يرتّب المعرض سيرة فنية ظلت لسنوات مبعثرة بين الشوارع والجدران (العربي الجديد)
خلال التجول في معرض بانكسي ليمتلس (Banksy Limitless) في لندن، لا ينفتح عالم بانكسي على الزائر عبر صدمة بصرية فورية، بل يتكشف على مهل، كما لو أن المعرض نفسه يعرف أن هذا الفنان لا يُقرأ من النظرة الأولى.
تبدأ الرحلة بخط زمني طويل يلمّ البدايات الأولى في بريستول والملصقات والتواريخ والمحطات التي صنعت اسم فنان اعتاد أن يظهر سريعاً ثم يختفي، تاركاً أثره على الجدار للمدينة والناس.
هذا المدخل يرتّب سيرة فنية ظلت لسنوات مبعثرة بين الشوارع والجدران والصدف البصرية، ويضعها في مسار واحد يتيح للزائر أن يتتبع كيف تحوّل اسم خرج من الهامش إلى ظاهرة عالمية.
بعد ذلك، ينتقل المسار إلى الأعمال الفردية الأشهر، ليتباطأ الإيقاع تلقائياً. هنا، لا يمر الزوار مروراً سريعاً، بل يقفون طويلاً أمام كل لوحة أو تمثال، يتأملون التفاصيل ويعيدون قراءة الصور التي يعرفونها أصلاً وقد انتُزعت من الشارع، ووُضعت داخل القاعة.
يُقدَّم بانكسي داخل فضاء مدروس الإضاءة ومحسوب الإيقاع (العربي الجديد)
في هذه اللحظة تحديداً، تتبدى مفارقة المعرض كما تتبدى قوته أيضاً. فالفنان الذي خرج من الشارع وبنى جانباً من أسطورته على المجانية والمباغتة والانفلات من المؤسسة، يُعاد تقديمه هنا داخل فضاء مدروس الإضاءة ومحسوب الإيقاع وواضح الانتقالات.
غير أن هذه النقلة لا تبدو نزعاً كاملاً لروح هذا الفن، بقدر ما تبدو محاولة للاقتراب من عالمه من الداخل، خطوة بعد أخرى، من السخرية الأولى إلى أشهر صوره، ومن الجدار المحلي إلى أسئلته الأوسع عن الحرب والسلطة وفلسطين والهجرة والمناخ والعنف الكامن في تفاصيل الحياة اليومية. هكذا لا يظهر “بانكسي ليمتلس” بوصفه مساراً بصرياً وفكرياً يعيد تركيب عالم فنان ظل أكبر من أي إطار وأصعب من أن يُحتوى بسهولة.
مع التقدم داخل القاعات، يصل المسار إلى قسم “وولد أوف هوتيل” (Walled Off Hotel)، فيبطئ إيقاعه قليلاً، كأنه يفسح المجال أمام واحدة من أكثر محطات بانكسي كثافة وحمولة.
هنا، تبدو الأعمال مفاتيح للدخول إلى عالم صاغه الفنان حول بيت لحم والجدار الفاصل، عالم يتجاور فيه الاحتجاج مع الفن وتتداخل فيه السخرية مع الثقل السياسي، وتصبح جراح المكان جزءاً من التكوين البصري نفسه. عبر المجسمات والصور والعناصر المستعادة من الفندق، ينتقل الزائر من تتبع مسيرة فنان ذائع الصيت إلى ملامسة واحدة من أكثر تجاربه اتصالاً بفلسطين.
تختار التظاهرة أن تُنهي الرحلة مفتوحةً على التكرار والالتباس والتشظي (العربي الجديد)
ما يلفت في هذا القسم أن المعرض لا يدفع بهذه الأعمال إلى الهامش ولا يعاملها بوصفها زينة ذات نبرة سياسية، بل يضعها في قلب تجربة بانكسي نفسها. على امتداد هذا الجزء، يبدو واضحاً أن الفنان الذي اشتبك طويلاً مع رموز الحرب والاستهلاك والهيمنة في مدن الغرب، وجد في بيت لحم مساحة حادة ومكثفة لاختبار العلاقة بين الصورة والجدار والسلطة والذاكرة.
تمثّل هذه الأعمال جزءاً مؤسِّساً من عالمه البصري، وكأن المعرض يذكّر بأن بانكسي فنان عرف كيف يجعل من المكان الجريح مادة فنية من دون أن يفرغه من ثقله.
بعدها، يتغير الضوء ويتبدل المزاج. مع دخول الزائر إلى قسم حديقة الحيوانات تحت إضاءة خافتة، يبدو كأن المعرض ينتقل من عرض الأعمال إلى صناعة مناخ كامل لها. هناك، تبدأ الأعمال في التحرك داخل عين المتلقي بطريقة مختلفة، لتمسي جزءاً من عالم أكثف وأغرب. القرود التي تعود في أكثر من محطة تحضر بوصفها أداة حادة لتعرية السياسة والسلطة وهشاشة ادعائهما.
في العمل الذي يلمح إلى يوم تصبح فيه هي صاحبة اليد العليا، وفي مشهد البرلمان البريطاني وقد انقلب إلى مسرح عبثي، تتكثف سخرية بانكسي في صورة تختصر كثيراً من الشك في المؤسسة وفي اللغة التي تكسو بها هيبتها.
من هذه العتبة، يتسع المسار أكثر ويفتح على عالم يشبه “ديزني” لكن بصورة كئيبة ومقلقة. على الجوانب، تتناثر البراميل واليافطات كأنها بقايا مسرح ترفيهي تعرّض لتخريب مقصود. الإضاءة الخافتة هنا تشكّل جزءاً من الإحساس العام بأن المتعة نفسها موضوعة موضع مساءلة.
وقبل دخول عالم ديسمالاند، تقف شرطية تؤدي دوراً تمثيلياً وتفتش الزوار بأسلوب هزلي، فيبتسم كثيرون وهم يعبرون، لكن الابتسامة نفسها تبدو جزءاً من اللعبة التي يتقنها بانكسي: جعل المشهد مضحكاً ومقلقاً في آن. بذلك، لا يدخل الزائر إلى ديسمالاند باعتباره امتداداً طبيعياً لهذا العالم المقلوب الذي يسحب البراءة من صورها المألوفة ويعيد تقديمها بملامح أقسى.
هناك يتبدل الإيقاع مرة أخرى. لم يعد الأمر يتعلق بلوحة أو ملصق أو استعارة خاطفة، بل بفضاء كامل أُعيد تشييده على أنقاض الترفيه نفسه. القلاع والتماثيل والرموز المستعارة من عالم ديزني لا تظهر موادَّ جرى العبث بها عمداً حتى تكشف ما يختبئ تحت سطحها اللامع من وهم وقسوة وابتذال.
بهذا المعنى، يبدو ديسمالاند لحظة شديدة الكثافة في مشروعه كل بانكسي؛ إذ تلتقي الثقافة الشعبية بالنقد الاجتماعي وتفقد المتعة براءتها، لتتحول إلى مرآة معتمة للعالم الذي ينتجها. في مستوى آخر من التجربة، يتأكد أن القائمين على المعرض يريدون أن يدخل الزائر فعلياً في مناخ بانكسي.
الممرات تستلهم شكل محطات المترو، والعناوين تُحرّف بروح ساخرة، والأعمال لا تبقى حبيسة الجدار، بل تمتد إلى مجسمات وفضاءات أقرب إلى مشاهد مسرحية مكتملة. السخرية هنا لا تنبع من مضمون اللوحات وحده، بل من بنية العرض نفسها.
مترو لندن يُعاد تشكيله هزلياً، والرموز البريطانية تنقلب على صورتها المألوفة، فيما يكشف الفضاء الذي يبدو ترفيهياً في ظاهره عن طبقة أكثر إزعاجاً في عمقه. حتى شاحنة صفارات الحملان المحمّلة بدمى حيوانات محشورة في مشهد يجمع العبث بالقسوة، تؤدي دوراً أساسياً في هذا الإيقاع العام. بهذه الطريقة، يعيد المعرض تقديم أعمال بانكسي، ليمشي الزائر داخله ويصطدم بمفارقاته تباعاً.
مع الاقتراب من الممرات الأخيرة، تتجه التجربة إلى إحكام هذا العالم من الداخل. آخر المحطات غرفة مرايا يقف فيها الزوار داخل انعكاسات لا تنتهي، كأن المعرض يختار أن ينهي الرحلة مفتوحاً على التكرار والالتباس والتشظي.
بعد الجدران، والمجسمات، والممرات المستعارة من المترو، والفضاءات الغامرة، تأتي المرايا لتعيد الزائر إلى نفسه داخل عالم بانكسي، ولكن من زاوية مضاعفة ومربكة. عند هذه النقطة، يتأكد أن “بانكسي ليمتلس” يراهن على قدرته على إعادة تركيب عالم بانكسي كاملاً داخل فضاء واحد.
يفكك “بانكسي ليمتلس” أسطورة فنان الغرافيتي داخل فضاء مكثّف بإحكام
الإضاءة الملونة والمجسمات المعلقة والزوايا التي تستعير هيئة المترو أو المسرح أو القاعة الغامرة، تدخل في صلب السرد نفسه. كل محطة تمهد لما بعدها، من الخط الزمني إلى الصور الفردية، ومن الإضاءة الخافتة إلى القرود، ومن ديزني الكئيب إلى ديسمالاند، ومن المترو الساخر إلى المرايا الأخيرة.
في هذا تكمن قوة المعرض ومفارقته معاً: الفنان الذي خرج من الشارع وبنى حضوره على المباغتة والمجانية والتخفي، يُعاد تقديمه هنا ضمن تجربة مدفوعة ومنظمة ومصممة بعناية. غير أن هذه المفارقة لا تنتقص من قيمة الزيارة بقدر ما تكشف اتساع عالم بانكسي نفسه.
فصوره، بعد انتقالها من الجدار إلى القاعة، ما زالت قادرة على الإزعاج والسخرية وإثارة الأسئلة والسجال. الأعمال التي تتناول الحرب والهجرة وفلسطين والسلطة والمال والمؤسسة البريطانية تطُل على المشاهد مفرداتٍ متصلة داخل لغة بصرية واحدة، تعرف كيف تختزل العنف والعبث في صورة يصعب المرور عليها بلا أثر.
لهذا، لا يغادر الزائر “بانكسي ليمتلس” بانطباع واحد. جانب من التجربة يمنح متعة بصرية لا يمكن إنكارها، وجانب آخر يترك أثراً من القلق والانقباض، وربما هنا يكمن سر نجاح المعرض. فالمعرض يحاول أن ينقل إلى الداخل شيئاً من توتر بانكسي الأول، ذلك التوتر القائم بين اللعب والاحتجاج، وبين الجاذبية البصرية والرسالة القاسية، وبين السوق وفن نشأ أصلاً على هامشها. ومن هذا المنظور، ينبثق سؤال: هل المؤسسة قادرة على احتواء بانكسي؟
