في لحظة تتسم بحساسية متزايدة في أسواق المال العالمية، تبرز فكرة مقايضة الدرهم الإماراتي بالدولار الأميركي كأحد أبرز التطورات المرتقبة في بنية السيولة الدولية، ليس بوصفها استجابة لأزمة طارئة، بل كخطوة استباقية تعكس نضج السياسة النقدية في دولة الإمارات وعمق شراكتها مع الولايات المتحدة. فبينما لا يزال الدولار يحتفظ بمكانته كعمود فقري للنظام المالي العالمي، تتجه الاقتصادات الأكثر انفتاحاً وتأثيراً إلى تعزيز أدواتها الوقائية لضمان استمرارية الوصول إلى التمويل، وتقليل حساسية الأسواق تجاه التقلبات المفاجئة.

قدمت وسائل الإعلام العالمية قراءة متقاربة في جوهرها، وإن اختلفت في زوايا الطرح، لـ”مقايضة الدرهم بالدولار”، حيث اعتبرت أن “المقايضة” أداة متقدمة لإدارة السيولة والتحوط المالي. وأن الإمارات لا تتحرك بدافع الحاجة، بل في إطار تعزيز الاستقرار الاستباقي. كما رأت أن هذا التوجه، في حال إنجازه، لا يقتصر على بعد ثنائي، بل يمتد ليخدم استقرار النظام المالي العالمي، عبر دعم أسواق الدولار والحد من التقلبات، مع تعزيز موقع الإمارات كلاعب مالي محوري في شبكة السيولة الدولية.

زوايا متعددة

التغطيات الدولية عكست هذا الفهم من زوايا متعددة؛ إذ أشارت وكالة رويترز إلى أن خط المقايضة “قيد الدراسة”، مؤكدة أنه لا يأتي استجابة لأزمة، بل كخطوة احترازية لتعزيز الاستقرار المالي. وفي السياق ذاته، تناولت بلومبيرغ الفكرة باعتبارها أداة لحماية النظام المالي العالمي، تتجاوز كونها اتفاقاً ثنائياً، في ظل الدور المركزي للدولار في الأسواق الدولية.

تحديدات السيولة

أكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب أن خط مقايضة عملات مع مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي “قيد الدراسة”، فيما أوضح وزير الخزانة الأميركي أن إنشاء هذا الخط سيكون مفيداً لكل من الإمارات والولايات المتحدة، مشيراً إلى أن خطوط المقايضة تُستخدم للحفاظ على استقرار أسواق تمويل الدولار، ومنع البيع الفوضوي للأصول الأميركية، بما يعكس دورها كأداة لحماية الاستقرار المالي عالميًا وليس فقط كآلية دعم ثنائي.

اقتصاد الإمارات من بين الأكثر متانة عالميا

من جانبه، أكد معالي يوسف مانع العتيبة، سفير دولة الإمارات لدى الولايات المتحدة، أن أي حديث عن حاجة الإمارات إلى دعم مالي خارجي لا يعكس الواقع، مشددًا على أن اقتصاد الدولة يُعد من بين الأكثر متانة عالميًا. وأوضح أن هذه القوة تستند إلى أكثر من تريليوني دولار من الأصول الاستثمارية السيادية، وما يزيد على 300 مليار دولار من احتياطيات النقد الأجنبي، إضافة إلى قطاع مصرفي يضم نحو 1.5 تريليون دولار من الودائع، ما يعكس قاعدة مالية صلبة وقدرة عالية على مواجهة التقلبات.

وأشار إلى أن هذه المتانة هي التي تقف وراء حجم الاستثمارات الإماراتية في الاقتصاد الأميركي، والتي تتجاوز تريليون دولار، مع وجود مسار واضح لمزيد من التوسع، مؤكداً أن العلاقة بين البلدين تقوم على المصالح المشتركة والثقة الاستراتيجية طويلة الأمد، وليست علاقة اعتماد أو دعم أحادي.

وفي هذا السياق، تبدو المقايضة المحتملة امتدادًاً طبيعياً لشراكة اقتصادية عميقة، تعزز استقرار الأسواق، وتدعم دور الدولار، وتؤكد في الوقت ذاته صعود الإمارات كمركز مالي عالمي قادر على التكيف مع التحولات وإدارة المخاطر بفاعلية.

النظام المالي العالمي

هذه التصريحات لا يمكن فصلها عن واقع أوسع يتمثل في استمرار هيمنة الدولار على مفاصل النظام المالي العالمي، حيث تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن العملة الأميركية تمثل نحو 58–60% من الاحتياطيات العالمية، أي ما يقارب 7 تريليونات دولار من أصل نحو 12 تريليون دولار، كما تدخل في نحو 88% من معاملات سوق الصرف، وتُستخدم في أكثر من 80% من تمويل التجارة الدولية، فضلًا عن ارتباط ما يقارب 60% من الديون العالمية بها، وهو ما يجعل أي اختلال في توفرها أو تكلفتها عاملاً مباشراً في نقل الضغوط عبر الأسواق الدولية.

فجوة التمويل

ضمن هذا السياق، تبرز فجوة التمويل بالدولار كإحدى أبرز نقاط الضعف في الاقتصاد العالمي، حيث تتجاوز الالتزامات المقومة بالدولار حجم السيولة المتاحة خارج الولايات المتحدة، ما يؤدي في أوقات الأزمات إلى ارتفاع حاد في تكلفة التمويل وتراجع الوصول إلى السيولة. وهنا يبرز دور الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي كمقرض ملاذ أخير عالمي من خلال أدوات مثل خطوط المقايضة، التي تهدف إلى احتواء الضغوط قبل أن تتحول إلى أزمات ممتدة.

أدوات استباقية

وفي هذا الإطار، فإن إدماج اقتصاد بحجم ودور الإمارات في هذه الشبكة يعكس تحولاً في وظيفة هذه الأدوات من آليات تدخل اضطراري إلى أدوات استباقية لإدارة المخاطر وتعزيز الاستقرار.

وبلغ الناتج المحلي للإمارات نحو 585 مليار دولار وتملك الدولة احتياطيات رسمية تتراوح بين 280 و305 مليارات دولار، مع فائض في الحساب الجاري يتجاوز 13% من الناتج ونمو متوقع يقارب 5 %، ولا تواجه الإمارات تحديات في الملاءة بقدر ما تتعامل مع بيئة مالية عالمية سريعة التقلب، حيث يمكن لضغوط السيولة قصيرة الأجل أن تتجاوز في تأثيرها قوة المؤشرات الكلية.

الوصول الفوري

من هنا، فإن القيمة الفعلية لخط المقايضة المحتمل تكمن في توفير وصول مباشر وفوري إلى الدولار دون الحاجة إلى تسييل الأصول أو الضغط على الاحتياطيات، بما يساهم في خفض تكلفة التمويل داخل النظام المصرفي، وتقليص فروق الفائدة، وتعزيز استقرار ربط الدرهم بالدولار عند مستويات 3.67، وهو عنصر أساسي في ثقة الأسواق واستقرار السياسات النقدية، فضلًا عن دعم جاذبية البيئة الاستثمارية عبر تقليل علاوة المخاطر السيادية.

المكاسب الأمريكية

في المقابل، لا تنفصل المكاسب الأمريكية عن هذا الترتيب، إذ تمتلك الإمارات استثمارات تتجاوز 330 مليار دولار في الأصول الأميركية، وهو ما يجعل استقرار قدرتها على الوصول إلى السيولة بالدولار عاملًا مهمًا في حماية هذه السوق من ضغوط البيع الاضطراري خلال فترات التوتر.

كما أن توسيع شبكة المقايضات يعزز من مركزية الدولار في النظام المالي العالمي، من خلال ربط مزيد من الاقتصادات مباشرة بمصدر السيولة الأساسي، وهو ما يحد من انتقال الأزمات الخارجية إلى الداخل الأميركي، ويدعم استقرار أسواق التمويل.

حماية الداخل الأمريكي

وفي هذا الإطار، يظل الاقتصاد الأميركي نفسه عاملاً محورياً في تفسير هذا التوجه، إذ يُعد الأكبر عالميًا بناتج يتجاوز 27 تريليون دولار، ويتميز بعمق أسواقه المالية، خاصة سوق سندات الخزانة التي تُعد الأكبر والأكثر سيولة عالميًا. ورغم قوة هذا الاقتصاد، فإنه يعتمد بدرجة كبيرة على الطلب العالمي على الدولار وأصوله المالية، ما يجعل الحفاظ على استقرار هذا الطلب هدفًا استراتيجيًا. ومن هنا، فإن خطوط المقايضة لا تستخدم فقط لدعم الخارج، بل لحماية الداخل أيضًا، عبر ضمان استمرار تدفقات الاستثمار في السندات الأميركية وتجنب تقلبات حادة في تكاليف التمويل الحكومي.

هيمنة الدولار

وفي سياق الاحتياطيات العالمية والتجارة، فإن هيمنة الدولار لا تتجلى فقط في كونه أكبر مكون للاحتياطيات، بل في كونه العملة الأساسية لتسعير وتسوية التجارة، حيث تُسعَّر نسبة كبيرة من السلع الاستراتيجية – وعلى رأسها النفط – بالدولار، وتُقوَّم به نسبة كبيرة من الفواتير التجارية العالمية، حتى بين دول لا ترتبط مباشرة بالولايات المتحدة.

هذا الاستخدام المكثف يعني أن الطلب على الدولار هو طلب تشغيلي يومي، وليس مجرد قرار استثماري، ما يعزز من حساسية الأسواق لأي نقص في السيولة. ومن ثم، فإن أي توسع في خطوط المقايضة، بما في ذلك مع الإمارات، يرسخ هذا الدور بدل تقليصه، ويؤكد أن الوصول إلى الدولار في أوقات الأزمات يظل مرتبطًا بالبنية التي يديرها الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي.

الأثر المحتمل

وإذا ما تم النظر إلى الأثر الكمي المحتمل، فإن خط مقايضة بحجم يتراوح بين 20 و30 مليار دولار سيبقى محدودًا كنسبة من الاقتصاد الإماراتي – أقل من 5% من الناتج وأقل من 10% من الاحتياطيات -لكنه سيكون ذا تأثير كبير على سلوك الأسواق، إذ تعمل هذه الأدوات أساسًا عبر تعزيز الثقة وتقليل الحاجة الفعلية لاستخدامها.

وعلى المستوى العالمي، من المتوقع أن يسهم هذا الترتيب في تهدئة ضغوط التمويل بالدولار، ودعم استقرار العملات المرتبطة به، وتقليل تقلبات أسواق السندات من خلال الحد من عمليات التسييل القسري، بينما ينعكس داخليًا في الولايات المتحدة عبر دعم استقرار سوق الخزانة وتعزيز الطلب على الأصول الدولارية.

ويعكس التوجه نحو خط مقايضة بين مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي والاحتياطي الفيدرالي الأمريكي تحولًا في بنية العلاقات المالية الدولية، حيث لم يعد معيار القوة مقتصراً على حجم الاحتياطيات أو الفوائض، بل أصبح مرتبطًا بمدى الوصول إلى شبكات السيولة التي يديرها الفيدرالي. وفي هذا الإطار، فإن انضمام الإمارات إلى هذه الشبكة لا يعزز فقط استقرارها الداخلي، بل يعيد تعريف موقعها ضمن الاقتصاد العالمي، من اقتصاد قوي يعتمد على الدولار إلى شريك أكثر اندماجاً في بنيته التشغيلية، في وقت يظل فيه الدولار، رغم كل التحولات، الركيزة الأساسية للنظام المالي العالمي.

اتفاقيات دائمة

يشار إلى وجود خمس اتفاقيات دائمة لخطوط المقايضة بين الفدرالي الأميركي وكل من بنك إنجلترا وبنك كندا وبنك اليابان والبنك الوطني السويسري والبنك المركزي الأوروبي.

وخلال أزمة كورونا في 2020، تم توسيع هذه الخطوط لتشمل تسعة بنوك مركزية إضافية، من بينها المكسيك وكوريا الجنوبية والبرازيل.

وتشترط آلية خطوط المقايضة أن يكون الطرف بنكاً مركزياً، وأن تكون العمليات مؤقتة، وتُسعّر بفائدة متفق عليها، وتُستخدم أساساً لتوفير الدولار في أوقات الأزمات.

ماذا تعني «مقايضة العملات»؟

إذا تخيلت نفسك في زمنا قديم تاجرا معروفا وذا سمعة عالية وقوية في السوق وتمتلك مخزونا كبيرا من الذهب يعصمك من تقلبات الزمن، ماذا تفعل إذا اضطرب السوق واحتجت قدرا كبيرا منه يوما ما لتعزيز حركة تجارتك؟  قد يلجأ البعض للإنفاق من مخزونه متحملا تبعات ما قد تسفر عنه الأيام وقد يتجه البعض الأخر لإدارة مقدراته بحنكة وهدوء فيلجأ إلى صائغ متمرس ويقايض بعض ماله بذهب جديد لفترة ما تحت شروط التجارة المتفق عليها هو الأسلوب الذي يشبه حديثا ما يعرف باسم «مقايضة العملات».

والمصطلح الحديث يعبر عن اتفاقيات تتم بين بنكين مركزيين لدولتين لتبادل عملاتهما لفترة مؤقتة بما يحقق للدولة المستفيدة سيولة أجنبية مباشرة تعزز بها دعم الاستقرار المالي، ولاسيما في أوقات الأزمات، مع الالتزام بإعادة المبالغ بسعر الصرف المتفق عليه. 

وتعد مبادلات العملات من أكثر الوسائل انسيابية وسلاسة للحفاظ على استقرار القطاع المالي، إذ تتيح إعادة تقييم القروض أو المدفوعات الأخرى من عملة إلى أخرى ويعود ذلك بمزايا عديدة للأفراد والشركات، إذ تتيح مرونةً في التحوط من المخاطر المرتبطة بالعملات الأخرى، بالإضافة إلى ميزة تثبيت أسعار الصرف لفترة أطول.

ومقايضة العملات في زمننا الحالي تتم ضمن طرق عدة، أبرزها ما يتم عن طريق تبادل مبالغ رأس المال مع تحديد سعر الصرف الأجنبي المتفق عليه فإذا وافقت دولة ما على منح 15 مليونا من عملتها مقابل 10 ملايين من عملة دولة أخرى، فهذا يعني أن سعر الصرف الثابت يعد 1.5 عملة للدولة الأولى مقابل كل عملة للدولة الثانية، وتستهدف تلك الطريقة حماية من مخاطر تقلبات أسعار الصرف، كذلك يمكن للدولتين الاتفاق على دفع بعض قيم أسعار الفائدة لبعضهما البعض عندما يتغير سعر الصرف الأجنبي بشكل كبير خلال مدة العقد.

بينما قد تتم المقايضة بأسلوب آخر باتفاق الطرفين على تبادل المقايضة بسداد أسعار الفائدة على القروض الأساسية دون تبادل أصل الدين في البداية، ويمكن أن تكون مدفوعات أسعار الفائدة ثابتة أو متغيرة، كما يمكن للجانبيين الاتفاق على تبادل مدفوعات أسعار الفائدة لخفض تكلفة الاقتراض.

وتعد خطوط مقايضة العملات التي أطلقها البنك الفيدرالي الأمريكي أحد أهم الأمثلة على إدارة مقايضة العملات كونها قنوات لتوفير السيولة الدولارية بين البنوك المركزية في أوقات الأزمات بفائدة متفق عليها بين الجانبين.

وبحسب الخبراء، تعكس المقايضة عدد من المكتسبات المباشرة، في مقدمتها ضمان استقرار أسعار الصرف بما يرسي مظلة مباشرة لحماية العملة الوطنية، وبالتالي المحافظة على القوة الشرائية المالية وضمانة قوة المدخرات ورؤوس الأموال المحلية سواء للأفراد أو المؤسسات، كما توفر رافدا أساسيا فوريا للسيولة بما يصب في قوة البنوك المحلية وتعزيز ملائتها المالية لتخطي أي تحديات مصاحبة للتقلبات المالية العالمية حاليا.

في الوقت ذاته، فإن ارتفاع السيولة الأجنبية لدى البنوك يضمن زخم أكثر في انتقال التمويلات وانسيابها نحو القطاعات الصناعية والتجارية بما يضمن انتظام التعاملات والتعاقدات نحو مدخلات الإنتاج، ولاشك أن المركز المالي القوي وارتفاع السيولة الدولارية من شأنه بدوره تعزيز حركة التجارة واستمرارية انتظامها نحو الأسواق المحلية وضمان استقرار أسواق السلع والخدمات.