بينما نعيش اليوم في أبريل/نيسان 2026، يواصل مسلسل “من أجل كل البشر” (For All Mankind) رحلته الملحمية لإعادة كتابة أقدارنا بين النجوم.
انطلق هذا العمل في عام 2019 كأحد أعمدة منصة “أبل تي في بلس” (+Apple TV)، ولم يكن مجرد مسلسل خيال علمي آخر، بل كان “تجربة فكرية” عملاقة من تطوير الرؤيوي رونالد دي مور.
في موسمه الرابع، يتحول الفضاء في مسلسل “لكل البشرية” إلى ساحة صراع اقتصادي وسياسي على الموارد (أبل تي في بلس)
يستند المسلسل إلى ما يسمى بـ”التاريخ البديل”، إذ تبدأ قصته بزلزال تاريخي يعود إلى يونيو/حزيران 1969 حيث تسمّر العالم أمام شاشات التلفزيون ليشاهد رائد الفضاء السوفيتي أليكسي ليونوف وهو يطأ سطح القمر أولا.
اقرأ أيضا list of 2 itemsend of list
هذه “الهزيمة” الأمريكية -بحسب رؤية المسلسل- لم تكن نهاية المطاف، بل كانت الوقود الذي أشعل نارا لم تنطفئ أبدا؛ فبدلا من تراخي وكالة الطيران والفضاء الأمريكية (ناسا) بعد إنجاز أبولو كما حدث في واقعنا، أدى هذا السبق السوفيتي إلى استنفار تقني واجتماعي جعل الفضاء هو الأولوية القصوى للبشرية.
فلسفة المسلسل: يوتوبيا ولدت من رحم المنافسة
لا يتعامل العمل مع التاريخ كحقائق جامدة، بل كمسارات احتمالية مفتوحة. فالفلسفة الكامنة وراء المسلسل، كما يحللها نقاد موقع فاريتي (Variety)، هي “التفاؤل من خلال الصراع”.
ويطرح المسلسل فرضية جريئة، وهي أن “المنافسة”، حتى في أوج الحرب الباردة، هي المحرك الحقيقي للتقدم. ففي هذا العالم البديل، لم يتراجع التمويل، ولم يقل الاهتمام الشعبي، بل تحول القمر إلى “القارة الثامنة”.
هذه الفلسفة تمتد لتشمل البعد الاجتماعي؛ فالحاجة الماسة للتفوق على السوفييت (الذين أرسلوا امرأة إلى القمر في وقت مبكر) أجبرت ناسا المحافظة في السبعينيات على كسر حاجز العنصرية والتمييز ضد المرأة قبل عقود من حدوث ذلك واقعيا.
إنها رؤية تقول إن العلم لا يطور الآلات فحسب، بل يطور المجتمعات أيضا عندما يصبح الطموح أكبر من التحيز.
عقد السبعينيات.. القمر كوطن ثانٍ
في الموسم الأول، ننتقل من صدمة الهبوط السوفيتي على القمر إلى بناء قاعدة “جيمستاون” الأمريكية بجوار فوهة شاكلتون.
نقديا، تميزت هذه المرحلة بالواقعية التقنية الخشنة؛ حيث الصواريخ تهتز، وحواسيب بدائية بذاكرة محدودة، ورواد فضاء يعانون من العزلة والضغط النفسي.
هنا، يبرز المسلسل كدراما إنسانية عميقة؛ فشخصيات مثل “إدوارد بالدوين” و”غوردو ستيفنز” ليست مجرد رموز بطولية، بل هي نماذج لبشر يصارعون مخاوفهم في بيئة لا ترحم.
صورة تخيلية لأحد رواد أبولو يزرع علم أمريكا على سطح القمر (أبل)
وحتى اكتشاف المياه المتجمدة على القمر في المسلسل (والذي تأخر العلم الحقيقي في تأكيده لسنوات طويلة) كان نقطة التحول التي جعلت الاستيطان الدائم ممكنا، محولا القمر من وجهة للزيارة إلى “وطن” جديد.
الثمانينيات.. عسكرة النجوم وجموح التكنولوجيا
مع القفزة الزمنية للموسم الثاني، نجد أنفسنا في أوج الثمانينيات. ففي واقعنا، كان الرئيس الأمريكي رونالد ريغان يطلق مبادرة “حرب النجوم” كمشروع نظري، لكن في المسلسل، أصبحت المواجهة المسلحة على القمر حقيقة واقعة.
وتشير تقارير موقع “سبيس كوم” (Space.com) إلى أن الدقة العلمية في تصوير المكوكات النووية مثل المكوك “باثفايندر” (الافتراضي) كانت مذهلة.
وفي هذه المرحلة، بدأ المسلسل يطرح تساؤلات سياسية معقدة: هل سننقل كراهيتنا وحروبنا معنا إلى الفضاء؟ فقد تسارعت التكنولوجيا هنا بشكل مذهل بفضل “اقتصاد الفضاء”، مما أدى إلى ظهور تقنيات الاندماج النووي التي بدأت تحل أزمة الطاقة على الأرض، وهو ما يثبت أن الاستثمار في الفضاء ليس “هباء” بل هو إنقاذ للكوكب الأم.
التسعينيات.. السباق الثلاثي نحو الكوكب الأحمر
عندما وصلنا إلى الموسم الثالث، كان المسلسل قد تفوق تماما على واقعنا التقني. ففي التسعينيات البديلة، لم يعد السباق محصورا بين دولتين، بل دخل “القطاع الخاص” ممثلا بشركة “هيليوس” ورئيسها الطموح “ديف آيسا”، وهنا نرى “بروفة” سينمائية لما يفعله إيلون ماسك اليوم.
“باث فايندر” هو أول مكوك فضائي (في الفيلم) يعمل بالطاقة النووية (أبل تي في بلس)
وأما الوصول إلى المريخ في عام 1994 فقد كان ذروة الدراما؛ من تحالفات هشة، وتكنولوجيا دفع نووي متطورة، وصراع على “من سيضع قدمه أولا”.
نقديا، يرى كتّاب “هوليوود ريبورتر” (The Hollywood Reporter) أن هذا الموسم حوّل المسلسل من دراما تاريخية إلى “أوبرا فضائية” ملحمية، حيث أصبحت المخاطر كونية، والنتائج تؤثر على مستقبل الجنس البشري بأكمله، وتأسيس قاعدة “هابي فالي” على المريخ كان إيذانا ببدء عصر “البشر المتعددي الكواكب”.
الألفية الجديدة وما بعدها.. تعدين الكويكبات والمصاعد الفضائية
الموسمان الرابع والخامس (الذي نعيش ذروة أحداثه الآن في 2026) نقلانا إلى عصر “الذهب الفضائي”. فلم يعد الهدف هو الاستكشاف، بل “الاستغلال”، فصراع القوى حول كويكب “غولدي لوكس” الغني بالإيريديوم يعكس جشع البشرية الأزلي.
ويطرح المسلسل الآن في موسمه الخامس تكنولوجيا “المصعد الفضائي”، وهو حلم هندسي يراود العلماء منذ عقود.
وتكمن الدراما هنا في الفجوة الطبقية؛ فالمريخ لم يعد للعلماء فقط، بل أصبح فيه “عمال” وموظفون وسكان عاديون يطالبون بحقوقهم، تماما كما في روايات الخيال العلمي الكلاسيكية، مما يجعل المسلسل نقدا اجتماعيا لاذعا للرأسمالية حتى في أبعد نقطة عن الأرض.
المفارقة التاريخية.. حين يُحرج الواقع خيال المسلسل (والعكس)
تخيل لو أن رواد فضاء أبولو 11، الذين طاروا بحواسيب أقل قوة من “ساعة يد” ذكية اليوم، شاهدوا ما نفعله في 2026. في واقعنا، نحن نملك صواريخ “ستارشيب” التابعة لشركة “سبيس إكس” التي تهبط عموديا.
كما نملك تكنولوجيا اتصالات عبر الأقمار الصناعية “ستارلينك” تغطي الكوكب، ونملك برنامج “أرتميس” الذي يهدف لإعادة البشر إلى القمر، ومشاريع “بلو أوريجن”، التي يملكها “جيف بيزوس”، لبناء مستعمرات فضائية مدارية مستقبلية.
في المسلسل، الصين تُنشئ أول قاعدة لها على سطح القمر (أبل تي في بلس)
أما المفارقة المذهلة فهي أن تكنولوجيا “ماسك” و”بيزوس” اليوم، في بعض جوانبها، تفوق ما صوره المسلسل في تسعينياته البديلة من حيث “كفاءة التكلفة” و”إعادة الاستخدام”.
لكن، في المقابل، يتفوق المسلسل في “الإرادة السياسية”؛ فهم هناك يملكون مدنا على المريخ، بينما نحن (بغض النظر عن جنسيتنا) لا نزال نعدّ العدة للرحلة الأولى.
المسلسل يضعنا في زاوية ضيقة، فنحن نملك الأدوات (التكنولوجيا)، لكننا نفتقر إلى الزخم الذي خلقته “الهزيمة أمام السوفييت” في عالمهم.
الإنسان في مهب النجوم.. ليس مجرد معدن وصواريخ
رغم كل هذا الحديث عن المحركات النووية والكويكبات، يظل قلب المسلسل هو “الإنسان”، حيث قصص الحب، والخيانة، والطموح القاتل، وفقدان الأبناء في الفضاء.
فشخصيات مثل “دانييل بول”، التي بدأت كرائدة فضاء شابة وأصبحت قائدة لمهمات المريخ، تمثل الروح البشرية التي لا تنكسر.
تلد كيلي بالدوين ابنها أليكس في مدار المريخ، ليصبح أول طفل يولد خارج كوكب الأرض (أبل تي في بلس)
ويطرح المسلسل سؤالا وجوديا: هل سنظل “بشرا” عندما نولد ونعيش ونموت بعيدا عن الجاذبية الأرضية؟ وولادة أول طفل على المريخ في المسلسل كانت لحظة فلسفية بامتياز؛ فهذا الطفل لم يسبق له أن تنفس هواء الأرض، فما هي “هويته”؟
المهمة الأخيرة وما وراء النجوم
بينما نترقب نهاية الموسم الخامس في مايو/أيار 2026 القادم، تزداد الإثارة مع تأكيد إنتاج الموسم السادس والختامي، الذي من المتوقع أن يقفز بنا إلى عام 2022 وما بعده في خطهم الزمني، ليقفل دائرة التاريخ البديل.
ولأن هذا الكون الدرامي بات أوسع من أن يحويه مسلسل واحد، ننتظر أيضا المسلسل المشتق “مدينة النجوم” (Star City) في 29 مايو/أيار 2026، لنرى القصة من وجهة نظر “المعسكر الآخر” (الاتحاد السوفيتي).
المستقبل الذي تأخر.. أو الذي ينتظرنا
في النهاية، لا يقدم مسلسل “لكل البشرية” قصة عن الصواريخ فحسب، بل هو “بيان” حول ما يمكن للبشرية تحقيقه إذا تغلبت على صراعاتها الصغيرة لصالح طموح أكبر.
هو ليس حنينا إلى الماضي، بل دعوة لإعادة التفكير في المستقبل. فربما، كما يقترح العمل، لم يكن السؤال يوما: “هل نستطيع الوصول إلى النجوم؟”، بل: “هل نريد ذلك حقا بما يكفي؟”.
هذا الأمر يذكرنا بأن الفضاء ليس مكانا باردا وفراغا موحشا، بل هو المرآة التي نرى فيها أعظم ما فينا.. وأسوأ ما فينا أيضا.
والسؤال هنا: لو خُيّرنا اليوم بين العيش في عالمنا الواقعي بتكنولوجياته المتاحة، وبين الانتقال لعالم المسلسل حيث المريخ مأهول ولكن الصراعات السياسية على أشدها.. فأي تاريخ سنختار لنكون جزءا منه؟
