آليات الاحتلال الإسرائيلي في إحدى القرى المدمرة جنوبي لبنان، 15 إبريل 2026 (Getty)

مع دخول الهدنة يومها الخامس، يواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي التمدّد في قرى جنوب لبنان الحدودية، مستغلاً الاتفاق لتوسيع سيطرته على مناطق لم يكن احتلها قبل بدء سريان وقف النار حيز التنفيذ منتصف ليل الخميس- الجمعة الماضي، ولزيادة رقعة التدمير الممنهج، والتهجير القسري، وذلك ضمن سياسة الأرض المحروقة الهادفة إلى إنشاء المنطقة العازلة.

وأعلن جيش الاحتلال، أمس الاثنين، أنه يواصل خلال فترة اتفاق وقف إطلاق النار تمركزه في مواقعه بجنوب لبنان، بزعم مواجهة أنشطة حزب الله، داعياً سكان الجنوب إلى عدم التحرك جنوب خط 21 قرية ومحيطها، وهي، مزرعة بيوت السياد، مجدل زون، زبقين، ياطر، صربين، حداثا، بيت ياحون، شقرا، مجدل سلم، قبريخا، فرون، زوطر الغربية، يحمر الشقيف، أرنون، دير ميماس، مرجعيون، إبل السقي، الماري، كفرشوبا، عين قنيا، وعين عطا.

كذلك، منع الاحتلال الاقتراب من منطقة نهر الليطاني ووادي الصلحاني والسلوقي، داعياً أيضاً السكان إلى عدم العبور والعودة إلى نحو 55 قرية، منها البياضة، شاما، طير حرفا، أبو شاش، الجبين، الناقورة، مطمورة، يارين، أم توتة، الزلوطية، بستان، شيحين، مروحين، راميه، بيت ليف، صلحانة، عيتا الشعب، حنين، الطيري، رشاف، يارون، مارون الراس، بنت جبيل، عيناتا، كونين، عيترون، بليدا، محيبيب، ميس الجبل، قلعة دبا، حولا، مركبا، طلوسة، بني حيان، رب ثلاثين، العديسة مرجعيون، كفركلا، الطيبة، دير سريان، قنطرة، علمان، عدشيت القصير، القصير، ميسات، لبونة، اسكندرونة، شمعا، جيجيم، الضهيرة، خربة الكسيف، الخيام، صليب، مزرعة سرده، المجيدية.

احتلال وسيطرة بالنيران على القرى الحدودية في لبنان

في الإطار، قالت مصادر عسكرية لـ”العربي الجديد”، إن “العدو الإسرائيلي وسّع احتلاله على مستوى القرى الحدودية منذ دخول اتفاق وقف النار حيز التنفيذ، إذ كان مسيطراً على نحو 40 بلدة وقرية حدودية، واليوم تخطى عددها الخمسين، وفق خريطة نشرها. كذلك، يواصل يومياً عمليات تفجير في القرى وتوغلات مستمرة بحيث يصعب تحديد مكان تمركزه وبقائه فهو أحياناً يعمد إلى تنفيذ تفجيرات ويخرج من القرية وأحياناً يبقى فيها”.

ولفتت المصادر في المقابل، إلى أنّ “اشكال السيطرة الإسرائيلية عدة، منها الاحتلال الكامل، مثل ما يحصل في طلوسة وبني حيان، ورب ثلاثين، وحولا، وميس الجبل، ومركبا، وغيرها، بما يعني وجوده في القرى وتمركزه فيها، وكذلك السيطرة بالنار، بحيث يمنع على أي من المواطنين الاقتراب من المكان، مثلما هو موجود في أطراف عددٍ من القرى، منها معروفة بغالبيتها المسيحية مثل عين إبل، ودبل، في قضاء بنت جبيل، وذلك في إطار الحصار الذي يفرضه”.

وأشارت المصادر إلى أن “البلدات ذات الغالبية المسيحية على مستوى القرى الحدودية، ليست محتلة لكن واقعة تحت سيطرة إسرائيل، مثل دبل وعين إبل، وعلما الشعب، ورميش، بمعنى أنها موجودة على أطرافها، وهو ما يصعب عملية الوصول إليها، ويعرقل إيصال الكثير من المساعدات والحاجيات الأساسية، وكذلك الأمر بالنسبة إلى قرى ذات غالبية درزية، مثل المجيدية، في قضاء حاصبيا، التي يسيطر العدو على أطرافها”.

مشروع إسرائيلي بري وبحري في الجنوب

وقال الخبير في الشؤون العسكرية والقانون الدولي، العميد أكرم سريوي لـ”العربي الجديد”، إن هناك أكثر من خريطة وزعها ونشرها الإسرائيليون، بعضها فيه العديد من الثغرات، فهناك خريطة ضمّت قرى مثل زوطر الشرقية ويحمر الشقيف، موجودة على الضفة الشمالية لنهر الليطاني والتي لم يصل إليها وليس موجوداً فيها، وهذه الخريطة تحديداً رُسمت قبل انتهاء الحرب بمدة طويلة، وهي تدل على السيطرة، على حزام يمتد من رأس البياضة على شاطئ المتوسط في الجنوب اللبناني وصولاً إلى منطقة جبل الشيخ في الجنوب السوري، أي أنها تنمّ عن مشروع يسبق مسألة السيطرة الميدانية، وهو مشروع إسرائيلي لخلق منطقة عازلة داخل الجنوبين اللبناني والسوري، وضمنه السيطرة على النقطة الاستراتيجية الأكثر أهمية وتتمثل بجبل الشيخ، التي من خلالها يستطيع أن يشرف على الداخلين السوري واللبناني.

وأضاف سريوي “الإسرائيلي وفي ظلّ الحديث عن مفاوضات مرتقبة مع لبنان، وخلال مسار المباحثات التمهيدية وفترة الهدنة، تقصّد بهذا التوقيت نشر الخرائط، منها مسألة إقامة 20 موقعاً عسكرياً في الجنوب اللبناني، أو ما سمّي بالخط الأصفر، وضمه نحو 55 قرية، وكأن هناك معركة إدراك أو خلق واقع سياسي وذهني وإعلامي جديد بأن هذه المناطق أصبحت بحكم المسلّم به في الوجود الإسرائيلي، والنقاش يجب أن ينطلق في عملية التفاوض المباشر استناداً إلى هذا الواقع الجديد وليس إلى اتفاق 2024 (وقف العمليات العدائية) أو القرار الأممي 1701”.

وأردف سريوي “هناك المشروع الأبعد المرتبط بهذه المنطقة فعلياً، والذي يخطّط له الإسرائيلي منذ سنوات، وهو أن تكون هذه الأراضي، تحت إدارة مشتركة، بمعنى أن لا تكون مجرد منطقة اقتصادية عازلة بين لبنان وإسرائيل أو بين سورية وإسرائيل، بل أن تكون عبارة عن منطقة اقتصادية ينشأ لها إدارة مدنية ثلاثية بين لبنان وإسرائيل وسورية، وهو يسعى بهذه الطريقة أيضاً للانقلاب على ترسيم الحدود البحرية في أكتوبر/تشرين الأول 2022″، مضيفاً “عندما يقول الإسرائيلي إن المنطقة أصبحت حدودها البياضة يعني عدم الاعتراف بالحدود السابقة، وتغيير الحدود البحرية، والمشاركة في عملية إنتاج الغاز في البحر، خاصة في البلوكين 8 و9 على الحدود، وبالتالي، هو يريد تغيير الواقع على المستوى البحري أيضاً”.

كذلك، لفت سريوي إلى أن الخريطة تضم يحمر الشقيف في قضاء النبطية وزوطر، موضحا أن مشروع الليطاني يضم سدّاً على نهر الليطاني بين قريتي يحمر والطيبة. وفسر ذلك بأن “هذا السدّ الذي يسمى بسدّ الخردلي، مهمّ جداً لمنطقة جنوب لبنان، وإسرائيل لديها أطماع كبيرة في مياه الليطاني، وربما لاحقاً من خلال الإدارة المشترة أو فرض سيطرتها على هذه المنطقة، قد تعمل على انشاء السدّ للاستفادة من مياهه وجرّ مياه الليطاني إلى فلسطين المحتلة”.

وفي قراءته أيضاً، قال سريوي إن “الإسرائيلي في إعلانه أمس بشقه الأول، المرتبط بـ21 قرية على الشريط الحدودي، فهو يريد خلق منطقة عازلة خالية من السكان، ويقيم فيها نحو 20 موقعاً اسرائيلياً، أما التوجيه الثاني، فهو لقرى مسيطر عليها بالنيران ويُمنع اقتراب السكان منها الآن، أما الشق الثالث فهو يأتي في سياق الضغط على سكان جنوب نهر الليطاني والحكومة اللبنانية لمنع العودة إلى كل القرى المذكورة”. وأضاف أن “عودة السكان اللبنانيين في ظل هذا الوضع المتوتر وعدم اطمئنان المستوطنين في مستوطنات الشمال يؤسس إلى واقع ميداني معيّن من شأنه أن يخلق ضغطاً داخلياً على إسرائيل، من هنا، فإن إسرائيل تحاول أن تقسّم هذه المناطق، وفق قدرتها على السيطرة عليها وربطاً بالواقع الميداني المفروض وبمشاريعها المستقبلية التوسعية على حساب لبنان”.