كشفت وكالة الأنباء السعودية “واس” عن واحدة من أقدم الوثائق البصرية في تاريخ الجزيرة العربية، بنشر صورة فوتوغرافية تعود إلى عام 1861، التُقطت داخل أراضي المملكة.

أعادت هذه الصورة رسم ملامح مرحلة تاريخية سبقت ظهور الكاميرات الحديثة، حين كان التصوير مهمة شاقة تتطلب تجهيزات معقدة، في وقت لم تكن فيه المنطقة قد دخلت بعد عصر التوثيق البصري المنتظم.

أول صورة في السعودية.. مهمة علمية تحولت إلى توثيق تاريخي

التقط العقيد محمد صادق الصورة خلال مهمة رسمية لإجراء مسح لطريق الحاج بين مدينتي الوجه وينبع، وفق ما نقلته “واس”، لتتحول تلك المهمة الهندسية إلى لحظة فارقة في تاريخ التصوير داخل الجزيرة العربية.

حمل الضابط المصري كاميرته رغم أن التصوير لم يكن جزءًا من تكليفه الأساسي، ليسجل مشاهد المدينة المنورة.

وقد كان ذلك في وقت لم يكن فيه أي توثيق بصري معروف لتلك البقعة، وهو ما جعل هذه اللقطة تُصنف لاحقًا كأقدم صورة فوتوغرافية معروفة داخل السعودية.

تقنية بدائية صنعت تاريخًا بصريًا

اعتمد المصور على تقنية الألواح المبتلة، وهي واحدة من أقدم أساليب التصوير في القرن التاسع عشر، حيث كانت الكاميرا ضخمة وتحتاج إلى غرفة مظلمة متنقلة لإنتاج الصور.

وبحسب ما ورد في كتاب “بدايات التصوير الصحفي في المملكة العربية السعودية”، فرضت هذه التقنية تحديات ميدانية كبيرة، خاصة في بيئة صحراوية، إلا أن النتائج جاءت استثنائية، إذ أنتجت صورًا عالية الجودة نسبيًا.

من المدينة إلى مكة.. أول توثيق للحرمين والمشاعر

عاد صادق بعد عقدين تقريبًا إلى الأراضي المقدسة، حيث تمكن عام 1881 من تصوير مكة المكرمة والمسجد الحرام والكعبة، إضافة إلى مشاهد الحج في منى وعرفات، ليصبح أول من وثّق تلك الأماكن المقدسة بعدسته.

وسّعت هذه الرحلة نطاق التوثيق ليشمل الشعائر والحجاج، حيث لم يقتصر عمله على المعالم، بل امتد لتسجيل الحياة الدينية والاجتماعية المرتبطة بالحج، ما منح أعماله طابعًا إنسانيًا وتاريخيًا متكاملاً.

من هو محمد صادق؟ ضابط ومصور ومؤرخ

ولد محمد صادق في القاهرة خلال القرن التاسع عشر، وتلقى تعليمه العسكري في مصر ثم في باريس، قبل أن يعود برتبة عقيد في الجيش المصري، ويعمل في مجالات المساحة ورسم الخرائط.

جمع صادق بين العمل العسكري والاهتمام العلمي، حيث وثّق رحلاته في كتب ومؤلفات، تضمنت إرشادات للحجاج إلى جانب الصور، ما جعله أحد أوائل من دمجوا بين التوثيق البصري والنصوص الإرشادية في العالم الإسلامي.

صور نادرة وصلت إلى متاحف العالم

انتقلت أعمال صادق إلى منصات دولية، حيث عُرضت صوره في معرض فيلادلفيا عام 1876، كما قدم مجموعة منها في مؤتمر الجغرافيين بالبندقية عام 1881، وحصدت ميدالية ذهبية، ما يعكس التقدير العالمي المبكر لأعماله.

تُحفظ هذه الصور اليوم في مؤسسات دولية بارزة مثل متحف فيكتوريا وألبرت ومكتبة هارفارد، إلى جانب مجموعات متخصصة في فنون الحج، ما يؤكد قيمتها التاريخية والفنية.

إرث بصري أعاد اكتشاف تاريخ المنطقة

وثّق المصور المصري تفاصيل دقيقة عن الحياة في المدينة المنورة ومكة، شملت العمارة، والحجاج، والشخصيات المرتبطة بالحرمين، مستفيدًا من خلفيته كمهندس خرائط في التقاط زوايا بانورامية دقيقة.

كشف هذا الإرث عن مزيج فريد بين الرؤية الفنية والدقة العلمية، حيث قدّم صورًا لا تقتصر على الجانب الجمالي، بل تحمل معلومات جغرافية وثقافية عميقة، ما يجعلها مرجعًا تاريخيًا نادرًا.

اقرأ أيضًا: إنجاز تاريخي في النقل الإقليمي.. السعودية تقود مشروع ربط السكك الحديدية مع تركيا عبر الأردن وسوريا لإعادة تشكيل خريطة التجارة

نسخ الرابط
تم نسخ الرابط