“الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، طلب مني وقف نار لمدة 10 أيام في لبنان وأنا وافقت”، هكذا تمت المصادقة الإسرائيلية على قرار وقف النار. بكلمة واحدة من رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، من دون العودة للحكومة أو المجلس الوزاري الأمني ولا حتى الكابينت المصغر، وهو قرار لم يسبق وأن اتخذه رئيس حكومة إسرائيلية في ذروة الحرب. الوزراء سمعوا عن القرار عبر تداول التقارير والأخبار ما اضطر نتنياهو في ما بعد إلى إجراء اتصالات هاتفية معهم وإبلاغهم بأنه ما كان أمامه إلا أن يوافق على طلب الرئيس الأميركي.

القرار، ليس فقط طريقة اتخاذه بل بمضمونه، أثار نقاشاً عاصفاً داخل الحكومة والكنيست بينما خرج رؤساء وبلدات الشمال بحملة واسعة ضد نتنياهو واعتبروا القرار هزيمة بل أخطر إخفاقات الحرب منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

نتنياهو خرج للجمهور بتزامن صدور القرار ليتحدث عن قرارات مصيرية من شأنها ضمان انتصار على مختلف الجبهات ثم عاد بعد ظهر الجمعة، في أعقاب المعارضة الواسعة للقرار والحملة ضده، ليحول حديثه إلى قائمة انتصارات بل “إنجازات عظيمة”، كما قال وحرص على التأكيد بأن الجيش الإسرائيلي باقٍ في لبنان وسيواصل عملياته البرية ويعمقها ولن يغادر إلا بنزع سلاح “حزب الله”.

“الإنجازات العظيمة” للجيش الإسرائيلي، وفق وصف نتنياهو، تكمن في عدة مسارات حققها في لبنان: “لأول مرة، نجح في إنشاء شريط أمني عميق على طول امتداد كل الحدود اللبنانية حتى جبل الشيخ، مروراً بهضبة الجولان وحتى اليرموك. لقد أرادوا تطويقنا بحلقة نار فأنشأنا حلقة أمن”، وبرأيه فإن الشريط الأمني أزال تهديد التسلل وإطلاق الصواريخ المضادة للدروع وهو مستمر في السيطرة وسينتشر على طول الخط الأصفر.

وتفاخر نتنياهو في أن الجيش دمر، بحسبه، 90 في المئة من مخازن الصواريخ والقذائف التي بناها الأمين العام السابق لـ”حزب الله”، حسن نصر الله.

وفي محاولة منه لتهدئة الغضب الإسرائيلي على قرار وقف النار أكد للإسرائيليين أن الجيش عائد إلى لبنان ولكن، استدرك مضيفاً “نزع سلاح ‘حزب الله’ يتطلب جهداً مستمراً، وصبراً وطول نفس، ويتطلب إدارة حكيمة في الساحة السياسية”.

وزير الدفاع، يسرائيل كاتس، استبق نتنياهو بحديث عرض فيه خطة إسرائيل ما بعد انتهاء الأيام الـ10 لوقف النار مشدداً أن الجيش سيواصل التمسك بكل المواقع التي سيطر عليها وسيعمق توغله البري، وضرب “حزب الله” في مختلف أنحاء لبنان، ويحقق إنجازات عديدة، لكنها لم تكتمل بعد.

ما يخطط له الجيش بعد انتهاء الأيام الـ10 لوقف النار أوضحها كاتس، وبموجبها الجيش الإسرائيلي سيواصل عملياته بل يعزز توغله البري، فالمنطقة الأمنية التي تحدث عنها ويسيطر عليها الجيش تمتد في عمق عشرة كيلومترات من خط الحدود حتى خط، أسماه الإسرائيليون “مضادات الدروع” ومن المجال البحري غرباً حتى منطقة جبل الشيخ شرقاً.

النشاطات المستمرة بعد انتهاء الفترة، ستشمل عمليات تستهدف عناصر “حزب الله” وبناه التحتية ووسائل القتال كما تشمل الخطة الإسرائيلية استمرار هدم المنازل في القرى اللبنانية القريبة من خط التماس، والتي، عملياً، تحولت إلى مواقع عسكرية فعلية، وفق ما أكد كاتس.

في المجال بين المنطقة الأمنية وخط الليطاني، والذي يخضع حالياً لسيطرة الجيش هناك خطة قتالية لضمان إبعاد عناصر “حزب الله” كلياً وتدمير مخازن الأسلحة والبنى التحتية. أما ما وراء الليطاني وجميع أنحاء لبنان، قال كاتس: “سيواصل الجيش عملياته وبقوة حتى تحقيق أهدافه”.

454.jpg

نازحون يعودون إلى ديارهم عبر الجسر الذي يربط جنوب لبنان ببقية البلاد (رويترز)​​​​​​​

 

دعم مع شروط ضامنة

على رغم الاحتجاج الواسع على وقف إطلاق النار، حتى بين وزراء وأعضاء كنيست من حزب الليكود، إلا أن المؤسسة الأمنية خرجت بموقف داعم بل ترى بالاتفاق فرصة يجب استغلالها لتحقيق أهداف إسرائيل وصولاً إلى ضمان الأمن، بعد استنفاذ الجهود العسكرية لتحقيق هدف نزع سلاح “حزب الله”.

الدعم هذا مرهون، بحسب مسؤول عسكري، بضمان حرية الجيش ويقول: “هناك فرصة سانحة ونريد من الدولة اللبنانية أن تتحمل مسؤولية الوضع وتُعدّ خطة لنزع سلاح ‘حزب الله'”.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الجيش الإسرائيلي كرر موقف رئيس أركانه، إيال زامير، بأن نزع سلاح “حزب الله” بالقوة العسكرية غير ممكن في الوقت الراهن، وأنه من غير الممكن احتلال لبنان بأكمله والتحرك فيه قرية قرية ومنزلاً منزلاً. وكشف أن المؤسسة الأمنية قدمت للمستوى السياسي خلال اجتماع الكابينت، الذي بحث المصادقة على مطلب ترمب، بوقف إطلاق النار، الأربعاء، وانتهى من دون اتخاذ قرار صورة متكاملة لسبل استمرار النشاطات في لبنان ووضع شرطين أساسيين لنجاحه، وهما ضمان حدود قابلة للجيش في توفير الحماية والدفاع إلى جانب حرية عمله في مواجهة أي نشاط يعتبره تعزيزاً ودعماً لقدرات “حزب الله” أو تهديداً لأمن إسرائيل.

ما بين وقف النار واتفاق إيران

أعضاء كنيست وجهات سياسية اعتبروا قرار وقف النار هزيمة لإسرائيل ورضوخاً لضغوطات الرئيس الأميركي من أجل تحقيق اتفاق مع إيران وبالتالي فإن الموافقة على وقف النار وتهديد أمن إسرائيل جاء تجاوباً مع شرط إيران بربط التقدم معها مع الجبهة اللبنانية، على عكس الشرط الذي أصرت عليه إسرائيل وعبر عنه رئيس الحكومة ووزير الدفاع وقادة عسكريون بعدم ربط جبهتي إيران ولبنان.

في تقرير نشرته صحيفة “هآرتس” اعتبر أن قرار وقف النار عكس وضعاً يحسم في نجاح إيران بربط أي اتفاق معها بوقف النار في لبنان، وإن كانت المدة موقتة لـ10 أيام.

وبحسب التقرير “من الصعب على نتنياهو أن يقنع الجمهور الإسرائيلي بأن أهداف الحرب تحققت، فيما لم يتم نزع سلاح ‘حزب الله’ والنظام الإيراني لا يزال على حاله. فحتى الآن لم يتم تحقيق الأهداف المركزية الثلاثة للحرب في إيران، التي حددها نتنياهو في 28 فبراير (شباط): لا استبدال النظام، وفي المحادثات المغلقة لم يتحدث فقط عن إنشاء الظروف لذلك، ولا إزالة التهديدين اللذين تباهى عبثاً بتفكيكهما وهما البرنامج النووي وبرنامج الصواريخ الباليستية”.

في إسرائيل يراهنون على استمرار العلاقة والتنسيق بين واشنطن وتل أبيب بعد التوصل إلى اتفاق مع إيران. الخبير العسكري، رون بن يشاي، يرى أن الرئيس ترمب “فرض وقف إطلاق النار في لبنان على نتنياهو لضمان هدوء في لبنان عند التوقيع على اتفاق مع إيران حتى لا يشكل القتال عقبة أمام أي اتفاق.

وخلافاً لما يروج له داعمو اتفاق وقف النار يرى بن يشاي أنه لن يحسم وضع إسرائيل والجيش في تنفيذ هدف نزع سلاح “حزب الله” ويقول: “غير مؤكد التوصل إلى اتفاق مع إيران ومن غير الواضح إذا كان وقف إطلاق النار مع لبنان سيتجاوز الـ10 أيام، أم أن القتال سيستأنف بعد أقل من أسبوعين”. وأضاف “وقف إطلاق النار سيسمح للجيش الإسرائيلي بجمع معلومات استخباراتية في الأراضي اللبنانية كلها، وسيكون بإمكان سلاح الجو استخلاص دروس، كي يتمكن في حال استئناف إطلاق النار، حتى في المستقبل البعيد، من قمع إطلاق ‘حزب الله’ للقذائف الصاروخية والمسيرات بشكل جذري”.

الخشية الإسرائيلية، كما يوضحها بن يشاي، أن يستغل “حزب الله” وقف إطلاق النار ويقوم بنقل عناصره وعتاده العسكري من قذائف ومضادات للمدرعات وصواريخ كاتيوشا إلى جنوب لبنان بكميات كبيرة.