في جولةٍ ثانيةٍ من المفاوضات التي تعقد اليوم في واشنطن بين لبنان وإسرائيل، سلّطت صحيفة “معاريف” العبريّة الضوء على طبيعة هذه المحادثات، معتبرةً أنّها تأتي في سياق محاولة تمديد وقف إطلاق نارٍ هشّ، في وقتٍ لا تزال فيه الفجوات واسعةً بشأن قضايا أساسيّة، في مقدّمها حزب الله، والانسحاب من جنوب لبنان، ووضع شروطٍ لمواصلة التفاوض.

ورأت الصحيفة أنّ هذا الحدث “نادرٌ على المستوى الإقليميّ”، ويعقد للمرة الأولى منذ عقود، غير أنّ “العنوان الدراميّ يخفي واقعًا أكثر تعقيدًا بكثير”. وبحسب توصيفها، فإنّ الخطوة لا تستهدف إبرام اتفاق سلام، بل تمثّل محاولةً أميركيّةً عاجلةً لوقف مزيدٍ من التدهور على الحدود الشماليّة، وتثبيت وقف إطلاق نارٍ شديد الهشاشة.

وأضافت “معاريف” أنّ الجولة الثانية لم تعد اجتماعًا دبلوماسيًّا تقليديًّا، بل تحوّلت إلى “اختبارٍ حقيقيٍّ لاستمرار التهدئة”، إذ يتركّز جوهر المحادثات على تمديد وقف إطلاق النار، إلى جانب البحث في تحديد موعدٍ لبدء مفاوضاتٍ أوسع تتجاوز مستوى السفراء.

 

أولويّةٌ لبنانيّة: تثبيت الهدنة وتنفيس الضغوط

وبحسب الصحيفة، تقدّر أوساطٌ في بيروت أنّ لبنان سيطلب تمديد الهدنة، بدايةً لعشرة أيّامٍ إضافيّة، وربّما لفترةٍ أطول قد تصل إلى شهر. ومن المنظور اللبنانيّ، يعدّ هذا الهدف ملحًّا وضروريًّا، لأنّه يوفّر فسحةً لالتقاط الأنفاس داخليًّا، واحتواء الضغوط الشعبيّة والسياسيّة، وتجنّب الانزلاق إلى مواجهةٍ واسعةٍ مع إسرائيل.

في المقابل، بدت الرسالة الصادرة من القدس أكثر تعقيدًا، إذ شدّد وزير الخارجيّة الإسرائيليّ جدعون ساعر، في الأيّام الأخيرة، على استعداد إسرائيل لمواصلة المحادثات، لكنّه أوضح أنّ وقف إطلاق النار وحده لا يكفي من وجهة نظر بلاده. وتسعى إسرائيل، وفق الصحيفة، إلى إحداث تغييرٍ جذريٍّ في الواقع الأمنيّ في الشمال، وفي مقدّمة ذلك اتّخاذ إجراءاتٍ فعّالةٍ ضدّ حزب الله. ومن هذا المنطلق، فإنّ تمديد الهدنة يعدّ خطوةً مهمّة، لكنّه ليس هدفًا بحدّ ذاته.

 

وأشارت “معاريف” إلى أنّ هذه الفجوات تعكس اختلافًا عميقًا في المقاربات بين الأطراف. فبينما تتحدّث الولايات المتحدة وإسرائيل عن “فرصةٍ سياسيّةٍ خاصّةٍ” وأفقٍ أوسع، يحرص لبنان على توصيف المحادثات بوصفها عمليّةً محدودةً ووظيفيّة، هدفها الأساسيّ تثبيت الاستقرار، لا إطلاق مسارٍ سياسيٍّ واسعٍ مع إسرائيل.

ومن منظور القدس، فإنّ استئناف المحادثات المباشرة بعد أكثر من أربعة عقود يعدّ إنجازًا سياسيًّا ومؤشّرًا إلى إمكانيّة فتح مسارٍ أوسع. أمّا في بيروت، فيبرز توجّهٌ واضحٌ لتقديم الاتّصالات على أنّها مسارٌ محدودٌ يخدم التهدئة والانسحاب، لا التطبيع.

 

لا إجماع داخليًّا في لبنان

وفي الشأن الداخليّ اللبنانيّ، نقلت الصحيفة أنّه “لا يوجد إجماعٌ داخليٌّ في لبنان”. وأوضحت أنّ رئيس الحكومة نواف سلام سعى، في الأيّام الأخيرة، إلى موازنة الضغوط، من خلال تقديم المسار الدبلوماسيّ باعتباره مسؤوليّةً وطنيّة، مع التأكيد في الوقت نفسه أنّه لا يمثّل تنازلًا.

كما عزّز رئيس الجمهوريّة جوزيف عون هذا الموقف، مشدّدًا على أنّ المحادثات “ليست استسلامًا”. في المقابل، يواصل حزب الله معارضته لأيّ اتّصالٍ مباشرٍ مع إسرائيل، فيما يبدي رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي تحفّظًا على عقد لقاءاتٍ وجهًا لوجه.

وفي خلفيّة هذا المشهد، تتحرّك القيادة اللبنانيّة وسط تصاعد التوتّرات الداخليّة، ومخاوف من تداعياتٍ سياسيّةٍ وطائفيّةٍ تتعلّق بمكانة حزب الله، الأمر الذي يحدّ أكثر من هامش المناورة لديها. وتخلص الصحيفة إلى أنّ هذه المعطيات تنتج واقعًا سياسيًّا هشًّا، تصل فيه القيادة اللبنانيّة إلى طاولة المفاوضات بقدرةٍ محدودةٍ على اتّخاذ قراراتٍ بعيدة المدى، في ظلّ خضوع كلّ خطوةٍ لانتقاداتٍ داخليّة، وأحيانًا لتهديداتٍ فعليّة.

 

دورٌ أميركيٌّ لإدارة الأزمة لا لحسمها

وفي ختام تقريرها، أكّدت “معاريف” أنّ الولايات المتحدة تؤدّي دورًا محوريًّا، بصفتها الدولة المضيفة والوسيط والقوّة الدافعة لاستمرار المحادثات. ومن منظور الإدارة الأميركيّة، تمثّل هذه الجهود محاولةً لتثبيت ساحةٍ قابلةٍ للاشتعال سريعًا، ولا سيّما في ظلّ التوتّرات الإقليميّة الأوسع.

وبحسب التقرير، يؤكّد الأميركيّون أنّ المحادثات تجرى “بحسن نيّة”، لكنّهم يمتنعون عن التلميح إلى إمكانيّة تحقيق اختراقٍ وشيك. وترى الصحيفة أنّ مجرّد انعقاد الجولة الثانية، مجدّدًا في وزارة الخارجيّة وعلى مستوى السفراء، يعكس نهجًا حذرًا يهدف إلى إدارة الأزمة أكثر ممّا يسعى إلى حلّها جذريًّا.

وفي السياق نفسه، أفادت القناة 12 الإسرائيليّة بأنّ “إسرائيل تمتنع عن تصعيد ردّها على ما تصفه بالخروقات من قبل حزب الله، استجابةً لطلبٍ أميركيٍّ يهدف إلى تجنّب الإضرار بالمفاوضات التي قد تستأنف خلال الأيّام المقبلة بين الولايات المتحدة وإيران”.

وأضافت القناة أنّ هذه السياسة تواجه بانتقاداتٍ من مسؤولين أمنيّين إسرائيليّين، يطالبون بردٍّ “غير متكافئٍ” ضدّ حزب الله، في ما يعكس تباينًا داخل المؤسّسة الإسرائيليّة بين ضرورات التهدئة وحسابات الردع.