًا لا يغادر.
من المشاهد التى صدمتنى، محاولة الأم تهدئة طفلها بقطعة بسكويت!! فى منطق الشاشة، هذا تفصيلٌ صغيرٌ عابرٌ ومتكرر، ولكنه غالبًا خطأ جسيم فى منطق البيوت التى تعيش مع طفل متوحد. فكل أم لطفل توحدى تعرف أن القمح واللبن والسكريات، تُعدُّ قنابلَ موقوتة للجهاز العصبى لدى معظم أطفال التوحد، لأنهم غالبًا يفتقدون الإنزيم الذى يتعامل مع «الجلوتين- الكازيين- السكر»، وهى مكونات المخبوزات الأساسية. تلك العناصر تُربك الجهاز العصبى ولا تهدئه. فأنا مثلا أخبزُ لابنى خبزًا من دقيق اللوز أو جوز الهند، ولا يدخل القمحُ بيتى، ولا الحليب أو السكر.
كذلك عنصر «الصوت». ظهر الأب معظم الوقت عصبيًّا مرتفع النبرة، وهذا تقريبًا محظور فى «بيت المتوحد»، حيث يصبح مستوى الصوت محسوبًا، ومراقبًا باستمرار. فالجهاز الحسى للمتوحد شديد الحساسية تجاه المثيرات السمعية والبصرية، ما يجعل من ارتفاع الصوت أو شدة الإضاءة عوامل مُرهِقة ومحفزّة لنوبات الانهيار Meltdown. وهنا تتسع الفجوة مرة أخرى بين الدراما والواقع. فبيوت المتوحدين عادةً خافتة الإضاءة، يتكلم أفرادُها بصوت خفيض أقرب للهمس، احترامًا لمزاج المتوحد الحساس لهذين المؤثرين. كذلك استخفَّ الأبُ بأهمية الـ Shadow Teacher أو «معلّم الظل» الذى يرافق الطفل المتوحد فى المدرسة، ليساعده على التواصل مع العالم الخارجى.
المتوحد يكره التلامس الجسدى مثل الحضن والقُبلة، وحتى التواصل بالنظرات مع الآخرين. فى المسلسل نرى «حمزة» يجرى ليحتضن أمه ولا يمانع من أن تغمره بالقبلات. وهذا للأسف غير حقيقى.
والملاحظات لا تنتهى، ولكننى أكتفى بما سبق. ويجب أن أُشير إلى أننى أتحدث عن تجربتى الخاصة مع ابنى المتوحد «عمر»، والتى قد تختلف من طفل لآخر، فهو «طيف» واسع ومعقّد ليس له كتالوج ثابت. لكننى أشرتُ وحسب إلى المتقاطعات داخل هذا العالم المشتجر بالتفاصيل. تحية احترام لصناع المسلسل، وآمل أن تولى الدولة اهتمامًا أكبر بطيف التوحد.
