لكل من هؤلاء الصحافيين قصة تؤكد على انتهاكات مؤكدة للأعراف الدولية وعلى حصول ما وصفته “هيومن رايتس واتش” بـ “جرائم الحرب” التي تغيب فيها المساءلة والعدالة. إلا أن قصة آمال خليل تشهد بشكل فاضح على القتل الممنهج والجريمة المتعمدة بحق الصحافيين، فهي لم تقتل عن طريق الخطأ في غارة على المنطقة التي تواجدت فيها في التغطية الميدانية في الجنوب، وفق ما تظهر مجريات الأحداث التي سجّلت. حتى أن استهداف خليل مع المراسلة زينب فرج، التي كانت معها في السيارة نفسها في الوقت نفسه، ترافق مع محاصرة محكمة واستهداف مباشر لسيارات الإسعاف التي كانت تحاول إنقاذهما.
هذا الاستهداف الأخير يطرح تساؤلات كثيرة حول الدوافع الاسرائيلية باعتدائها على الصحافيين بشكل مباشر أثناء قيامهم بواجبهم المهني في التغطية الإعلامية. فهؤلاء لحقوا شغفهم في العمل الميداني غير آبهين بالمخاطر، بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية والحزبية، ظناً منهم أن الخوذة والسترة الواقية التي تحمل علامة الصحافة قد تحميهم، وبوجود القوانين الدولية التي من المفترض أن تشكل حصانة إضافية لهم.
جرائم حرب موصوفة
منذ خريف عام 2023 تكررت الاعتداءات الاسرائيلية على الصحافيين أثناء قيامهم بعملهم الميدني وتغطية مجريات الحرب، إلا أن ما حصل مع آمال خليل وزميلتها التي كانت ترافقها المصورة زينت فرج، كان مختلفاً بشكل تام.

طوال ساعات تركزت المساعي على وصول المسعفين إلى آمال خليل وإنقاذها (اندبندنت عربية)
تفيد المعطيات التي كشف عنها صحافيون ومسعفو الصليب الأحمر الدولي وأخرون من الدفاع المدني عما حصل مع خليل وفرج. فعند الساعة الثانية و45 دقيقة من بعد ظهر الأربعاء، توجهت الصحافيتان إلى تغطية ميدانية في بلدة الطيري، التي تقع خارج المنطقة الصفراء التي حددها الجيش الإسرائيلي وحذر من الدخول إليها، وقد رافقهما في سيارة أخرى مختار بلدة بنت جبيل وشخص أخر، وما إن دخلوا إلى الطيري حتى استهدفت إسرائيل السيارة التي كان فيها الشابان وقتلا على الفور، فما كان من خليل وفرج إلا أن خرجتا من سيارتهما ووقفتا إلى جانب شجرة قريبة في محاولة للاحتماء. وفي الأثناء اتصلتا بالدفاع المدني والجيش اللبناني لإخراجها من المنطقة. وبعد وقت قصير استهدفت غارة إسرائيلية سيارتهما بشكل مباشر. وبعدها توجهت كل من خليل وفرج إلى منزل قريب للاختباء، فكانت الضربة القاضية بغارة إسرائيلية استهدفت المنزل، فقتلت خليل وأصيبت فرج بجروح استدعت خضوعها بشكل عاجل لعملية جراحية في الرأس. وليس ذلك بل منعت إسرائيل، عبر إلقاء قنابل صوتية، الدفاع المدني وسيارات الإسعاف من الاقتراب والبحث عن خليل من بين الأنقاض، إلى أن تم انتشال جثتها عند منتصف الليل.
على أثر هذه الحادثة، تصاعدت ردود الفعل المستنكرة والمنددة بهذا الانتهاك الجديد الذي قامت به اسرائيل، خصوصاً أن ما حصل لم يظهر أبداً وكأنه خطأ، بل بدا واضحاً أنه ثم استهداف متعمد للصحافيتين، تماماً كما حصل في الاستهدافات العديدة التي طالت صحافيين في الحرب السنوات القليلة الماضية.
وقد أعرب الرئيس جوزاف عون عن ألمه لمقتل آمال خليل واستنكر هذا الاعتداء بالتأكيد على أن تعمّد إسرائيل استهداف الإعلاميين بشكل مباشر هدفه إخفاء حقيقة ارتكاباتها العدوانية ضد لبنان، إضافة إلى أنها “جرائم ضد الإنسانية تعاقب عليها القوانين والأعراف الدولية وتشكل حافزاً لتدخل المجتمع الدولي لوضع حد لها”.
كما أصدرت وزارة الصحة العامة بياناً دانت فيه “الجريمة الموصوفة التي تضاف إلى السجل الكبير للجرائم التي يراكمها الإسرائيلي ضد المدنيين من إعلاميين وعاملين صحيين ومسعفين، مكرساً ضربه بعرض الحائط القوانين والقيم الإنسانية”.
وتعليقاً على ما حصل، أدان وزير الإعلام بول مرقص في حديث خاص مع “اندبندنت عربية” بأشد العبارات الاستهداف المتكرر والمباشر من قبل القوات الإسرائيلية للصحافيين أثناء قيامهم بواجبهم المهني، وآخرها ما تعرّضت له الزميلتان زينب فرج وآمال خليل التي قتلت. وعد هذا الاستهداف انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني، ولا سيما أحكام اتفاقيات جنيف 1949 وبروتوكولاتها الإضافية لعام 1977، خصوصاً المادة 79 من البروتوكول الأول التي تنص صراحة على حماية الصحافيين أثناء النزاعات المسلحة”. وقال “الصحافي، بموجب القانون الدولي، يُعتبر مدنياً، واستهدافه خلال تغطيته الميدانية يُعدّ جريمة حرب موصوفة”. كما أكد أن ما جرى ليس حادثاً عرضياً، بل اعتداء واضحاً”.
أما حول الإجراءات التي تتخذها وزارة الإعلام فتشمل سلسلة خطوات على أكثر من مستوى، منها التحرك القانوني للمطالبة بإعداد ملف استهداف الصحافيين ومتابعة الملف مع وزارتي العدل والخارجية اللبنانيتين، ومن خلال التواصل مع الأمم المتحدة والمقرّرين الدوليين. كما تشمل إرسال مذكرات احتجاج إلى جهات دولية بينها “اليونسكو” ومجلس حقوق الانسان بواسطة مندوبي لبنان أمامهما والمقرر الخاص للأمم المتحدة.
وبالتوازي، كثّفت الوزارة لقاءاتها مع مسؤولين دوليين، من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وقوات حفظ السلام “اليونيفيل”، بهدف حشد ضغط دولي لوقف الانتهاكات. وعلى المستوى الميداني، أعيد تسليط الضوء على آلية التنسيق مع “اليونيفل” لتسهيل عمل الصحافيين وتأمين سلامتهم خلال التغطيات.
تل أبيب علقت على هذا الاستهداف، فقالت المتحدثة العربية باسم الجيش الإسرائيلي عبر منصة “إكس” إن “قوات جيش الدفاع صدت في منطقة جنوب لبنان مركبتين خرجتا من مبنى عسكري يستخدمه “حزب الله”، وقد عبر المخربون خط الدفاع الأمامي واقتربوا من القوات بشكل يشكّل تهديداً فورياً”، على حدّ زعمها.
للتوضيح | في وقت سابق من اليوم (الأربعاء)، رصدت قوات جيش الدفاع في منطقة جنوب لبنان مركبتين خرجتا من مبنى عسكري يستخدمه حزب الله الإرهابي. وقد عبر المخربون خط الدفاع الأمامي واقتربوا من القوات بشكل يشكّل تهديدًا فوريًا.
بعد أن تم تحديد أنهم يخرقون اتفاق وقف إطلاق النار، قام…
— Lieutenant Colonel Ella Waweya | إيلا واوية (@CaptainElla1) April 22, 2026
تحرك دولي لمسألة دولية
من جهتها، دانت نقابة محرري الصحافة اللبنانية الاعتداء الاسرائيلي على الصحافيين الذي أدى إلى مقتل خليل وإصابة فرج بجروح بالغة في بيان أصدرته وقد أكدت فيه أن خليل كانت قد تلقت سابقاً تهديدات عدة ومباشرة بالقتل من اسرائيل. وأضاف البيان “أن النقابة إذ تضع هذا المشهد الدامي أمام الاتحاد العام للصحافيين العرب، تدعوه للقيام بما يلزم من الاتصالات لدعم ثبات الصحافيين والإعلاميين والمصورين اللبنانيين الذين تغتالهم إسرائيل عمداً، وذلك بالتعاون مع النقابات الدولية والعربية، ونقل الصورة الحقيقية للاستهداف المتعمد للإعلام اللبناني والمطالبة بعدم إفلات إسرائيل من العقاب نتيجة إجرامها المتمادي”.

عشرات الاستهدافات الاسرائيلية للصحافييين سجّلت خلال الحرب (أ ف ب)
كما جاء في البيان “إجرام إسرائيل في حق اللبنانيين المدنيين ولا سيما الصحافيين والإعلاميين والمصورين، فاق حد الوصف، الأمر الذي يحتم على الحكومة اللبنانية أن تباشر تحركاً فورياً في اتجاه المراجع الدولية وأن تحرك دعوى عاجلة في حق إسرائيل لأن التمادي في الفظائع التي تقترف ستكون له تدايعات خطيرة من الصعب التكهن بمآلاتها”.
وفي حديث خاص، أشار نقيب المحررين جوزيف القصيفي إلى أن اسرائيل لا تحترم أي اتفاقات ومعاهدات وبروتوكلات تحظر التعرض للمدنيين ومنهم الصحافيين وتكفل حمايتهم وحماية المراسلين الميدانيين، بل تنتهكتها كلها وقد ضربت بها عرض الحائط في قطاع غزة وأيضاً في لبنان.
يأسف قصيفي لأن عدد الصحافيين الذين قضوا أثناء قيامهم بعملهم الميداني في تغطية مجريات الحرب وصل إلى 27 وعشرات الجرحى ويأمل بألا يضاف المزيد إليهم، وقال “أسف لأن اسرائيل تعتمد على شريعة الإفلات من العقاب باعتداءاتها على الصحافيين في غزة وفي لبنان. وحتى الآن كل المساعي الدولية للمحاسبة على الاعتداءات على الصحافيين باءت بالفشل وهو أمر خطير لا يمكن التهاون فيه”.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
انطلاقاً من هذا الواقع الذي يبدو واضحاً فيه أن الاعتداءات المتكررة لا تقابل بأي محاسبة، شدد قصيفي على ضرورة توخي الصحافيين الحذر أثناء التغطية الميدانية، وحرصهم على التواصل مع قوات “اليونيفل” والفرق الإسعافية للتحقق من مستوى الخطر قبل التوجه إلى المناطق المستهدفة، إلى جانب التأكد من الأماكن التي يمكن أن تشكل ملاذاً آمناً في حال الخطر، خصوصاً أنه لا يمكن المقارنة ما بين قوة الجيش الاسرائيلي وإمكانات الإعلاميين وتجهيزاتهم. ولا ينكر أن قسماً من الاستهدافات الاسرائيلية للصحافيين بدت متعمدة.

تبدو المحاسبة الجدية غائبة ما يهدد بسقوط المزيد من الضحايا (أ ف ب)
ما بين 2023 واليوم
عشرات الاستهدافات الاسرائيلية للصحافييين سجّلت خلال الحرب، بغياب أية مساءلة. علماً أنه في عام 2025، وثقت لجنة حماية الصحافيين مقتل 129 صحافياً وعاملاً في مجال الإعلام في العالم، قتلت اسرائيل ثلثيهم. وتعتبر هذه الحصيلة السنوية الأعلى من الاعتداءات على صحافيين منذ عام 1992 حين بدأت اللجنة توثيق هذه الحالات.
آمال خليل و26 صحافياً سبقوها وقفوا في مواجهة الخطر في الخطوط الأمامية في التغطية الميدانية، فاستهدفوا على رغم اعتمادهم الدروع الواقية التي كتب عليها”صحافة” وقد اعتقدوا أنها قد تحميهم من القصف.
ومن الصحافيين الذين ذهبوا ضحية هذه الاعتداءات المراسل علي شعيب الذي قتل في غارة مباشرة استهدفت سيارته قبل نحو أسبوعين، ومعه المراسلة فاطمة فتوني التي قتلت في الغارة نفسها، إلى جانب شقيقها المصور محمد فتوني. وأيضاً حسين حمود وحسين كوراني من ضحايا الاستهدافات الاسرائيلية، إضافة إلى مصور وكالة “رويترز” عصام عبدالله الذي قتل في قصف مدفعي اسرائيلي مباشر استهدف مجموعة من الصحافيين في بداية الحرب عام 2023.
أيضاً في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 أسفرت غارة اسرائيلية في بلدة طيرحرفا في جنوب لبنان عن مقتل المراسلة فرح عمر والمصور ربيع المعماري. ومن الصحافيين الذي ذهبوا ضحايا الاعتداءات الاسرائيلية المتكررة غسان نجار ووسام قاسم ومحمد رضا.
لكن وعلى رغم المواقف الدولية والسياسية التي أدانت في كل مرة مقتل الصحافيين واعتبار الاعتداء بكونه “جريمة حرب” موصوفة، وعلى رغم تفاصيل الاستهداف الأخير الكافية للإدانة لاعتبارها تكشف عن ملاحقة واستهداف متعمد للصحافيتين، ولسيارة الإسعاف بقنبلة وبالرصاص لإعاقة عملية الإنقاذ، تبدو المحاسبة الجدية غائبة ما يهدد بسقوط المزيد من الضحايا. ويبقى الاستنكار غير كافٍ لردع هذه الاعتداءات الهادفة إلى إسكات الإعلاميين بما يمثلونه من صوت للحقيقة، ومنعهم من نقل المشهد بشفافية وحرية.
