في مناسبة استعادة شاملة لأفلامه في “السينماتك الفرنسية”، حضر المخرج البريطاني كَن لوتش، صاحب الشعبية الواسعة في فرنسا، إلى باريس، لافتتاح حدث سينمائي يمتد حتى الثالث عشر من الشهر المقبل. اثنان وثلاثون فيلماً، أنجزها منذ بداياته في ستينات القرن الماضي، تعود إلى الشاشة في هذا “المعبد” الباريسي لعشّاق السينما، في محاولة لإعادة التعريف بمخرج ظلّ اسمه، لعقود، مرادفاً لسينما مشتبكة مع الواقع الاجتماعي، منحازة إلى المهمّشين، وصوت الذين لا صوت لهم.
من بين الأفلام المعروضة، يبرز عملان نالا “السعفة الذهب” في مهرجان كانّ: “الرياح تهب” (2006) و”أنا، دانيال بلايك” (2016)، وهما فيلمان يختزلان، كلّ بطريقته، ذلك الإصرار الأخلاقي الذي يطبع مسيرة لوتش. كما يتضمّن البرنامج “درس سينما” يقدّمه المخرج التسعيني، في لقاء مباشر مع جمهور لا يزال يرى فيه ضميراً نقدياً يقظاً.
في كلمته التي ألقاها أمس، عاد لوتش، المناصر المعروف للقضية الفلسطينية، إلى الجدال الذي أثاره المخرج الألماني فيم فندرز خلال الدورة الأخيرة من مهرجان برلين السينمائي، عندما أعلن عن عدم رغبته في الحديث عن السياسة انطلاقاً من موقعه رئيساً للجنة تحكيم. لوتش كان من بين الموقّعين على رسالة مفتوحة موجّهة إلى إدارة “البرليناله”، انتقدت ما اعتبره أصحابها “صمتاً” إزاء الانتهاكات الإسرائيلية.
بدا أن هذه المسألة لم تغادره بعد. كأنها ما زالت عالقة في حلقه، تستدعي العودة إليها، معتبراً اياها امتحاناً أخلاقياً للفنّان: هل يحقّ له أن يلوذ بالصمت، أم أن صوته – مهما كان موقعه وحجمه – يبقى جزءاً من معركة أوسع، تتجاوز حدود الشاشة.
في الآتي كلمة لوتش:
“كنتُ حزيناً إلى حدّ ما عندما رأيتُ ما قاله صديقي العزيز فيم فندرز في مهرجان برلين. لا أريد أن أسيء نقل كلامه. لقد قال: “كسينمائيين، علينا أن نبقى خارج السياسة.
أنا لا أوافق.
وأستشهد هنا بقول مارتن لوثر كينغ. في نضاله من أجل الحقوق المدنية. كتب: “إن أسوأ ما في الأمر ليس عنف الأشرار، بل صمت الأخيار”.
لا يمكننا أن نصمت حين نرى الاستغلال والاضطهاد والفوارق الفاحشة، حين يمتلك البعض ثروات هائلة معفية من الضرائب، فيما يعاني آخرون الجوع ولا يجدون ما يسدّ رمقهم إلا عبر الإحسان.
ولا يمكننا أن نصمت حين نرى الكوكب يُدمَّر. نحن نعرف من يدمّره ولماذا: إنها الحاجة الملحّة إلى الربح. والردّ على ذلك يكمن في قوة الطبقة العاملة وقدرتها على مواجهتهم.
ولا يمكننا أن نصمت أمام الحروب والمجازر والإبادة.
لقد كان السؤال الذي وُجَّه إلى فندرز يتعلّق بالإبادة التي ترتكبها إسرائيل بحق الفلسطينيين في غزة. وكان ذلك، للأسف، هو الموضع الذي قال فيه: ابقوا خارج السياسة.
ربما كان في موقف صعب، وأنا متأكّد من ذلك. لكن لا يمكننا أن نصمت في مواجهة هذا القدر من القسوة.
نحن نحمل هذه الصور في ذاكرتنا إلى الأبد، لأن هذه الإبادة نُقِلت إلينا على الهواء. لقد شاهدنا الأطفال في غرفنا، في بيوتنا، على مدى عامين، بل عامين ونصف العام.
وما زال ذلك مستمراً.
لذلك، لا، لن نصمت.
وإن لم تكونوا قد مللتم، أضيف اقتباساً أخيراً من المغنّي الكبير بول روبسون الذي صرّح: “الفنّانون هم حرّاس الحقيقة، وهم حماة الحضارة، وصوتها الجذري”.
يا له من طموح يستحق أن يُعتنَق. الصوت الجذري للحضارة.
نعم، نستطيع أن نكون كذلك”.
